موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
النص القرآني في معترك الوجود

                                          عباس أرحيلة
أولا:  النص القرآني منهج محروس بمعجزة بيانية تشكلت داخل نسق لغوي يحمل فحوى رسالة سماوية. في أمّة مفخرتها فن القول، وأنيط بذلك النسق اللغوي مقاصد تلك الرسالة؛ فأصبح فهم تلك المقاصد موقوفاً على فهم  ما تكشفه لنا مدلولات الخطاب.
ومنذ بدء الحياة الإسلامية أخذ الوحي مكان الصدارة بوصفه النص الأدبي الأول للمسلمين، ولما ارتبط الوجود الحضاري للأمة الإسلامية بمقاصد الوحي أصبح التأمل في دلالات ذلك الوحي أساس ذلك الوجود. ففي ذلك النص الموحى استمدت الكينونة الإسلامية مجالات النظر إلى الألوهية، والكون، والحياة، والإنسان. ومنه استلهمت التصورات والآراء والمواقف في مواجهة كل التحولات.
وتؤكد التأملات المعاصرة في النص القرآني حيوية، وقابليتة للتجدد، ومرونته في مواجهة التحديات لتقرر جهود المعاصرين أن ذلك النص لم يُفْضِ إلينا بكل ما ينطوي عليه من أسرار حتى الآن.
ثانيا: والنص القرآني هو أساس الوجود الحضاري لأمة الإسلام منذ شع نوره توالت محاولات التشكيك في مصدره لنفي صلته بالسماء، ونفي صفة الإعجاز عنه، وبالتالي طمس المعنى القومي للأمة العربية التي حدد كيانها الإسلام.

والإسلام لم ينتشر في فراغ، بل واجه ديانات السماء والأرض، ودخل في حوار مع مخلفات الديانات السابقة.
فلم تلبث ملل الشعوب الداخلة في الإسلام ونحلها أن ظهرت في تصوراتهم في فهم القرآن وتحركت الأحقاد الدفينة لنسف ذلك الكتاب الذي أعلى شأن الفاتحين، ولاحت شرارة العقيدة طعناً وتشكيكاً في القرآن باعتباره مصدر القوة في بناء دولة الإسلام.
ثالثا: فكان الدفاع عن النص وعن الهوية، فقد أدرك المسلمون خلفيات الصراع الحضاري، ورغبة المناوئين في نسف قدسية الوحي ، فاندفع علماء المسلمين من لغويين ونحاة ومفسرين وفقهاء ومتكلمين يدافعون عن القرآن، ويتعمقون أسرار دينهم بتعمقهم في مناحي القول فيه، وهكذا عمدوا إلى ترسيخ الفكر العربي وتوطيد العقيدة الإسلامية ؛حتى لا تجرفها التيارات والأهواء.

وقد اتسعت آفاق النص أمام روافد الثقافات الوافدة والخلافات المذهبية المتجددة، وقد استغل الشعوبيون والملاحدة التسامح الديني الذي أظهره الخلفاء العباسيون، فجاهروا بمعتقداتهم، وتفجرت مكبوتاتهم الشعوبية العدائية فتأولوا القرآن على أهوائهم.

وهنا تصدى لهم علماء الكلام خاصة، فحصّنوا العقيدة، وأقاموا البراهين وأزالوا الشّبه، وتسلح علماء الأمة بأداتين:

أولهما: كلامية فلسفية، تدفع مطاعن الملحدين، وتكشف عن زيف أقوال الخصوم، وتدافع عن مصداقية الوحي باعتباره دليلاً على نبوة الإسلام،

أما الأداة الثانية، فجمالية فنية انصرفت إلى الكشف عن سر العبارة القرآنية، والتأمل في معمارها الفني، وإيحاءاتها، وأبعادها، وطرق أدائها، و البحث في مفعولها في وجدان متلقيها وفي عقلية المشرع الذي يهدف إلى الكشف عن المعنى في ضوء مسالكه وسبل إيراده.

وهاتان الأداتان بلورتا علما مستقلاً، وفي القرن الهجري الرابع، هو علم إعجاز القرآن، وكانت قضية الإعجاز القرآني من أخطر القضايا التي جابهت الإسلام والمسلمين. وأسهم الباحثون المسلمون، على اختلاف مشاربهم، في صياغة نظرية الإعجاز؛ فأخذت هذه النظرية حيزها الواضح في مجال العقيدة، وعلم الكلام، وفي مجال التفسير، وأثرت بحوث اللغة والبلاغة، والنقد، فقد تمحورت الجهود حول إثبات الخصائص الذاتية للنص القرآني، باعتباره نصاً فنياً متفرداً معجزاً.

 

(1) تعليقات
كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة ، محاولة رائدة في مرحلة التأسيس

 

عباس أرحيلة

تمهيد:
 
        أراد كل من النحو والبلاغة والتفسير أن يحتسب موضوع هذا الكتاب لنفسه. والحق أن التنازع فيه نابعٌ من محتواه، ومن طبيعة العصر الذي وُضعت فيه أسس العلوم الإسلامية، ومن مكانة صاحبه في عصر شيوع التدوين. وهو عصر حرص على حفظ اللغة، والإحاطة بمسالكها في التعبير، حتى تواكب انصهار الأجناس غير العربية في بوتقة الشعب العربي: خاصة وأن الإسلام جعل اللغة العربية وسيلة عالمية لتبادل الفكر. ومع أن كتاب مجاز القرآن يستجيب للنحو والبلاغة والتفسير وغيرها من المعارف، وبرغم من أن صاحبه لا يتوسع في تشقيق البحوث البيانية؛ إلا أنه يُعدّ مرحلة أولية في الكشف عن إعجاز القرآن وبيان بلاغته، كما أنه شكل الاتجاه العام الذي كان يُسيطر على الباحثين في النص الديني المُعجز لبيان ما فيه من وجوه التجوز في نهاية القرن الثاني للهجرة.
 
المبحث الأول: أبو عبيدة وكتابه مجاز القرآن
 
       أولا: مع أبي عبيدة
 

أُثير جدلٌ كثير حول أبي عبيدة ( معمر بن المُثنّى) قديماً وحديثاُ لما تميّزت به شخصيتُه من أصالة وخطورة، انطلاقاً من إسهامه في مجال الدرس القرآني. وإن المُتمعّن في سيرة الرجل تنكشف له خلفيات هذا الجدل:

        1 – فأبو عبيدة فارسي الأصل، تعصّب لأعجميته، وكان أحد زعماء الحركة الشعوبية، استخدم ثقافته في الطعن على العرب وفضح مثالبهم بطرق عدة. فقد ألّف كتباً في فضائل الفرس كما ألّف لصوص العرب وأدعياء العرب، وكان من طرُقه في ثلْب العرب أنه كان يُعلن فضائل الفرس، ويتهكّم بما تفخر به العرب، مع اختلاق قصص للتشنيع عليهم.

        2 – كان يهوديّ الأجداد، وإن كانت عناصر الثقافة اليهودية غير واردة في مؤلفاته، ولا أَثَر للإسرائيليات في كتابه مجاز القرآن (1).

        3 – نُسب إلي الميلُ إلى مذهب الخوارج الإباضية، كما نُسب إليه القول بالقدر.

         4 -  جَمَعَ صفاتِ نفَّرت الناسُ منه، فهو شتّامٌ بذيء اللسان، على دراية بالنسب، وَسِخٌ، مدخولُ الدين، إذا قرأ القرآن قرأه نَظَراً. ولما مات لم يحضُر جنازَتَه أحدٌ لشراسة طبعه (2).

        5 - ويزيد من خطورة الرجل إلمامُه الواسع بعلوم العربية في البيئة البصرية، وهو إلمامٌ يُقرّ به الأصدقاء والخصوم على السواء، ويُؤهّله للبحث الموضوعي في كتاب الله تعالى؛ إلاّ أن كتابه أثار نقَدَ معاصريه إذ طنّوا أن فيه لوناً من التفسير بالرأي. وقد أورد ابن النديم في الفهرست من الدراسات القرآنية: مجاز القرآن، وغريب القرآن، ومعاني القرآن، ولم يبق منها إلا مجاز القرآن وقد قام بتحقيقه من أجل الحصول على درجة الدكتوراه محمد فؤاد سزكين، وأخرجه سنة 1954، بتصدير أمين الخولي.  
 
        ثانيا: كتاب مجاز القرآن:
 
        1 – ظروف تأليف الكتاب:
 

        استقدَمَ الفضلُ بن الربيع، والي البصرة، أبا عبيدة سنة ثمان وثمانين ومائة للاستفادة من علمه. وفي مجلسه، سأله إبراهيم بن إسماعيل الكاتب في قوله تعالى: ﴿طَلْعُهاَ كأَنَُّه رُؤوسُ الشَّياطِين﴾[الصافّات:65]. وقال: إنما يقعُ الوعْدُ والإيعادُ بما عُرِفَ مثلُه. وهذا لم يُعرَف. فقال أبو عبيدة: إنما كَلَّمَ الله تعالى العربَ على قدِر كلامهم، أَمَا سمعتََ قول امرئ القيس:

       أيقتلني والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعي     ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغْوالِ

        وهم لم يرَوْا الغُولَ قط. ولكنهم لما كان أمِرُ الغول يَهُولُهم أُوعِدوا به. فاستحسنَ الفضلُ ذلك، واستحسنَه السائلً.

        وعزَمَ أبو عبيدة من ذلك اليوم أن يضع كتاباً في القرآن في مثل هذا وأشباهه، وما يحتاج إليه من علمه. فلما رجع إلى البصرة عمْل كتابَه الذي سماه ( مجاز القرأن).

ويُستفاد من رواية تأليف الكتاب(3) ما يلي:

أ – خفاء بعض المعاني القرآنية على أهل العصر نظراً لتباعُد الزمن عن صدْر الإسلام. ولعلّ أبا عبيدة أحسَّ أن الكُتّابَ من حوله أنشأوا ينظرون في القرآن وإليه نظرةً أخرى، فهم يسألون عن أشياء كانوا يظنونها مما تركتْه الجاهلية في نفوس الناس وأفئدتهم؛ كحديث القرآن عن النار وتشبيهه لطلْعِها بأنه كرؤوس الشياطين (4).

 ب – أدركَ أبو عبيدة خطورة الجهل بمذاهب العرب في القول، على تحريف مدلول النص وفهم معاني القرآن، فبادر إلى تأليف مجاز القرآن.

 ج - ويلاحظ أن السائلَ كاتبٌ من أهل صناعة البيان استوقفه من التشبيه القرآني أن المشبَّهَ به غير محسوس. وأن أبا عبيدة أحال ذلك السائل على بيت شعري جاهلي ليُؤكّد أن التصوير فيه من جنس التصوير القرآني.

 د - وإلى جانب الإشارة إلى تاريخ تأليف المجاز، يتضح أن أبا عبيدة عالج كيفية التوصل إلى فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب في الكلام، وسُنَنِهم في وسائل الإبانة عن المعاني، حين أحسَّ بحاجة الناس إلى وصلِ حاضر اللغة بسالفها(5).

         فالعامل الديني كان من أهم البواعث في حفْز العزائم على البحث في متصرّفات الخطاب في كتاب الله تعالى. فغاية أبي عبيدة الكشف عمّا أُشكل من معاني القرآن بمعرفة طرُق أداء المعنى. ولقد كانت ملاحقة المعنى سببا في نشأة علوم ثلاثة، أثرت في البلاغة تأثيرا بالغا، وهذه العلوم هي: التفسير وهدفه حصر المعنى، وأصول الفقه وهدفه استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وعلم الكلام وهدفه إثبات أصول الدين (6).

        وكلّما ابتعدنا عن صدر الإسلام وعظُم الاتصال بالأعاجم اشتدَّ طلبُ المعنى القرآني والسؤال عنه، ولذا كثُر التأليف في معاني القرآن وغريبه في القرنين الثاني والثالث. فالدراسات اللغوية في مرحلة ازدهار التدوين كان من بين أسباب وجودها، العناية بالنص القرآني أداءً وفهماً حيث تَتَرَبَّى العقول على معانيه وتتجاوب الأذواق مع جمالياته.
 
        2- المراد بالمجاز
 
        أ – معنى المجاز:
 
يُرادُ بالمجاز العدولُ عن الطريق الطبيعي للألفاظ في معانيها ونظمها إلى طريق آخر فيه مُجاوَزة وتجوُّز. وإن الوُقوف عند دَوران كلمة مجاز في الكتاب، وإن تعدّدتْ في بعض المواضع دلالتها، فإن السَّعَة اللغوية يقصد أبو عبيدة المَعْبَر إلى الفنون الأسلوبية في القرآن. فالمجاز طُرُقٌ يَسلكُها القرآنُ في أدائه البياني أي في تعابيره. وكلمة المجاز عنده لا علاقة لها بالمصطلح البلاغي بقدر ما تعني الدلالة الدقيقة للصيغ التعبيرية المختلفة في القرآن؛ مُستشهداً عليها بما يُشبهها من أنماط أساليب العرب. ولعل الإحساس بضرورة التعرف على وجوه الحسن في أساليب القرآن والواردة في كلام العرب؛ جعل لموضوع المجاز مكانةً خاصّةً في الدراسات القرآنية والبحوث الإعجازية.
 
ب - منهج الكتاب، ومناحي المجاز فيه:
 

         يبدأ الكتاب بمقدمة عامة يُحدِّدُ فيها أبو عبيدة منهجه، ومجال كلمة مجاز فيه؛ مؤكّداُ أن فنون التعبير في القرآن لا تخرج عن المأثور من أساليب العرب وفنونهم. ثم يسوق أمثلة مفصلة للبيان العربي.

        يقول في المقدمة: « قالوا إنما أُنزِل بلسانٍ عربيّ مبين، ومِصداق ذلك في آية من القرآن... ﴿ ومَا أَرسَلْنا مِنْ رسُولٍ إلاَّ بِلِسانِ قَوِمِه﴾ [ إبراهيم:4]. فلم يحْتَج السلَف ولا الذين أدركوا الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه، وعمّا فيه ممّا في كلام العرب من وجوه الإعراب ومن الغريب والمعاني»(7).

        وبعد المقدمة يبدأ بشرح غريب القرآن من بداية المصحف، مُشيراً إلى الحديث النبوي الشريف المناسب، ثم يأتي بالشاهد من مأثور الشعر أو النثر.
 
        ج – التوسّع في الرؤية البيانية:
 

لقد تميَّز منهجه بسعة الثقافة والحرية في فهْم النصوص، فاعتمد حِسَّه اللغوي في استقرائه لمناحي المجاز دون أن يلتزم بقواعد لغوية ناشئة على عهد تصطدم بالنص القرآني، فلم يخضع لقيود مدرستي الكوفة والبصرة لفهم النصوص العربية. وعُنيَ في ضوء هذا التحرّر بالناحية اللغوية في القرآن، وأكثر من الاستشهاد على الآيات بالشعر العربي ممّا صرَفَه عن الاشتغال بالنص القرآني(8).

         وفي مجال كشف دقائق التعبير توسَّعَ في بيان الخصائص التعبيرية من استعارة وتشبيه وكناية وتقديم وتأخير وحذف وإضمار وتكرار؛ ليُثبت أن النص القرآني يحمل كل سمات الكلام العربي، وأن من يتصدّى لفهم هذا النص لابد أن يُلمّ بفقه العربية وأساليبها واستعمالاتها. من هنا فاض كتاب المجاز بمأثور القول من منثور الكلام العربي ومنظومه، تأكيداً لقوله بأن العرب لم يكونوا في حاجة إلى كتابه المجاز في القرآن؛ لأنهم أعرف بأساليب القول في لغتهم.

        وذكر د. محمد زغلول سلام أن الفكرة التي راودت أبا عبيدة، وهو يؤلف كتابه كانت فكرة مدرسية حاول من خلالها أن يضع أمام طبقة المستعربين صوراً من التعبير في القرآن، وما يُقابله من التعبير المعهود للألفاظ والعبارات إلى معانٍ وتراكيب أخرى اقتضاها الكلام (9).

        وإذا كان الفهم اللغوي يطبع تصوّره للصورة البيانية؛ فإن البحث اللغوي في مجاز أبي عبيدة؛ يؤكّد أن النص القرآني َخلَقَ ذلك البحثَ خلْقاً، وأن العرب رأوا في القرآن مثالاً بليغا، وطرازاً معجزاً عن التعبير نفذ إلى حسّهم اللغوي بأساليبه المتضافرة، فانبثق في نفوسهم منذ عهد مبكر إعجابٌ بليغ وحسّ دقيق بروعة النص (10). على أن الاتجاه العام الذي كان يسيطر على المُتصذّين للنص القرآني المعجز، لبيان ما فيه من وجوه التجوّز وأساليبه؛ كان أمراً ملحوظاً في هذه الفترة، نجد هذا عند الإمام الشافعي (204هـ) وأبي عبيدة والفراء (207هـ)، وفي حديثهما عن اللغة صورة من التقارب؛ فالشافعي يتحدث عن فهم النص فهما لغويا بأسرار اللغة وطرائقها في التعبير، كما صنع أبو عبيدة (11).
 

المبحث الثاني: طبيعة المجاز في الكتاب

 

        ومناحي المجاز المبثوثة في الكتاب تطوف بقضايا أسلوب القرآن، مشيرة إلى مذاهب العرب التعبيرية، وكيف جرى البيان القرآني وفاقها. ويمكن تقسيم مناحي مدلول المجاز الواردة في الكتاب إلى الوجوه التالية:
 
       أولا: ما يطرأ على اللفظ من تحوّل لغوي حسب السياق:
 

أ - تحوّل مدلول الفاعل إلى مفعول أو العكس. يقول أبو عبيدة عن قوله تعالى ﴿ والنهارَ مُبْصِراً﴾ [ يونس:67]، له مجازان: أحدهما؛ أن العرب وضعوا أشياء من كلامهم في موضع الفاعل والمعنى أنه مفعول؛ لأنه ظرف يفعل في غيره؛ ولأن النهارَ لا يُِبْصِر. ولكن يُبْصِرُ فيه الذي ينظر. وفي القرآن﴿ في عيشة راضية﴾ وإنما يَرضى بها الذي يعيش فيها (12).

ب - ومن مجاز ما جاء لفظه الذي له جماع منه ووقع معنى هذا الواحد على الجميع. قوله تعالى ﴿ يُخرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [ الحج:5] في موضع (أطفالا). وقوله تعالى:﴿ والمَلَكُ على أرْجائِها﴾  الحاقة:17]، في موضع ( الملائكة).

ج -  ومن مجاز ما جاء لفظه لفظ الجمع الذي له واحد منه، ووقع معنى هذا الجمع على الاثنين، قوله تعالى: ﴿ فإنْ كانَ لهُ إِخْوَةٌ﴾ [ النساء:11]، فالإخوة جمْحٌ وقَعَ معناه على أخويْن. وقال: ﴿السارقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْديَهُما﴾ المائدة:38]، موضع يديهما [ص8 – 9].

د - ومن مجاز ما جاء في لفظ خبَر الجمع على لفظ الواحد، قوله تعالى:﴿والملائكةُ بعْدَ ذلك ظَهيرٌ﴾ [ التحريم:4]، في موضع ظُهَراء.

هـ - وقد ينقلب إلى ضده، كما في قوله تعالى: ﴿ منْ ورائهِم جهنَّمُ﴾[الجاثية:10]، مجازه: قدّامَه وأمامَه.

و - وقد تتغيَّرُ الصيغةُ بزيادة حرف، فقوْل الله تعالى: ﴿ فأمْطَرْ عليهمَ حِجارةً من السماء﴾ [ الأنفال:32]، مجازه أنَّ كلَّ شيء من العذاب فهو أمْطرْتً بالألف، وإن كان من الرحمة فهو مَطِرْْتُ.

ز - وقد يتغيّر مدلول الاستفهام، كما في قوله تعالى: ﴿ إنَّ الذين كفَروا سواءٌ عليهم أَأَنْذرتَهم أمْ لمْ تُنذرْهم﴾ [البقرة:6]، هذا كلامٌ هو إخبارٌ خرج مَخرَج الاستفهام [ ص31].
 
ثانياً: يُراد بالمجاز بعض المعاني البلاغية:
 

إذا تذكّرنا أن المصطلحات البلاغية قد عرفتِ النور في أجواء الدراسات القرآنية في مراحلها الأولى، فإن مدلول المجاز سينصرف بلا شك إلى مجموعة من المعاني البلاغية التي ستنمو وتنضج مع الأيام، ونجد من المعاني البلاغية التي اختفت وراء كلمة مجاز، ما يلي:

        أ – الالتفات:

         يقول أبو عبيدة عن قوله تعالى:﴿ ألم ذلك الكتابُ ﴾ [ البقرة:1]، معناه هذا الكتاب؛ وقد تخاطب العرب الشاهدَ فتُظهرُ له مخاطبةَ الغائب. ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تُركتْ وحُوِّلتْ مخاطبتُه إلى مخاطبة الغائب. قال تعالى: ﴿ حتى إذا كُنْتُم في الفُلْكِ وجَرَيْن بهم ﴾ [يونس:22]؛ أي بكم [ ص11].

ب – التقديم والتأخير:
 ورد في المقدمة ومن مجاز المقدم والمؤخر، قال تعالى:﴿ فإذا أنزلْنا عليها الماءَ اهتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [ فصلت:38]، أراد ربت واهتزت. وقال:﴿ لم يَكَدْ يَراها ﴾ [ النور:40]؛ أي لم يَرها ولم يكد [ص30].
ج – التشبيه والتمثيل:
 ترد كلمة تشبيه عند شرحه لقوله تعالى:﴿ نساؤُكُم حرثٌ لكم ﴾ [ البقرة:223]، فيقول: كناية وتشبيه. ويقول في الآية:

﴿ أَفَمنْ أُسِّسَ بُنيَانُه على تقوىً من الله ورضوانٍ خيْرٌ أمّن أُسِّسَ بنيانُه على شفَا جُرُفٍ هارٍٍ فانهارَ به في نار جهنم ﴾ [التوبة:109]، مجاز تمثيل؛ لأن ما بناه على التقوى أثبتُ أساساً من البناء الذي بنَوْهُ على الكفر والنفاق، وهو على شفا جُرُف، وهو ما يُجرَفُ من سيول الأودية فلا يثبت البناء عليه [1/269].

        د – الاستعارة والكناية:

                أغفل أبو عبيدة لفظة الاستعارة في كتابه وأطلق لفظ «مجاز» في معناها، كما في تفسيره لقوله تعالى:﴿ ويُثبِّتَ به الأقدامَ﴾ [ الأنفال:11]، مجازُه: يُفرغُ عليهم الصبر، ويُنزِّلُه عليهم؛ فيثبتون لعدوِّهم. وفي تفسيره لقوله تعالى:﴿ إلاَّ هوَ آخذٌ بناصيتها﴾ [ هود:56]، مجازه: إلاّ هو في قبضته ومُلكه وسلطانه. وينُصُّ على الكناية في كتابه بطرق مختلفة قريبة في مجملها من مدلول المصطلح البلاغي. قال في قوله تعالى:﴿ كلاّ إذا بلغت التراقيَ ﴾[ القيامة:26]. وقوله تعالى:﴿ كلُّ مَن عليها فانٍ ﴾[ الرحمن:26]، وقوله تعالى:﴿ حتى توارَتْ بالحجاب ﴾[ص:36]، إنّ الله كنّى في الأول عن الروح من غير أن يجري ذكرها. وفي الثانية عن الأرض. وفي الثالثة عن الشمس. ثم يأتي بمقال لهذا المعنى عند العرب كعادته، وعلى هذا قول حاتم الطائي:

أَماويّ ما يُغني الثراءُ عن الفتى     إذا حشرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدرُ

        يعني حشرجت النفس، وقال دعبل الخزاعي:

 إذا كان إبراهيمُ مُضْطلعاً بها

        أي الخلافة [ ص34].

         وفي قوله تعالى: ﴿ أوْ على سَفَرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغائط ﴾ [ النساء:43]، كناية عن قضاء الحاجة. وكذلك قوله تبارك وتعالى:﴿ أو لامستُم النساء﴾، كناية عن الغشيان. ويلاحظ أن أبا عبيدة لا يَحيد عن موقف اللغويين في تفسير الاستعارات والتشبيهات المتعلقة بالذات الإلهية أو بالعقيدة، فيكتفي بالمعنى المجازي القريب خوفاً من الوقوع في التجسيم، فتراه يُفسر مثلا ﴿ يدُ الله مغلولة ﴾، بقوله: خيْر الله.
 
        ثالثا: قد يُراد بالمجاز أيضا نُكَتٌ عامة في الأسلوب العربي
 

وقد عرض للإيجاز والإطناب والتكرار والإضمار وزوائد الحروف وغيرها. فمن مجاز المضمر فيه استغناء عن إظهاره ﴿ بسم الله ﴾ ففيه ضمير مجازه هذا باسم الله أول كل شيء.

ومن مجاز المكرر للتوكيد قوله تعالى:

﴿ إنّي رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً والشمس والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين ﴾[ يوسف: 4]، أعاد الرؤية. وقال:﴿أولى لك فأولى﴾[ القيامة:34]، أعاد اللفظ.

        ومن مجاز الأدوات اللواتي لهن معان في مواضع شتى، فتجيء الأداة منهن في بعض تلك المواضع لبعض تلك المعاني. قال تعالى:﴿ إنَّ الله لا يستحيي أن يضربَ مثلا ما بعوضةً فما فوقها ﴾[ البقرة:26]، معناه فما دونها. وقال:﴿ والأرضَ بعدَ ذلك دحاها﴾[ النازعات:30] ومعناه: مع ذلك، وقال:﴿ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ [ المطففين:3]، معناه: من الناس.

         ويتضح من خلال استعمالات لفظة (مجاز) أنها تنطوي على عدّة مرام حسب الأنماط التعبيرية الواردة في الكتاب، وأن التسمية لغوية وليست اصطلاحية. فالمجاز « مَعْبَرٌ» لمعرفة أساليب العرب: فهو تفسير وتأويل. ويتضح هذا منذ السطور الأولى في كتاب المجاز. فقد ورد في فاتحته: قال الله جل ثناؤه:﴿ إنَّ عليْنا جمعَه وقرآنَه ﴾ [ القيامة:17]، مجازه: تأليف بعضه إلى بعض. ثم قال:﴿ فإذا قرأناه فاتَّبِعْ قرآنه﴾، مجازه: فإذا ألفنا منه شيئاً، فضممناه إليك، فخُذْ به واعمل به، وضُمَّه إليك.

        قال عمرو ن كلثوم في هذا المعنى:

         ذِراعيْ حُرَّةِ أدْماءَ بَكْر     هِجانٍ اللون لمْ تَقْرأْ جنيناً

أي لم تَضُمّ في رحمها ولداً قط [ ص 2 – 3].

         ولعل هذا الاتجاه اللغوي في التفسير كان وراء ما أثاره كتاب المجاز من نقد معاصرين له – وبخاصة المحافظون منهم – لا لأنهم لمسوا فيه لوناً من التفسير بالرأي فقط، ولكنهم وجدوه وسيلة تسربوا منها لدفع منزعه الشعوبي المناوئ للعرب.

         فالفراء لا يرضى عن مسلك أبي عبيدة في تفسير القرآن، والأصمعي يغضب، وأبو حاتم السجستاني يرى ألا يحل كتابة المجاز ولا قراءته إلا لمن يُصحح خطأه. وكذلك كان بعد ذلك موقف الزجاج والنحاس والأزهري والطبري منه (13).

        فصاحب المجاز أثار حفيظة معاصريه – ومن جاء بعدهم – لأنه لم يتقيّد بالمأثور عن السلف من المفسرين، وتعامل مع البيان القرآني باعتباره لغوبا؛ عمْدتُه الأولى الفقه باللغة، والنفاذ إلى خصائص التعبير فيها، حتى عُدّ الكتاب من أوائل كتب البلاغة.
 
        المبحث الثالث: أهمية كتاب المجاز ومكانته
 

        يمكن القول إن محاولة أبي عبيدة فتحت منافذ على البحث في لغة القرآن وأسلوبه. وبالرغم من اختلاف الباحثين حول موضوع الكتاب (هو عند طه حسين كتاب يهتم باللغة، وهو عند الخولي كتاب في التفسير، وعند إبراهيم مصطفى كتاب في النحو)؛ فإنه، انطلاقا من الباعث على تأليفه، وبالنظر لطريقة عرضه للطرق المختلفة في الصياغة والدلالة؛ كان يتحرك نحو قضية إثبات عربية القرآن مع مقابلة ذلك بما تعارف عليه العرب. ولاحظ د. مصطفى الجويني أن بحث أبي عبيدة للغة القرآن تتوزعه ناحيتان:

        أ – ناحية التركيب، أي المذهب القرآني في التعبير على النمط عينه الذي كان للعرب في أسلوبهم.

        ب – وناحية البرهنة على خُلوص عربية اللفظ القرآني، فهو شديد الحساسية من ناحية، ومع كل شبهة من عربية القرآن (14).

        يقول أبو عبيدة:« نزل القرآن بلسانٍ عربيّ مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظمَ القول» (15).

       فالكتاب غلب عليه البحث في أساليب القرآن، مع التمثيل عليها بما يُشبهها من أشعار العرب وأساليبهم، وجره هذا الاختيار على الحديث عن فنون القول وأنماطه؛ فكان نواة أولى للبحوث البيانية، ولبنة هامة في البنية الثقافية لمن سيتولى عرض قضية إعجاز القرآن. ولا سيما أن أبا عبيدة لم يكن إخباريا جافا، بل كان يتمتع حس فني تعكسه وقفاته الجمالية مع اللغة والشعر فيما خلفه من تراث (16).

        وإذا كان د. فؤاد سزكين يقول عن منهج الكتاب، إن صاحبه اعتمد فيه على حسِّه اللغوي الخاص في إعراب الآيات أو الأشعار، وأنه حطّم الحواجز النحوية التي وضعها النحاة أمام النص القرآني؛ فإن هذا لا ينفي عن الكتاب القيمة النحوية؛ إذ فيه من المسائل النحوية التي دارت حول الآيات القرآنية ما يُؤهله عند بعضهم ليصبح مصدراً من مصادر النحو القرآني (17). فأبو عبيدة وصل بين النحو وبين النص القرآني شأن النحاة الذين كانوا من أوائل الدارسين الذين انتهوا إلى الاعتماد على اللغة في التفسير ما دام القرآن قد نزل بهذه اللغة للإعجاز.

ولا جدال في أن هذا الاتجاه في التفسير كان قد أصبح اتجاها متميزا له منزعه الخاص وأسلوبه المتفرد، وقدرته البالغة على التحليل الذي لا يدع النص مغلقا أو مطويا على نفسه دون الاستفادة من كل ما فيه من إيثار لفظة على أخرى أو حرف على حرف.

         ولعل هذا يُفسر لنا كيف دافع أمثال أبي عبيدة مبدأ التحرّج في التفسير، وكيف شقوا الطريق لحركة تفسيرية واسعة فيما بعد، كما أنهم بعملهم هذا مكّنوا من إقامة درس بلاغي يساند منهجهم التحليلي في فهم النص القرآني، والاستنباط منه. ومما يُؤكد هذا أن الدراسة البلاغية التي ظهرت عند العرب، والتي تدرجت حياتها فيما بعد، تعتمد كلها على النحو.

        وينبغي ألا نتغافل عما يضطرم فيه القرن الثاني الهجري من انصهار الأجناس، وتفاعل الثقافات، وسَعْيٍ لتأسيس هوية إسلامية عربية بمعارفها وتصوراتها... فقد استيقظت المذاهب والمِلل والنِّحل من غفوتها، وبدأ أصحابها يتطلعون إلى الكتاب الذي خرج به المسلمون إلى العالم لفهم مضامينه وتحقيق مقاصده في معترك الحياة. فلا عجب أن وجدنا صاحب المجاز يُصرّح أول ما يُصرح به أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وأن الذين أدركوا وحيَه كانوا عرَبَ الألسن فاستغنَوْا بعلمهم عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه. وفي القرآن مثل ما في كلام العرب من وجوه الإعراب ومن الغريب والمعاني.

        ويمكن القول إجمالا، إن مجاز القرآن كان منطلقاً لمدرسة في التفسير عدتُها الأولى الفقهُ بالعربية وأساليبها، واعتبار النحو صلب المنهج التحليلي في تفسير النصوص والكشف عن طاقات اللغة. ولا شكّ أن الكتاب يمثل المرحلة الأولى في بحث قضية الإعجاز، مكتفيا بالتدليل على عربية القرآن تدليلا عميقا. وحَسْبُ أبي عبيدة في هذا المجال تأثر اللغويين والمفسرين والنحاة بآرائه وكتابه. فقد اعتمد على كتابه ابن قتيبة (276هـ) في كتابيْه: مشكل تأويل القرآن، وغريب القرآن. والطبري (310هـ) في تفسيره. واستفاد منه أبو عبد الله اليزيدي (311هـ) في كتابه غريب القرآن، والزجاج (338هـ) ابن دريد (321هـ) في الجمهرة، وان النحاس (339هـ)، والأزهري (370هـ) في التهذيب، وأبو علي الفارسي (377هـ) والجوهري (400هـ) في الصحاح (18).
 
الهوامش:
 

1– مجاز القرآن: صنعة أبي عبيدة معمر بن المثنى ( تـ 210هـ)،تحقيق: د. محمد فؤاد سزكين. ط1 [ القاهرة، مكتبة الخانجي، 1954].

2 – الفهرست: النديم ( أبو الفرج محمد بن أي يعقوب تـ 380هـ)، تحقيق: أحمد شمس الدين، ص83 - 84 – ط1 [ بيروت، دار الكتب العلمية، 1996].

3 – ورد هذا الخبر مطولا على لسان أي عبيدة في معجم الأدباء لياقوت الحموي، تحقيق: د. إحسان عباس:6/ 2706 – 2707 – ط1 [ بيروت، دار الغرب الإسلامي،1993].

4 – دراسات في القرآن: د. أحمد خليل، ص71 – ط1[ مصر، دار المعارف، 1972].

5 – البيان العربي: د. بدوي طبانة – ط5[ بيروت، 1973].

6 – تأثير الفكر الديني في البلاغة العربية: د. مهدي صالح السامرائي، ص12 – ط1[ بغداد، المكتب الإسلامي، 1977].

7 – مجاز القرآن1/8

8 – نفسه ( مقدمة المحقق):1/19

9 – أثر القرآن في تطور النقد العربي إلى أواخر القرن الرابع الهجري: د. محمد زغلول سلام، ص142 – ط3[ القاهرة، دار المعارف، 1978].

10- الفكر الديني في مواجهة العصر: د. عفت الشرقاوي، ص33 – 34 ط1[ بيروت، دار العودة، 1974].

11 – دراسات في القرآن، ص73

12 – مجاز القرآن:1/64 – الأرقام الواقعة ين المعقوفين، تشير إلى أرقام الصفحات من كتاب مجاز القرآن.

13 – الفكر الديني في مواجهة العصر، ص33

14– مناهج في التفسير: د. مصطفى الصاوي، ص89 – ط1[ الإسكندرية، منشأة المعارف، 1971].

15 – مجاز القرآن:1/17

16 – مقدمة فؤاد سزكين:1/15

17 – القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية: عبد العال سالم مكرم، ص143 ط1[ القاهرة، دار المعرفة، 1968].

18– مقدمة فؤاد سزكين:1/17

 

 

[نُشر هذا المقال في مجلة الدارة: العدد الثالث، السنة 12، ربيع الآخر 1407هـ/ديسمبر 1986، ص235 – 246].

 

 

(4) تعليقات
الخطابي و رسالته « بيان إعجاز القرآن»

 

                           عباس أرحيلة
 

تمهيد:  الإعجاز والخطابي:

 

1 – قضية الإعجاز:              

ظل النص القرآني قطب الرحى في معترك التحولات الفكرية والحضارية في تاريخ الإسلام؛ لاعتبارات، منها:

-         أنه وحي إلهي يحمل منهج حياة ومصدر تشريع لهذه الحياة منذ أن شعَّ نورُه في الوجود إلى أن تنتهيَ حياة البشر على الأرض. من هنا وجب – وإن لم يتحقق ذلك بالصورة المطلوبة -  أن تتحدد به ومن خلاله التجربة البشرية على الأرض، وبالتالي الرؤية الحضارية للمجتمعات البشرية في تفاعلاتها وصراعاتها وتحولاتها على امتداد وجودها في تاريخ تلك التجربة الأرضية.

-          أنه وحي إلهي استُحدث من خلاله ومن أجل فهمه ما ظهر من أنماط المعرفة خلال الحقب الإسلامية.

-         أنه وحي إلهي يحمل خطابا بليغا معجزا بأدائه البياني، ومن بيانه هذا اتصلت جهود النحاة والبلاغيين والمفسرين والمتكلمين بالتصورات الأدبية والجمالية والفنية فتبلورت نظرية الإعجاز.

   وكانت قضية الإعجاز من أخطر القضايا التي جابهت الإسلام والمسلمين؛ ذلك أن المُغرضين تسربوا منها يبغون المساس بقدسية الوحي، وتحطيم حضوره في آخر رسالات السماء إلى الأرض. في هذا المضمار اندفع علماء الإسلام من لغويين ونحاة ومفسرين ومتكلمين وبلاغيين يدافعون عن القرآن، يتعمقون أسرار دينهم بتعمقهم في مناحي القول الإلهي في النص، وبتسلحهم بالأداة الجدلية الضرورية؛ لتبديد كل تمويه وتزييف. فكان من ذلك جهود دفعت مطاعن الملحدين، وفتقت أسرار البيان القرآني، وانتهت بعلم مستقل في القرن الهجري الرابع هو « علم إعجاز القرآن».

ويبدو أن قضية إعجاز القرآن ببعديْها: الكلامي والبلاغي قد استقطبت اهتمام علماء الكلام؛ لا يحدوهم في ذلك الدفاع عن العقيدة الإسلامية وحسب، بل كذلك ترسيخ الكيان الإسلامي في مواجهة التحديات والعقائد السابقة والمذاهب الوافدة. وفي مجال إثبات حقيقة الإعجاز في القرآن تكاملت النظرية وأخذت حيزها في العقيدة والفن.

2  - الخطابي و رسالته« بيان إعجاز القرآن»:

أ - الخطابي: (319 – 388 هـ):

 

هو أبو سليمان حَمَد بن محمد الخطابي البُستي ( نسبة إلى بلاد بُسْت من بلاد كابل): وهو أحد أحفاد عمر بن الخطاب. نشأ محبا للعلم، وطوف من أجله في البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً للتزود من العلماء، إلى أن أدرك مكانة مرموقة فيه، وأصبح مُحَدّثا فقيها أديبا شاعرا لغويا. وقد روى له الثعالبي بعض شعره في «يتيمة الدهر». وقد جعله معاصروه في الدقة العلمية والورع والتقوى قريناً لأبي عبيد القاسم بن سلام (224هـ). وكان أبو سليمان يكسب قوته في التجارة، وفي أخريات حياته مال إلى التصوف. وتوفي سنة 388 هـ.

ولأبي سليمان كتبٌ في الحديث والفقه؛ دلّت على أنه من الأئمة الأعلام المجتهدين في قواعد الأحكام. وبفضلها عُدَّ من أعلام الفكر الإسلامي في القرن الرابع الهجري ومن الذين امتازت كتبهم بغزارة المادة وعمق الفكرة، ودقة الاستنباط. كان فقيها محدثا أصوليا جمع بين الحديث والفقه. ومن أشهر كتبه « غريب الحديث». وهو في نهاية الحسن والبلاغة على حد قول ياقوت الحموي. وله « أعلام السنن في شرح صحيح البخاري»، و«معالم السنن في شرح سنن أبي داود السجستاني». وكتاب « إصلاح خطأ المحدثين» ( وقد طُبع في القاهرة سنة 1936م).

      ب – رسالته: « بيان إعجاز القرآن»:

       ( نشرها عبد الحليم عليجرة سنة 1953م، وشرحها وعلق عليها عبد الله الصديق، وأظهرها بمطبعة دار التأليف بمصر سنة 1953م، ثم نشرها مرة أخرى محمد أحمد خلف الله وزغلول سلام ضمن « ثلاث رسائل في إعجاز القرآن» - القاهرة 1955م) (1).

وقد اشتهرت رسالة الخطابي هذه بين كتب الإعجاز؛ لأنها كانت من أوائل الرسائل التي تصدّت لقضية الإعجاز؛ ولأنها تمثل رأي أهل الحديث في الإعجاز في القرن الرابع الهجري.

 

                 أولا: إعجاز القرآن وما قيل في وجوهه:

 

1 – حقيقة الإعجاز في النص القرآني:

 

       أ – سبب الخلاف في حقيقة الإعجاز:

بدأ الخطابي رسالته بالبحث عن سبب الخلاف بين الباحثين في الوجه أو الوجوه التي كان بها القرآن معجزاً فقال:« قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا. وذهبوا فيه كل مذهب من القول، وما وجدناهم  بعْدُ صدروا عن ري؛ وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته» [21] (2).

       وذهب قوم إلى أن العلة في إعجازه الصَّرْفة...

وزعمتْ طائفةٌ أن إعجازَه إنما فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوامن في مستقبل الزمان...

وزعم آخرون أن إعجازه من جهة البلاغة، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر، وفي كيفيتها يعرض الإشكال... [22 -23]

وسبب هذا الإشكال ما يلي:

-         التسليم بالإعجاز البلاغي بناءً على التقليد وغلبة الظن دون التحقيق له وإحاطة العلم به.

-         العجز عن إدراك العلة في الإعجاز، وعدم القدرة على تصويره وتحديده، « وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة لا يمكن تحديده... وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به»[24]. وكأن حقيقة الإعجاز تُدرك بالوجدان وتُلمَح بالبصيرة، وليست مما يقع في مجال النظر أو يخضع لمقاييس المنطق.

ويقول الخطابي:« وهذا لا يُقنع في مثل هذا العلم، ولا يُشفي من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أُحيل به على إبهام» [24].

 

ب – تحقق الإعجاز في التاريخ:

إذا كان الإعجاز قضية إيمانية لا خلاف في حقيقتها؛ فإن ظاهرة الإعجاز تحققت تاريخيا وأصبحت واقعةً موقعَ اليقين عند المسلمين.« والأمر في ذلك أبينُ من أن نحتاج أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه»[21].

فالخطابي يستدل على استقرار حقيقة الإعجاز، وثبوت التحدي للعرب قاطبة؛ بكون الرسول صلى الله عليه وسلم ظل «يُطالبهم به مدة عشرين سنة، مُظْهراً لهم النكير، زارياً على أديانهم، مُسَفّهاً آراءهم وأحلامهم؛ حتى نابذوه وناصبوه الحرب؛ فهلكت فيه النفوس وأُريقت المُهَج، وقُطعت الأرحام، وذهبت الأموال»[21].

       ولو كان ذلك في وسعهم، وتحت أقدارهم لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة. وهكذا عجزوا عن معارضة القرآن، وهم الموصوفون بالبيان، ووفارة العقول، وكان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المُفْلقون، وقد وصفهم الله بالجدل واللدد. فقال سبحانه:« ما ضَرَبوهُ لكَ إلاَّ جَدَلاً بلْ هم قومٌ خَصمون»[ الزخرف:58] وقال سبحانه:« وتُنذرَ به قوماً لُدّاً» [ مريم:97].

 

       2 – آراء في وجوه الإعجاز:

       أ – القول بالصَّرْفَة:

 

       وهو قولٌ أشاعهُ أبو إسحاق النظام (231 هـ)، من أهل الاعتزال، وخلاصته أن الله تعالى قد صرف الهمم عن معارضة القرآن؛ « فقد كان يجوز أن يقدر عليه العبادُ لولا أن الله منعهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم»(3).

أما الخطابي فلا يرتضي هذا القول وجهاً للإعجاز؛ لأن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله تعالى:« قلْ لَئنْ اجْتَمَعَت الإنسُُ والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتُونَ بمثله ولو كان بعضُهم لبعض ظهيراً [ الإسراء:88]؛«فأشار في ذلك إلى أمر طريقُهُ التكلُّفُ والاجتهادُ، وسبيلُه التهّبُ والاحتشادُ، والمعنى في الصَّرْفَة التي وصفوها لا يُلائم هذه الصفة؛ فدلَّ على أنَّ المراد غيرُها»[23].

       ومناقشة الخطابي للقائلين بالصَّرفة تتلخص في كون المعجزة تتحدى الطاقات الروحية الكامنة في البشر، وفي أن الله أبقى على العرب طاقاتهم النفسية، وملكاتهم العقلية؛ فلم يفقدوا يوما القدرة على البيان والإفصاح عن مكنون النفس.

      ب – الإخبار بالغيب باعتباره وجهاً للإعجاز:

       يُعتقدُ أن القرآن معجزٌ بما تضمنه من الأخبار عن الغيوب، وعن الكوامن في مستقبل الزمان، نحو قوله تعالى:« ألم غُلبت الرومُ في أَدْنَى الأرض وهُمْ من بعد غَلَبهم سَيَغْلبون في بضْع سنين لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله»أ الروم:1 – 4]؛ غير أن الخطابي يرفض هذا الوجه ويقول:« ولا يُشكُّ في أن هذا وما أشبهه من أخباره نوعٌ من أنواع إعجازه؛ ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها؛ لا يقدر أحدٌ من الخلق أن يأْتيَ بمثلها، فقال تعالى:« فأتوا بسورة من مثله وادعوا شُهداءَكُمْ من دون الله إن كنتم صادقين» [ البقرة:23]، من غير تعيين؛ فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه»[23 – 24].

       ج – الأثر النفسي للقرآن:

يختم الخطابي رسالته بذكر وجه آخر من وجوه إعجاز القرآن؛« ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم؛ وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس؛ فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا، إذا  قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه. تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها (...).

       خرج عمر بن الخطاب -  رضي الله عنه - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمد لقتله، فسار إلى دار أخته وهي تقرأ سورة طه، فلما وقع في سمعه لم يلبث أن آمن (...).

       ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: « إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به» [ الجن/1 -2] [ 70 – 71].

       والخطابي يلفتنا هنا إلى تلك الهيمنة النفسية التي يأخذ بها القرآن قارئه فيستولي بها على النفوس، ويأسر بها المشاعر. ويورد من الأمثلة التاريخية والآيات القرآنية ما يشهد للقرآن بذلك السر المضمر فيه، وتلك الروعة والسطوة اللتين يجدهما من يستمع إلى القرآن أو ينظر فيه. وكيف لا وقد قال رب العزة:« لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لرَأَيْتَُه خَاشعاً مُتَصَدّعاً منْ خَشْيَة الله وتلكَ الأمثالُ نَضْربُها للنَّاس لَعلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ» [ الحشر:21].

       وقد روي عن بعضهم أن قال: فتحت الأمصار بالسيوف، وفتحت المدينة بالقرآن[ 71].

وأعتقد أن هذا الوجه الذي ختم به الخطابي رسالته، من أهم وجوه الإعجاز التي لا تزيدها الأيام إلا رسوخا، فقد استشعرتها قرائح الباحثين في مجالات الإعجاز القرآني قديما وحديثا. فعبد القاهر الجرجاني (471هـ) في « أسرار البلاغة» و« دلائل الإعجاز» اعتبر مصدر البلاغة في الكلام ما يحمله من تأثير في النفوس. وأمين الخولي (1966م) يفصل القول في مقالته: البلاغة وعلم النفس [ مجلة كلية الآداب، المجلد الرابع ج2 ديسمبر 1936م]، ويقرر أن إدراك العلاقة بين علم النفس والبلاغة يهدي إلى قول محدث أو رأي جديد في فهم الإعجاز القرآني. ويرى أن القرآن معجزٌ إعجازاً نفسيا باستفادته من طبيعة النفس البشرية ومعرفته بشؤونها المختلفة والنواميس التي تخضع لها. وينتهي أمين الخولي إلى القول إن الإعجاز النفسي يمكن الاستغناء به عن بقية نظريات الإعجاز.

       د - الإعجاز من جهة النظم:

       يأتي الخطابي بالرأي الذي عليه الأكثرون من علماء الإعجاز؛ وهو أن إعجازه من جهة البلاغة؛ غير أنه وجد أنهم يجرون في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن دون التحقق له وإحاطة العلم به. وقالوا لا يمكننا تصويره ولا تجديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام. وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة لا يمكن تحديده. وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أثره في النفس. وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان معا فصيحان، ثم لا يُوقف لشيء من ذلك على علة.

       إن الخطابي هنا، بعد أن ردّ القول بالصَّرْفة والإخبار بالغيب كوجهيْن للإعجاز أشاعهما المعتزلة؛ ينعى على معاصريه تسليمهم بصفة البلاغة للقرآن على نوع من التقليد والعجز عن تحديد الكيفية؛ مع اقتناعهم بما له من أثر في النفس. وعليه فإن مفعول القرآن في السمع، وفي النفس، وما يتجلى من الرونق والبهجة التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب؛ من الأمور التي ينبغي أن تُدرك أسبابها.

      ثانيا: العلة في مباينة القرآن لسائر الكلام:

       1 – طبقات الكلام:

نجد الخطابي يرفض مقولة « اللاتعليل» لإسرار الإعجاز؛ لأنها « إشكال أحيل على إبهام» - على حد قوله – ويحاول تحديد أسباب العلة في الإعجاز؛ أي تقديم أدوات البحث التي تعين الباحث على استكشاف مناحي الإعجاز في النص القرآني. فبعد تقصيه لوجوه الخطاب، دلّه دقيق النظر إلى العلة التي باين بها القرآن الكريم سائر الكلام؛ وهي « أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودراجتها في البلاغة متباينة غير متساوية،

فمنها: البليغُ الرصينُ الجَزْلُ،

ومنها الفصيحُ القريبُ السهل،

ومنها الجائز الطلق الرَّسْلُ.

 وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم؛ الذي لا يوجد في القرآن شيءٌ منه.

فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه،

والقسم الثاني أوسطُه وأقصدُه،

 والقسمُ الثالثُ أدناه وأقربُه.

       فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصَّةً؛ وأخذت من كل نوع من أنواع شعبة؛ فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمطٌ من الكلام يجمع صفتيْ الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما بالمتضاديْن؛ لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة؛ فكان اجتماع الأمريْن في نظمه مع نبوّ كل واحد منهما عن الآخر فضيلةً خُصَّ بها القرآن؛ يسّرها الله بلطيف قدرته من أمره؛ ليكون آيةً لنبيه، ودلالةً له على صحة ما دعا إليه من أمر دينه»[26].

وبعد أن حدد الخطابي طبقات الكلام أشار إلى الوجوه التي اعتبرها وراء عجز العرب حين تحداهم القرآن، فيقول: «وإنما تعذر على البشر الإتيانُ بمثله لأمور، منها: أن علمهم لا يُحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبألفاظها التي هي ظروف تلك المعاني والحوامل لها، ولا تُدْرك أفهامُهم جميعَ معاني الأشياء المَحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكْمُلُ معرفتُهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافُها وارتباطُ بعضها ببعض؛ فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله»[26 – 27].

 

2  – نظرية النظم:

       وبهذا التصور يمهد الخطابي لنظريته في النظم، فيقسم الكلام إلى ثلاثة أقسام:

 1– لفظ حامل

2 – معنى به قائم

3 – ورباط لهما ناظم

وإذا كانت هذه الأقسام متفرقة في أنواع الكلام، ولا ترد مجموعة في نوع واحد منه؛ فإنها إذا تأملتَ القرآن «وجدتَها منه في غاية الشرف والفضيلة؛ حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسنَ تأليفا وأشدّ تلاؤماً وتشاكلا من نظمه؛ وأما المعاني، فلا خفاء على ذي عقل، أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.

وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه؛ فلمْ توجدْ إلا في كلام العلام القدير، الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا.

فَتَفَهَّمْ الآن أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمناً أصح المعاني»[27].

       ولاحظ عبد السلام المسدي أن أبا سليمان الخطابي قد نفذ من خلال موازنة اللفظ والمعنى إلى صميم الرؤية اللغوية الخاصة؛ فقد انطلق من فحص دلالي ميز بموجبه بنية الدال، فسماه ظرفا حاملا على بنية المدلول فسماه مظروفا قائما، ثم تخلص إلى قدرة اللغة على الاستيعاب والانتشار بحيث تتعذر على الإنسان الإحاطة الفعلية بجميع دوال اللغة فضلا عن المجالات الدلالية؛ مما يسمح الاستعمال بتكاثره إلى الحد الذي لا يتناهى، والعلة في ذلك عجز البشر على الإحاطة بجميع أسماء الله (4).

       وهنا يُفصح الخطابي عما ارتضاه رأيا له في الإعجاز؛ وهو أن القرآن معجزٌ بنظمه، ويزيد من روعة هذا النظم انسجامه وملاءمته للموضوعات المختلفة التي يحفل بها القرآن، من تحليل وتحريم، وحضر وإباحة ودُعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساوئها واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يُرى شيء أولى منه ولا يُرى في صورة العقل أمر أليق منه.

       وانتهى إلى القول:« ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتُتسق أمر تعجز عنه قوى البشر»[28].

       وبعد أن يُشير إلى دعاوى المعاندين للقرآن لما عجزوا عن معارضته، وتحيّروا في نعته بين الشعر والسحر والأساطير؛ يعود الخطابي إلى مناقشة الأسس التي بنَى عليها نظريتَه، فيقول بخصوص الألفاظ:« اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لهذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص ألشكل به»[29]؛ أي أن تكون الألفاظ في مكانها اللائق الذي تتطلبه المعاني، ولا تنسجم بغيره.

       ثم مضى الخطابي يُبينُ الفروق بين معاني بعض الكلمات، مثل: عرفتُ الشيءَ وعلمتُه، وكالحمد والشكر، والبخل والشح...؛ لأن لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانتا قد تشتركان في بعض معانيهما. وهي فروق في الدلالة أو فروق في الاستعمال أو فيما يدخل في النحو؛ كأن تكون الكلمة متعدية لمفعول واحد أو مفعولين. فعرفتُ يقتضي مفعولا واحدا، كقولك: عرفتُ زيداً. وعلمتُ يقتضي مفعوليْن كقولك: علمت زيداً عاقلا.

 

ثالثا: الاعتراضات الموجهة لنظم القرآن ونقضها:

       1 – اعتراضات نتيجة الجهل بلغة القرآن:

وهنا يورد طائفة من الاعتراضات يمكن أن توجه إلى القرآن عن جهل بحقائق أوضاع اللغة مما يفسر تهيّب كثير من السلف تفسير القرآن، وإن كانوا علماء باللسان، فقهاء في الدين، كما يفسر حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعلم إعراب القرآن، وطلب الغريب منه. ويرى الخطابي أن استقصاء أمثال تلك الاعتراضات يطول، وأن العرب « كانوا بطباعهم يَتبيَّنون مواضع تلك الأمور ويعرفون ما يلزمهم من شروطها ومن العُهدة فيها، ويعلمون أنهم لا يبلغون شأوها، فتركوا المعارضة لعجزهم، وأقبلوا على المحاربة بجهلهم»[35].

       وهذا مثال من تلك الأساليب التي قد يُعترض عليها بأنها غير جارية على النمط الرفيع، فقوله تعالى:« فأكله الذئب»، قد يقال: إن الأكل عام لا يختص به نوع من الحيوان دون نوع، وإن استعمال الافتراس أولى وأفصح لتعلُّقه بفعل السباع. غير أن الخطابي يبين السر في اختيار لفظة الأكل بدل الافتراس، حيث أن الافتراس معناه في فعل السباع القتل فحسب؛ ولكن القوم ادعوا على الذئب أنه أكله أكلا، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه، فلم يترك مفصلا ولا عظما. والفرْسُ لا يعطي تمام هذا المعنى، فلم يصلح على هذا أن يُعبر عنه بالأكل»[38 – 41].

 

       2 - نقض الاعتراضات الموجهة إلى النظم القرآني:

       يورد الخطابي اعتراضات وجهت إلى القرآن، أو يمكن أن توجه إليه. وهي اعتراضات ناشئة في جوهرها عن جهل المعترضين بأساليب المجاز في القرآن وبالفهم الدقيق لمعاني الألفاظ في أبعادها الدلالية،فكانت  وليدة ضمور السلائق العربية.

ومن تلك الاعتراضات ادّعاء وجود سوء التأليف في القرآن « قالوا: وقد يوجد في القرآن الحذف الكثير والاختصار الذي يُشكل معه وجه الكلام ومعناه (...) ثم قد يوجد فيه على العكس، التكرار المضاعف(...) وليس واحدٌ من المذهبيْن بالمحدود عند أهل اللسان (...) وقد يدخل بين الكلاميْن ما ليس كم جنسهما ولا قبيلهما»[39 -40].

       قبل مناقشة هذه الاعتراضات ودحضها، يذكّر الخطابي بشرائط بلاغة النظم القرآني؛ بكونها لا تقتصر على مفرد الألفاظ التي منها يتركب الكلام دون ما يتضمنه من ودائعه التي هي معانيه، وملابسه التي هي نظوم الكلام.

       فإذا كانت الأسماء اللغوية، وهي نوع واحد من الأنواع الثلاثة التي شرطنا أنه لا يجوز أن يحيط بها كلها إلا نبي، وكانت معاناة توليد المعاني أشد لأنها نتائج العقول؛ فإن الحاجة إلى ثقافة رسوم النظم وحذقها أكثر؛« لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني. وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان»[36].

       وبهذا  يُمهد لنقض الاعتراضات. وغايته توضيح الجانب التطبيقي في نظرية النظم: وهو أهم جانب في هذه الرسالة؛ لما تضمنه من دقة في التحليل وذكاء في الاستنباط وبروز للشخصية مع غزارة المادة المدروسة. فقد قالوا مثلا في قوله تعالى: « والذين هم للزكاة فاعلون»، لا يقول أحد من الناس: فَعَلَ الزكاةَ؛ إنما يقال: زكَّى الرجل مالَه، وأدّى زكاةَ ماله. فيرد الخطابي قائلا: إن مراد الكلام المبالغة في أدائها. والمواظبة على الفعل حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم. فيصير أداء الزكاة فعلاً لهم، مضافا إليهم يُعرفون به، فهم له فاعلون. وهذا المعنى لا يستفاد من الكمال إلا بهذه العبارة، فهي إذاً أولى العبارات وأبلغها في هذا المعنى [45].

       وقالوا في قوله تعالى:« وإنه لحب الخير لشديد»، إنك لا تسمع فصيح يقول: أنا لحب زيد شديد، وإنما يقال: أنا شديد الحب لزيد، وللمال. والحق أن شديد هاهنا معناه البخيل. فيقال رجل شديد ومتشدد أي بخيل.

       قال طرفة:

أرى الموتَ يَعِتامُ النُّفُوسَ ويَصْطَفي      عقيلةَ مال الفاحش المُتَشَدّد

ويستمر الخطابي في عرض الطعون ونقضها. وفي هذا النقض يحلل الأبيات تحليلا ينم عن قدرة على كشف ما تنطوي عليه من دلالات وإيحاءات وما تُخفيه من نكت بلاغية، ومن افتتان بالمجازات، مع مقابلة ذلك بمأثور الكلام شعره ونثره. وهكذا تصبح ردوده التحليلية حصيلة مهمة لمن يرغب في تذوق معاني القرآن، وبلوغ التمييز بين طعوم فنونه، وإدراك أسراره. بل تصبح تلك التحليلات الفنية لمناحي النظم في الأسلوب القرآني معينا مساعدا لمن أراد أن يتذوق ويخبَر الإمكانات التعبيرية للنصوص الفنية البشرية.

 

      3 – ادعاء معارضة القرآن:

       وحديث الخطابي عن نقض الاعتراضات الموجهة للنظم القرآني، يقوده إلى الحديث عن إمكان تقليد هذا القرآن فيقول: فإن قيل: ما أنكرتم أن القوم قد عارضوه ولكنه لم يُنقل إلينا، وغُيّب عنا ذكرُه، وكُتمَ الخبر فيه لما اتسع الإسلام وخافوا على أنفسهم، فانقطع رسمُه وامّحى أثرُه.

       قيل: هذا سؤال ساقط، والأمر فيه خارج عما جرت به عادات الناس، خواصهم وعوامهم من نقل الأخبار، والتحدث بالأمور التي لها شأن وبالنفوس تعلق (...) وكيف يجوز ذلك عليهم في مثل هذا الأمر العظيم الذي قد انزعجتْ له القلوب وسار ذكره بين الخافقين. ولو جاز ذلك في مثل هذا الشأن مع عظيم خطره وجلالة قدره لجاز أن يكون في ذلك العصر نبي آخر.

       وهنا يورد الخطابي ما عورض به القرآن « وهو ما ما تنوقل من أجل المقارنة والتفكّه»، ثم يوازن بينه وبين القرآن؛ لتتضح معالم نظريته في النظم بالمقارنة. فما حُكيَ عن مسيْلمة الكذاب من قوله: « ياضفدع نقّي كما تنقين، لا الماء تكدرين ولا الوارد تنفرين»ن أو كقوله:« ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحُبلى، أخرج منها نسمةً تسعى، بين شراسيف وحشى».

       وقد وجد الخطابي في مثل هذا كلاما خاليا من كل فائدة، لا لفظُه  صحيح ولا معناه مستقيم، ولا فيه شيء من الشرائط الثلاث التي هي أركان البلاغة. وإنما تكلّف هذا الكلامَ الغثّ لأجل ما فيه من السجع. والساجع عادته أن يجعل المعاني تابعة لسجعه ولا يُبالي بما يتكلم به إذا استوت أساجيعه، واطردتَ، ولخلوّ هذا الكلام من كل نوع من الفوائد. قال أبو بكر رضي الله عنه حين طرقتْ سمعَه: أشهدُ أن هذا الكلامَ لم يخرج من بال [55 – 56].

       وبعد تحليل هذا الكلام الذي نُسب إلى مسيلمة، يتساءل الخطابي عن وجود البلاغة فيه، وعن المعنى الذي يحتويه، وعن الحكمة التي يحتضنها، حتى يُتوهّم أن فيه مُعارضةً للقرآن. وعلى أي حال فإن الباحث يستفيد من هذه المقارنة ما يلي:

       أ – أن موازنة مسيْلمة ستصبح ظاهرة متبعة عند دارسي الإعجاز.

       ب – أن مقاييس الموازنة بين نصين فَنّيَيْن هو ما أوضحه من شرائط النظم.

       ج – أن الخطابي أفاد المؤرخ، والمفسر، والناقد، وأبان عن ذوق فني مُرهف، وعن إدراك لأسرار التعبير.     

رابعا: قضايا الرسالة وقيمتها:

        1 – جانب الإعجاز القرآني:

إن هذه الرسالة تمثل رأي أهل الحديث في الإعجاز في القرن الرابع الهجري، وتضم أقولا مختلفة قيلت في القرآن، وقد صنفها صاحبها تصنيفا محكما دل على خبرته بالبلاغة العربية في حقيقتها: ويعتبر صاحبها من أسبق علماء المسلمين إلى البحث عن الإعجاز بحثا علميا منظما.

       ورأي الخطابي في الإعجاز يمكن إيجازه في ثلاثة وجوه:

-         الوجه الأول: الإحاطة الإلهية بأسرار اللغة حتى جاء القرآن معجزا لفظا ومعنى ونظما.

-         الوجه الثاني: الإعجاز كامن في النظم الذي انفرد به القرآن، أي بهذا الأسلوب من النظم الذي جمع بين أفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، وجاء مضمنا أصح المعاني. وبهذا أكد أن الإعجاز حاصل من جهة البلاغة. فكانت رسالته محاولة لبيان ماهية هذه البلاغة ومعالمها.

-         الوجه الثالث: ما للقرآن من أثر في النفس. فقد تنبه الخطابي إلى تأثير بلاغة القرآن في النفوس. وَعَدّ هذا التأثير وجها من وجوه الإعجاز.

2 – جانب البلاغة:

يبدو أن الخطابي حين هاجم التقليد في معرفة الوجه البلاغي لإعجاز القرآن؛ إنما كان يدعو إلى تربية الذوق البلاغي السليم بمدارسة فنون القول والتأمل فيها. فقد لاحظ المنحى الاستعاري في التعبير، وذكر أن الاستعارة قد تكون « في بعض المواضع أبلغ من الحقيقة، كقوله عز وجل:( فاصْدَعْ بما تُؤْمَر)؛ فالصدْعُ هاهنا مستعار وهو أبلغ منه لو قال: فاعْمَلْ بما تُؤمر، وإن كان هو الحقيقة. والصدع مُستعار،وإنما يكون ذلك في الزجاج ونحوه من فلّز الأرض، ومعناه المبالغة فيما أمر به حتى يؤتّر في النفوس والقلوب تأثيرَ الصدْع في الزجاج ونحوه»[44].

وعلى أي حال، فإن الخطابي بتصوره للنظم حاول تغيير دراسة البلاغة حين تقف عند حدود الشكليات. فقد رأى في عملية النظم ذلك التفاعل الطبيعي والربط الجدلي بين اللفظ والمعنى لنقل التجربة الفنية عموما. ولاحظ د. محمد زغلول سلام أن الخطابي نبه في النصف الأخير من القرن الرابع إلى شيء جديد في الأسلوب غير اللفظ والمعنى؛ ذلك هو النظم ليصرف علماء البلاغة عن تلك البحوث إلى بحث أصيل ينبغي مراعاته(5).

   3 – جانب النقد الأدبي:

إلى جانب ما أبان عنه الخطابي في نقضه الاعتراضات الموجهة إلى النظم القرآني، من قدرة على تأويل الآيات، وتوجيهها، وفهم أنماط تعبيرها؛ عرض أثناء بسطه لنظريته في النظم وتطبيقاته على القرآن والمأثور العربي بعض القضايا النقدية التي برزت فيها طاقته الأدبية وذوقه الفني؛ مما جعل الدرسَ الإعجازيَّ رافداً من روافد النقد الأدبي؛ باعتبار أن النص القرآني هو النص الأدبي الأول للأمة العربية الإسلامية.

أ – قضية المعارضة:

انطلاقا من نفي المعارضة عن القرآن، وفحص كلام مسيلمة في ضوء النظم القرآني وبيان قصوره عن أوصاف المعارضات؛ يُحدد الخطابي ما يحسن أن يتوافر في النصيْن البَشريَيْن المتعارضيْن من شروط وخصائص. وينتهي إلى مقارنة بين امرئ القيس والنابغة الذبياني في وصف الليل.

   يقول النابغة:

   كليني لهمّ يا اُميـــــمةَ ناصــب          وليــــــــل أقاسـيه بطيء الكواكـب

    تطاوَلَ حتى قلتُ ليس مُنْقَـــض        وليس الذي يرعى النجــــوم بآيـــب

   وصدر أراحَ الليلُ عازبَ همّه        تضاعف فيه الحزنُ من كل جانب

   ويقول امرؤ القيس:

   وليل كموج البحر أرخى سدولَه      عليَّ بأنواع الهمـوم ليَبتلـــــــي

   فقلتُ له لما تمطّــــى بصـــلبـه       وأردف أعجــازاً وناء بكـــلكــل

  ألا أيُّها الليلُ الطـــويلُ ألا انجــل       بصبح وما الإصباح منك بأمثل

   فيالك من ليـــل كأن نجــــومَــه        بكل مُغار الفتل شُدَّتْ بيذبـــــل

    يبدأ الخطابي المقارنة بقوله إن افتتاح النابغة « مُتناه في الحسن، بليغ في وصف ما شكاه من همه وطول ليله. ويقال إنه لم يبتدئ شاعرٌ قصيدةً بأحسنَ من هذا الكلامَ. وقوله:

        وصدر أراح الليلُ عازبَ همّه،

 مستعارٌ من إراحة الراعي الإبل إلى مباتها، وهو كلام مطبوع سهل يجمع البلاغة والعذوبة، إلا أن في أبيات امرئ القيس بين ثقافة الصنعة وحسن التشبيه وإبداع المعاني ما ليس في أبيات النابغة؛ إذ جعل لليل صلباً وأَعْجازاً وكَلْكلاً، وشبّه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند رُكُوب بعضه بعضاً حالا على حال، وجعل النجوم كأنها مشدودة بحبال وثيقة فهي راكدة لا تزول ولا تبرح، ثم لم يقتصر على ما وصف من هذه الأمور حتى عللها بالبلوى ونبه فيها على المعنى، وجعل يتمنى تَصَرُّمَ الليل بعود الصبح لما يَرجو فيه من الرَّوْح، ثم ارْتَجَعَ ما أعطى واستدرك ما كان قدمه وأمضاه، فزعم أن البلوى أعظمُ من أن يكونَ لها في شيء من الأوقات كشْفٌ وانْجلاءٌ (...) وهذه الأمور لا يتفق مجموعها في اليسير من الكلام إلا لمثله من المبرّزين في الشعر الحائزين فيه قصَب السبق (...).

فمثل هذه الأمور تُعتبر معاني المعارضة فيقع بها الفصلُ بين الكلاميْن من تقديم لأحدهما أو تأخير أو تسوية بينهما» [62 – 63].

       الواقع أن هذه الوقفات التحليلية الدقيقة في المعارضات والمقارنات، تنم عن ذوق فني له خبرة بتحليل النصوص والموازنة بين أساليبها وإدراك لمواطن الجمال فيها. ولا أشك في أن أمثال هذه التحليلات الأدبية قد مهّدت السبل لمن اهتم بأسلوب القرآن كأبي بكر الباقلاني (403هـ) الذي عُنيَ بتحليل معلقة امرئ القيس وذلك في معرض احتجاجه لبلاغة القرآن، أو من عُنيَ بالموازنة كأبي القاسم الآمدي (371هـ). وبذلك يمكن القول إن الرؤية الإعجازية في مستوياتها الفنية قد أسهمت بفاعلية في الرؤية النقدية.

ب – قضية القدم والحداثة:

من القضايا النقدية التي شغلت الساحة النقدية خلال مرحلة التدوين، نجد قضية الصدام بين القدماء والمحدثين التي كشفت عن التحول الحضاري الذي شهدته الأمة الإسلامية في صيرورتها التاريخية، وقد لاحظ الخطابي ذلك التحول الذي لحق اللغة العربية بتقادم العهد، من نزول الوحي إلى عهده، فقد ذهب مَن يُحسن الكلام من القدماء. أمّا شعر المولدين فقد « دخله الخلل (...) ولهذا صار العلماء لا يحتجون بشعر المحدثين، ولا يستشهدون به، كبشار بن برد، والحسن بن هانئ، ودعبل والعتابي، وأحزابهم من فصحاء الشعراء والمتقدمين في صنعة الشعر ونجره. وإنما يرجعون في الاستشهاد إلى شعراء الجاهلية وإلى المخضرمين منهم، وإلى الطبقة الثالثة التي أدركت المخضرمين؛ وذلك لعلمهم بما دخل الكلام في الزمان المتأخر من الخلل والاستحالة عن رسمه الأول» [46].

 

خاتمة:

 

يمكن القول إن أبا سليمان الخطابي كان رائداً في تحليل فكرة الإعجاز بأدلة لغوية جمالية، فتجاوز أمر الدفاع عن عروبة القرآن، إلى تقرير وإثبات ظاهرة الإعجاز في النص القرآني بتجلياتها الجمالية ومناحيها البلاغية كما كشف عنها النظم القرآني. والحق أن المتأمل في معالجة الخطابي لقضية الإعجاز يراه يعالجها وكأنها قضية من قضايا علم الجمال، أساسها النص اللغوي القرآني في مستوياته التعبيرية وقدراته الإيحائية، وشحناته النفسية.

 

هوامش:

 

1 – تنظر ترجمة الخطابي في معجم الأدباء:5/368 ( وورد عنده باسم: أحمد)، وفي أعلام الزركلي: حمْد بتسكين الميم:2/273 (ط11) – وإنباء الرواة على أنباه النحاة للقفطي:1/153 – وطبقات المفسرين للداودي:3/34، وتنظر مؤلفاته عند د. فؤاد سيزكين في: تاريخ التراث العربي:1/520

2 – الأرقام الواردة بين معقوفين هكذا [       ] تحيل إلى رسالة بيان إعجاز القرآن ( ضمن ثلاث رسائل في الإعجاز)، تحقيق: محمد خلف الله أحمد ود. محمد  زغلول سلام – ط4 [ القاهرة، دار المعارف – ذخائر العرب:16 -، 1991م]، ص21

3 – مقالات الإسلاميين للأشعري:1/296

4 - مجلة الحياة الثقافية، س4 ع6، عام 1979، ص8

       5 – أثر القرآن في تطور النقد العربي، ص259 – 260

   

      [ نشر في مجلة منار الإسلام بعنوان: «بيان إعجاز القرآن واتجاه أهل الحديث»، العدد الثاني، السنة 12،صفر 1407 هـ/أكتوبر 1986م، ص 16  - 27].

 

(1) تعليقات
الطبري المفسِّر ومسألة إعجاز القرآن

عباس أرحيلة

     تمهيد:

 

(1)           الطبري:

 

هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، مولده بآمل عاصمة طبرستان عام 225هـ. تعددت رحلاته العلمية، وأحاط بألوان ثقافة عصره: ثقافة في علوم القرآن والحديث، وثقافة فقهية جعلتْ منه إماماً يُرجع إلى رأيه، إلى جانب ثقافة أدبية ولغوية شهِدَ له بها أستاذه ثعلب، حين قال:« قرأ عليَّ أبو جعفر الطبريُّ شعرَ الشعراء قبل أن يكثُر الناس عندي بمدة طويلة» (1). ثم إن للطبري ثقافة تاريخية جعلتْ منه أباً للتاريخ، وثقافة فلسفية تجلت في تمكنه من أساليب المنطق والجدل، خاصة في تفسيره. توفي عام 310هـ.

 

       (2) تفسيره: جامع البيان عن تأويل آي القرآن:

 

       « هو تفسير لم يُعمل أحسن منه»، قولة لابن النديم، تناقلتها كتب التراجم منوِّهَةً بمكانة هذا التفسير؛ معتبرةً إياه من أقوم التفاسير، وأشملها، وأشهرها.

وهو تفسير كما قال عنه صاحبه جاء « مستوعِبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه، جامعًا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيًا».  

والواقع أن الطبري أودع كتابَه التراثَ التفسيريَّ الذي قدّمتْه العقودُ الإسلامية منذ عصر البعثة المحمدية حتى مطلع القرن الرابع الهجري؛ إذ قُرئ الكتابُ عليه عام 306هـ. وقد نهج فيه الاتجاه السنّي في التفسير، وجمع فيه بين الرواية والدراية، مع التنبيه إلى الاختلاف إن كان، وإلى الإجماع إن وُجِدَ، وإلى رأيه بعد ذلك(2).

       وإلى جانب استنباط الأحكام الشرعية من الآيات القرآنية، وأهمية استشهاداته الشعرية؛ يُلاحظ أنه في استقصاءاته النحوية؛ تناول بحث الظواهر اللغوية تبعاً لمختلف المدارك في مدارس النحو البصرية والكوفية؛ التي يُعدُّ كتابُه من أقدم المصادر لمعرفتها وتقديرها حق قدرها(3).

       فما كان نصيب مسألة إعجاز القرآن من هذا التفسير؟

       أولا: مع مقدمة التفسير:

       تشمل المقدمة – التي حدد فيها منهجه – على عدة قضايا تُعد عمدة وحجة في دراسات البلاغيين للإعجاز البياني للقرآن. كما تشكل منطلقا بالغ الأهمية في التعامل مع النص القرآني وتأويله؛ ذلك أنه أحسن عرِضَ تلك القضايا، ودافع عنها؛ فأوضح قيمتها وجعلها راسخة في الدرس القرآني. وسأعرض لهذه القضايا في المحاور الآتية:

المحور الأول: أهمية العلم بالعربية في تفسير القرآن:

المنطلق في كل تفسير أن القرآن هو الحقيقة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه نزل بلسان عربي مبين؛ أي أنه نزل بلغة القوم الذين بُعث فيهم.

ويحدد الطبري منذ البداية علومَ العربية؛ باعتبارها أدواتٍ ضروريةً لممارسة تفسير النص القرآني، ويكشف خطورة الجهل بوجوه فن القول لمن يُريد معاناة مواجهة ذلك النص. يقول الطبري:« إن أول ما نبدأُ به القيلَ في ذلك؛ الإبانةُ عن الأسباب التي البدايةُ بها أولى، وتقديمُها قبل ما عداها أحرى؛ وذلك البيانُ عما في آي القرآن من المعاني التي من قِبَلِها يدخلُ اللَّبْسُ على مَن لمْ يُعانِ رياضةَ العلوم العربية، ولم تُستحكم معرفتُه بتصاريف وجوه منطق الألسن السليقية الطبيعية» (4).

فمعرفة مضمون الوحي لا تَتأَتَّى إلا بالتعرف على معانيه، وهذا لا يتمُّ إلا بالتعرّف على أساليب الخطاب وأنماط التجوز في التعبير القرآني؛ لأنه من جهة المجاز « غلِطَ الناسُ في التأويل، وتشعبت بهم الطرق، واختلفت النحل»، كما قال ابن قتيبة(5).

المحور الثاني: عربية القرآن وموافقة أسلوبه لكلام العرب:

       لهذه الغاية عقد الطبري فصلا بعنوان:« القول في البيان عن اتفاق معاني آي القرآن ومعاني منطق من نزل بلسانه، من وجه البيان والدلالة على أن ذلك من الله عز وجل هو الحكمة البالغة، مع الإبانة عن فضل المعنى الذي به باين القرآن سائر الكلام».

       ويقول الطبري في هذا الفصل:« من عظيم نعم الله على عباده، وجسيم منته على خلقه؛ ما منحهم من فضل البيان الذي به عن ضمائر صدورهم ينبئون تم جعلهم، جل ذكره، فيما منحهم من ذلك طبقات، ورفع بعضهم فوق بعض درجات (...) ثم عرفهم، في تنزيله ومحكم آي كتابه، فضل ما جاءهم به من البيان(...) فلا شك أن أعلى منازل البيان درجة (...) أبلغه في حاجة المُبين عن نفسه(...) فإن تجاوز ذلك المقدار وارتفع عن وسع الأنام، وعجز عن أن يأتي بمثله جميعُ العباد، كان حجةً وعلما لرسل الواحد القهار(...) فإذا كان ما وصفنا من ذلك كالذي وصفنا. تبيَّنَ أن لا بيانَ أبين ولا حكمة أبلغ ولا منطق أعلى، ولا كلامَ أشرف من بيان ومنطق تحدى به امرؤ قوما في زمن هم فيه رؤساء صناعة الخُطب والبلاغة، وقيل الشعر والفصاحة والسجع والكهانة، فسفَّه أحلامَهم، وقصَّر بعقولهن وتبرّأ من دينهم (...) وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته، وحجة على حقيقة نبوته، ما أتاهم من البيان والحكمة والفرقان، بلسان مثل ألسنتهم، ومنطق موافقة معانيه معاني منطقهم، ثم أنبأ جميعهم أنهم أن يأتوا بمثله بعضه عَجَزة؛ فأقر جميعهم بالعجز. وأذعنوا له بالتصديق، وشهدوا عن أنفسهم بالنقص...» (6).

       فالقرآن في أمة البيان هو البرهان على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فقد جاءت المعجزة من جنس ما برع فيه القوم حتى يتمكن التاريخ من تسجيل العجز على العصر الذي أدركت فيه اللغةُ العربية أشدَّها، وبلغت فيه أرقى أدوار التهذيب اللغوي. وجاءت معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهج كلام العرب. فأقر كل من سمع القرآن بتفرد بيانه، وسمو مكانته. ويؤكد الطبري أن غير جائز أن يُخاطب، جل ذكره، أحداً من خلقه إلا بما يفهمُه المخاطَبُ، ومن هنا قال تعالى:( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لبُيِّنَ لهم) [ إبراهيم:9]؛ وإذا كان لسان محمد صلى الله عليه وسلم عربيا، فبين أن القرآن عربي. « وبذلك نطق محكم تنزيل ربنا، فقال جل ذكره: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) [ يوسف:2]. فالواجب أن تكون معاني كتاب الله المنزَّل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لمعاني كلام العرب موافقا، وظاهره لظاهر كلامها ملائما» (7).

       وهنا يشير الطبري إلى خصائص التعبير القرآني الذي يمثل خصوصيات الأسلوب الأدبي في آداب العرب.

ويُستفاد من هذا الفصل الحقائق الآتية:

تفاوت الخلق في البيان، وأسنى مراتب البيان أبينُه عن مراد قائله، وأقربه من فهم سامعه.

سمو مرتبة البيان الإلهي جعله حجة للرسول صلى الله عليه وسلم ومعجزة.

مكانة هذا البيان الإلهي يُثبتها تحدِّيه للعرب في وقت هُمْ فيه سادة البيان والبلاغة.

رسالة رب العالمين لا تكون إلا بلسان القوم المبعوث إليهم؛ ومن هنا جاء القرآن عربيا.

انطلاقا من عربية القرآن، كانت أنماط التعبير فيه موافقة لمناحي القول عند العرب. وقد أشار الطبري إلى ما للعرب من سمات في أسلوبهم؛ لتكون مساعدة على كشف خبايا النص. ووعد ببحثها في أماكنها من تفسير السور.

ولم يكتف الطبري بالتدليل على عربية القرآن، بل انتقل إلى إثبات أن القرآن عربيّ اللفظة المفردة. وأكَّد أن في القرآن من كل لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به.« فهي أحْرُفٌ وقعت إلى العرب فعربتْها». وبعد أن يدفع كل شبهة يدعي أصحابُها وجود لفظ دخيل في القرآن؛ دفاعا عن عربية اللفظة القرآنية، يُناقش قضية« القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب». الأمر الذي يقوده إلى معالجة مسألة" الأحرف السبعة"؛ مستدلا بها على تباين اللغة بين طوائف العرب، ونزول القرآن على بعض ألسن منها. وهكذا ينتهي إلى القول:« إن القرآن كلُّه عربي، وإنه نزل بألسن بعض العرب دون ألسن جميعها، وإن قراءة المسلمين اليوم ومصاحفهم التي هي بين أظهرهم ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها» (8).

 

المحور الثالث: قضية إعجاز القرآن:

 

وإذا كانت قضية إعجاز القرآن قبل الطبري قد تركزت حول عربية القرآن، وما فيه من إخبار عن الغيب، وما تميز به من نظم؛ فإن الطبري؛ صاحب جامع البيان، عالج مسألة عربية القرآن وموافقة أسلوبه لأنماط التعبير العربي، مع اتخاذ البيان مناط التحدي في تبليغ الرسالة، في المقدمة، وعاد إلى الحديث عن الإعجاز خلال تفسيره لآيتي التحدي من سورة البقرة، رقم:22-32

« وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم إن كنتم صادقين فإنْ لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين».

ويتلخص مجمل ما أورده في النقاط الآتية:

1 – خلود معجزة القرآن، ودوام عجز الإنس والجن على الإتيان بمثلها في البيان.

2 – ويرجع الإعجاز إلى سمو البيان عن المقاصد.

3 – عجز العرب عن معارضة القرآن بالرغم من تحديه لهم، وهو بلغتهم، ومعاني منطقه موافقة لمعاني منطقهم.

4 –وأساليب أداء المعاني في القرآن الكريم لا تخرج عن مناحي التعبير فيما هو معهود في بلاغة العرب، وفيما تقرَّر من قضايا حتى اليوم.

5 – ثم يقول:« ومن أشرف تلك المعاني التي فُضِّل بها كتابُنا سائر الكتبَ قبله نظمُه العجيب ووصفه الغريب وتأليفه البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سوره الخطباءُ، وكلّت عن وصف شكله البلغاءُ، وتحيَّرتْ في تأليفه الشعراء...» (9).

ويُفهم من خلال هذا أن الطبري يؤكد قضية بلاغة القرآن ويرجعها إلى بديع نظمه وتأليفه الذي أعجز العرب؛ وهو بذلك يُرجع قضية الإعجاز إلى النظم، ويجعل النص القرآني في موقعه التاريخي بين الكتب السماوية متميزا بظاهرة النظم.

وقد لاحظ د. مصطفى الجويني أن تفسير الطبري حفظ نظرات السلف إلى الأسلوب القرآني. وهي نظرات يمكن لمرخ البلاغة من غير شك أن يُفيد منها بعد الجمع والاستقصاء والترتيب والدرس (10).

فمن النظرات الأسلوبية الواردة في تفسير الطبري: - أسلوب الإيجاز، لمكانة هذا الأسلوب في الذهنية العربية، احتل مكانة خاصة في البلاغة، واعتبر من مناحي الإعجاز في الأسلوب القرآني، ولم يُخْفِ الطبري انفعاله بروعة الإيجاز كما في تفسيره لقوله تعالى:« وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"، حيث يقول: فليتدبَر أولو الألباب إيجاز الله واحتجاجه على جميع أهل الكفر به، والملحدين في توحيده، في هذه الآية والتي بعدها، بأوجز كلام، وأبلغ حجة، وألطف معنى يشرف بهم على معرفة فضل حكمة الله وبيانه» (11).

– أسلوب المجاز: على الرغم من الطبري يعنى أساسا بكشف المعنى؛ شأن كل مفسر يرى في صور التعبير المتلفة، وسيلة لتوضيح المعاني؛ فإن تفسيره لا يخلو من مناقشات بعض الأساليب البيانية لتأكيد الإعجاز البلاغي في النص القرآني؛ فأسلوب المجاز الذي كان من محاور الجدل لدى أصحاب الفرق، نجد صداه عند الطبري، ولكن دون إيغال في الجدل والنقاش.

ويتضح من مناقشة الطبري لأساليب المجاز أن يحارب تفسير المعتزلة المجازي بشدة، دون أن يذكرهم بالاسم، وهو يحرص أيضا على أن يُبيِّن أن التعبير القرآني يجري على نهج البيان العربي. يقول – مثلا – في تفسير الآية:( فما ربحت تجارتهم)؛ وإنما معنى ذلك فما ربحوا في تجارتهم لا فيما اشتروا، ولكن الله جل ثناه خاطب بكتابه عرَباً فسلك في خطابه إياهم، وبيانه لهم، مسلك بعضهم بعضا. وبيانُهم المستعمل ينهم". ويبدو أن الطبري في محاولته المقابلة ين الأسلوب القرآني والأسلوب العربي؛ إنما يُفيد من منهج أبي عبيدة في كتبه(مجاز القرآن)، كما لاحظ د. مصطفى الجويني.

وعلى كل، فإن النظرات الأسلوبية المبثوثة في تفسير الطبري، تحتاج إلى مجهود خاص؛ إذ أن الرجل يتعقب أحيانا التعبير القرآني ويبحث وراءه عن سر الأداء في العبارة.

 

خاتمة:

يمكن القول إجمالا، إن موقف الطبري من قضية الإعجاز يتشكل في محورين: أولهما: أن القرآن معجز بنظمه وتأليفه، وهو بهذا يدعم الاتجاه البياني الذي رسخه الجاحظ والمعتزلة عامة. ففي تفسير للآية:( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم). يقول إن الله احتج فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على ما كان بين ظهرانيه من يهود بني إسرائيل، باطلاعه إياه من علو الغيب التي لم يكن جل ثناؤه اطلع عليه من خلقه إلا خاصا(12).

وعلى كل فإن الطبري أكد عربية القرآن، ومحاذاته للنهج العربي في الأسلوب، واعتبر النظم جوهر الإعجاز، ويكفي في التفسير أهمية أنه استوعب الدراسات المبكرة للنص القرآني في ضوء جوانب المعرفة المتاحة حتى مطلع القرن الرابع الهجري.

 

هوامش:

 

الفهرست، ص227

مناهج في التفسير: د. مصطفى الجويني، ص222

مناهج التفسير الإسلامي: جولدزيهر، ترجمة عبد الحلين النجار.

تفسير الطبري:1/2

تأويل مشكل القرآن: الن قتيبة، ص75

تفسير الطبري:1/4

نفسه:1/6

نفسه:1/25

نفسه:1/65

مناهج في التفسير، 415

تفسير الطبري:2/37

نفسه :2/174

مثال واحد : من المواد التفسيرية التي ضمها كتاب تفسير الطبري كتاب: الجمع: تفسير القرآن (3ج) لعبد الله بن وهب المصري (197هـ) برواية سحنون بن سعيد (240هـ)، تحقيق وتعليق: ميكلوش موراني ط1[ بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2003م] ويقو المحقق في مقدمة تحقيقه:تمّت الإحالة على جميع الشواهد لروايات ابن وهب في جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر الطبري. كما أضفت إلى هذه الفقرات كل ما روى ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عند أبي جعفر الطبري.

 

(0) تعليقات
العلم بالعربية من أسس العقيدة في الإسلام

 

 

عباس أرحيلة

تمهيد:

 

وُضعت اللغات لدى شعوب الأرض لإقدارها على التفاهم والتواصل، وحَمَلَتْ اللغات رسالات رب العالمين إلى بني آدم على الأرض، وتمكن هؤلاء بواسطتها من تنظيم حركة وجودهم وتطوير مواهبهم، ولم يبقَ من اللغات التي تحمل كلام الله إلا اللغة العربية.

واللغة العربية حملتْ آخر تلك الرسالات، وأُريد لها أن تكون لسان الوحي الخاتم، وأن تستوعب دليل نبوة الإسلام، وتختزل مضامين الرسالات السابقة، وتنطوي على المنهج الذي ارتضاه الله لخلقه إلى يوم الدين. وهكذا جاء الوحي في الدين الخاتم في شكل نص لغوي تميّز بمنهج في التعبير تصِحُّ به الحياةُ على الأرض إلى نهاية الحياة البشرية على الأرض.

 

أولا: تحدّيات واختبارات:

 

تعرّضت اللغة العربية في مسار تطورها العام لتحديات واختبارات، لم يتعرض لها غيرُها من لغات شعوب الأرض في التاريخ الإنساني.

لقد واجهت اللغة العربية مجموعة تحديات، تحدَّدتْ بها قدراتها على التبليغ والتفاعل مع الوجود المادي والروحي للإنسان، حتى استطاعت أن تكون لغة حضارة.

* التَّحَدِّي الأول:

أول تَحَدٍّ للغة العربية في وجودها وتاريخها هو اصطفاؤُها أن يُناطَ بها الإعجاز؛ أي أن تقوم دليلا على أن الموحَى به من رب العِزَّة، وأنه آخر رسالات السماء إلى أهل الأرض.

 فحين بلغت هذه اللغة أوجَ عنفوانها عند أمة تميزت بين شعوب الأرض بالقدرة على الإفصاح عن مكنون النفس في الوجود؛ تعرَّضتْ لامتحان تَحَمُّلِ الوحي!

هل يُمكن أن يتنزَّلَ باللغة العربية نصٌّ لُغويٌّ يحملُ منهجاً إلهيا، يحملُ خطاباً موجّهاً لكافة شعوب الأرض، خطاباً يخترق الزمان والمكان، ويستجيب لكل ما يجدّ من ظواهر وتحولات؟

من هنا " كان القرآن حدثاً ضخماً في تحويل حياة اللغة وتوجيهها إلى أن تكون لغة فكر يُخطط لمستقبل هذه اللغة"(1).

* التّحَدِّي الثاني:

أن تحُلَّ اللغةُ العربيةُ محلَّ اللغاتِ القديمةِ في وقت وجيز، ويدخل كثير من تلك اللغات متاحف التاريخ. فقد عايشت العربية أكبر انصهار بين الأجناس في التاريخ البشري، وعانت من أشكال الغُربة والعجمة واللحن، لكنها صمَدتْ في وجه التحوّلات، ورافقتها عيون ساهرة في تنقيتها وتقويم ألسنة الناطقين بها، فكانت لغة العلم بدون منازع في الأصقاع التي عرفتها الحضارات القديمة.

* التحدّي الثالث:

تحمّلها لترجمة ما تراكم من المعارف الإنسانية التي كانت تتطلّع إليها الدولة الإسلامية لاستكمال نهضتها. فتمّ نقل تلك المعارف، وتم شرحها واختصارها، بما تستلزمه من مصطلحات، في ضوء قناعاتها؛ فكان هضمها والتفاعل معها، وتوجيهها وجهة تستجيب للضوابط الحضارية للأمة الإسلامية.

*  التحدي الرابع:

مع مطالع القرن الهجري الرابع سادت اللهجات في العالم العربي الإسلامي، وبدأت السليقة العربية تخفت وتتوارى، وعجز أهل اللسان العربي عن مواكبة المعاناة اليومية، وأصبحت العربية تُتعلَّمُ تعلما، تعيش في معاقل العلم الذي أصبح بدوره يُؤخذ من الصحف. وظهرت الفارسية من جديد فزاحمت العربية في القرن الرابع، لكن العربية ظلت لغة الثقافة والعلم محافظة على إشراقها وإشعاعها.

* التحدي الخامس:

بعد الهجمتين المغولية والصليبية على معاقل الثقافة الإسلامية، حاولت اللغة التركية أن تسود في تلك المعاقل، ثم تلتها الصدمات مع لغة المستعمرين، وتعرض القرآن الكريم لأنواع من الترجمات وبجميع لغات الأرض تقريبا، ومع ذلك ظل للعربية حيويتُها وانبعاثها المتجدد، وإن تقاعس أهلها وذهبت ريحهم، وأصبحوا - في هذه المرحلة من التاريخ البشري - مستضعفين في الأرض.

فامتُحنتْ العربية بدعوات التجديد، وخاضت غمار الترجمات من بعض اللغات، وامتحنت بأشكال  الهجوم، والتهميش، والعداء من أبنائها، وامتُحنت بتعدد المصطلحات من العلوم والمعارف الحديثة، وأهلها  يوجدون خارج المختبرات، وكل هذا في لحظات تخنقها اللهجات الممزوجة باللغات الأوربية.

 

ثانيا: اعتماد البيان في خدمة الحضارة الإسلامية

 

القرآن وحيٌ إلهيٌّ، منهجٌ يُنظم حركة الحياة منذ انبثاق الإسلام في جزيرة العرب إلى نهاية هذا العالم، منه ومن النص الحديثي تُستلهم أسس النظر في الألوهية والكون والأوضاع البشرية على الأرض.

منهجٌ يُوجّه النزوع البشري على الأرض، ويتجاوب مع حاجيات الإنسان المادية والمعنوية، وله قدرة على التجدد والصمود أمام التحولات، وتميز بانفتاحه على كل مصدر للمعرفة لا يتعارض مع مقاصده.

والمنهج القرآني خطاب لغويٌّ محروسٌ بمعجزة بيانية. منهجٌ يقوم على دعامتين: لغة وفكر؛ ذلك أن حضارة الإسلام على دين معجزتُه في طريقة تبليغه؛ أي أُنيط بالنص القرآني أن يُستدل به على المعجزة وأن يقوم دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يحمل فحوى مقاصد الرسالة. ولا يُمكن إدراك هذه المقاصد إلا بفهم خطاب الرسالة؛ أي في أضوء أسرار العربية وطرائقها في الأداء البياني.

كيف يتجدّد نصٌّ لغويٌّ في حياة البشر، وهو على صورته الأولى لا يتغيّر منه حرف، كيف يُواكب التطورات وخطرات العقل البشري، ويتعايش مع الأهواء والإديولجيات؟ كيف واجه ويُواجه محاولات إطفاء نوره في الأرض بأساليب شياطين الإنس والجن، منذ بداية نزوله إلى اليوم؟

لا شكَّ أن لهذا النص صيانة من رب العزة، وأن له من الخصائص الذاتية ما يضمن له الخلود والتجدّد؛ خصائصُ تُذكِّرُ دوماً بمصدره، وتجعله منبعاً ثرّاً لا ينضب؛" متْلُوّاً لا يُمَلُّ على طول التلاوة – كما يقول ابن قتيبة – ، ومسموعاً لا تَمَجُّهُ الآذان، وغضّاً لا يَخْلَقُ على كثرة الرَّدِّ، وعجيباً لا تَنقضي عجائبُه، ومفيداً لا تنقطعُ فوائدُه" (2).

ومن هنا تقرّر لدى علماء الإسلام أن فهم الرسالة،عقيدةً وشريعةً؛ يحتاج إلى فقهٍ بأداة الخطاب يُمكِّنُ المُخاطَب من إدراك حقائق التنزيل والوقوف على أسراره ودلائل إعجازه.

ولما كان الإعجاز يبقى في القرآن ببقاء النص؛ ضمِنت العربيةُ لنفسها الخلود، وأضحت محطَّ اهتمام المسلمين يعملون على جمعها وتدوينها وتنقيتها من الشوائب والدفاع عنها؛ فأصبحتْ علماً قائماً بذاته له أُسسه وضوابطُه. فلم يعد العلمُ بالعربية أداةً للثقافة بل أصبح جوهر الثقافة.

 

ثالثا: العلم بالعربية أساس الثقافة في الإسلام:

 

أثار القرآن منذ اللحظات الأولى لنزوله حركة فكرية عند العرب، وخاصة حين دعاهم إلى تدبره، فقال تعالى:,أفلا يتدبَّرونَ القرآنَ أم على قلوب أقفالُها- [ سورة محمد، آية 24].

ونجد موقفين من القرآن:

أ – موقف طائفة اطمأنتْ إلى القرآن وخلتْ إليه تُترجم تعاليمَه سلوكاً، بعد أن أدركت سموّه، وأُخذتْ بروعته، وفاضت نفوسها خشيةً ورهبةً , وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً- [ الأنفال، آية 2].

ويعجَبُ القرآنُ من أناس تبلّدت مشاعرهم فلم تأخذهم للقرآن روعةٌ. قال تعالى: ,فما لهم لا يُمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون- [ الانشقاق، الآيتان20 – 21].

ب – وموقف طائفة كفار قريش، استكبرت على الإذعان لمفعول القرآن في النفوس، وتحيَّرتْ في وصفه؛ فكشفتْ أقوالُها عمّا استشعرته من جمال القرآن، وأحسنت وصف نفسها حين قالت:

- ,وقالوا قلوبُنا في أكِنَّة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقْرٌ ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل فإننا عاملون-[ فصلت، آية 5].

وافترى المشركون أقوالا لتفسير ظاهرة الوحي – لا تختلف عن أقوال المستشرقين في العصور الحديثة – بردها إلى الأساطير والسحر والكهانة والشعر.

وحاول المشركون أن يصدّوا الناس عن سماع القرآن؛ تيقنا منهم أن أنه يفرض إعجازه على كل من سمعه.

وكلما ابتعدنا عن صدر الإسلام عظُم الاتصال بالأعاجم وبدأت رحلة النص القرآني في أكناف الأرض لدى شعوب عششت فيها الملل والنحل القديمة. وامتدت العجمة إلى لسان الناطقين بالعربية، وسعت الشعوب الدخلة في الإسلام إلى تعلم لغة القرآن حتى تتعرف أحكام الدين الجديد.

فأصبح النص محط فهوم شعوب وريثة للحضارات القديمة، يُحتكم إليه في كل ما جد، ويُستلهم في تبنِّي الآراء واتخاذ المواقف، بل إن حرب العقيدة قد اشتعلت طعنا وتشكيكا في القرآن، فاتجهت العناية إلى تقريب النص من الأفهام، ونشأت علوم العربية مرتبطة به ارتباطا وثيقا فازدهرت الدراسات اللغوية؛ عنايةً بالنص القرآني أداءً وفهماً، وإثباتاً للهوية الإسلامية في محيط اختلطت فيه ديانات السماء بديانات الأرض. وبرز التيار اللغوي في تفسير القرآن في اتجاه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حين ربط بين القرآن ومعرفته بالعربية وخصائصها وأساليبها في الشعر. قال:"إذا أعيتْكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر فإنه ديوان العرب"(3).

وبامتدادت الفتوحات، وانصهار الأجناس في بوتقة الشعب العربي؛ دعت الحاجة إلى تقريب معاني القرآن من الأذهان؛ فانطلقت حركة التأليف حول القرآن للكشف عن علومه ومعانيه وغريبه، والتنقيب عن أنماط أسلوبه. وتم التركيز في أوج مرحلة التدوين على إثبات عربية القرآن مع مقابلة ذلك بما تعارف عليه العرب، مع حاجة العصر إلى رغبة السائلين عن معاني القرآن (4).

وواضح أن حركة التأليف حول القرآن كان الباعث عليها هو ما استشكله الناس من معاني القرآن. وملاحقة المعنى كانت وراء نشأة العلوم في الإسلام، كما هو واضح في النحو والتفسير وأصول الفقه وعلم الكلام.

والمكتبة القرآنية في فهرست ابن النديم ( تاريخ تأليف الكتاب:377هـ) بلغت حوالي مائتين أربعة وأربعين كتابا ( كتب التفسير:44 – الكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه:25 – لغة القرآن:6....).

وإذا كان علماء العربية قد حثّوا على تعلم العربية خلال مرحلة التدوين، فإن الإمام الشافعي (204 هـ) اعتبر تنبيهَ العامة إلى أن القرآن نزل بلسان العرب خاصةً نصيحةًً للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركُه كما يقول (5).

وبَيَّنَ الشافعي أن الله تعالى خاطب العرب بلسانها، وعلى ما تعارف من أساليبها في أداء معانيها. وحدّد بعض وجوه الخطاب إلتي بجهلها يقع الاضطراب في فهم النص وتأويله، ودعا إلى الاحتكام إلى منطق اللغة. " لأنه لا يَعلمُ من إيضاح جُمل الكتاب أحدٌ جهِلَ سعة لسان العرب وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقه. ومن علمه انتفت عنه الشُّبَه التي دخلت على من جهل لسانَها"(6). وأكد الشافعي أن القرآن لم ينزل"إلا على مصطلح العرب في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال"(7). فالشافعي يتحدث عن فهم النص فهما لغويا مهتديا بطرائق اللغة العربية في التعبير.

وتقررت هذه الحقيقة عند معاصريه وعند مَن جاء بعدهم. خاصة وأن المرحلة طبعها الجدل وعلم الكلام والطعن على أسلوب القرآن وتسرب أعداء الإسلام من باب المجاز جهلا منهم بأنماط التجوز في التعبير العربي. وقد ذكر الجاحظ (255 هـ) نماذج من طعون الملحدين وممن لا علمَ لهم بوجوه اللغة وتوسع العرب فيها، من ذلك قولهم في آية النحل: , يخرج من بطونها شراب-، قالوا: العسل ليس بشراب، إنما هو شيء يُحوَّل بالمادة شراباً. ويردُّ الجاحظ بأن الله تعالى:" سمّاه شرابا؛ إذ كان يجئ منه الشراب، وقد جاء في كلام العرب أن يقولوا: جاءت السماء بأمر عظيم، قال الشاعر:

إذا سَقَطَ السماءُ بأرض قومٍ     رعيْناهُ وإن كانوا غِضابا

فزعموا أنهم يرعون السماء وأن السماء تسقط. ومتى خرج العسل من جهة بطونها وأجوافها. ومَن حمَل اللغةَ على هذا المَركَب لم يفهم من العرب قليلا ولا كثيراً. وهذا بابٌ هو مفخَر العرب في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت (...) وقد خاطب بهذا الكلام أهل تهامة وهُذيْلاً وضواحيَ كِنانةَ، وهؤلاء أصحاب العسل (...). فهل سمعتم بأحد أنكر هذا الباب أو طعن عليه من هذه الحجة"(8).

وقال ابن قتيبة (276 هـ) في ( تأويل مشكل القرآن):"وإنما يعرف فضلَ القرآن مَن كثُر نظرُه واتسع علمُه وفهم مذاهب العرب وافتتانها في الأساليب، وما خَصَّ اللهُ به لغتَها دون جميع اللغات"(9).

وأول محور منهجي حدده الطبري في مقدمة تفسيره، معاناة رياضة العلوم. يقول:"إن أولَ ما نبدأُ به القيلَ (...) البيانُ عمّا في آي القرآن من المعاني التي من قِبَلِها يدخلُ اللَّبْسُ على من مَن لم يُعانِ رياضةَ العلوم، ولم تستحكِمْ معرفتُه بتعاريف وجوه منطق الألسن السليقية والطبيعية"(10).

وعقد أحمد ابن فارس (395 هـ) في كتابه (الصاحبي) باباً عنوانُه:"باب القول في حاجة أهل الفقه والفُتيا إلى معرفة اللغة العربية". قال فيه:"إن العلم بلغة العرب واجبٌ على كل متعلم من العلم بالقرآن والسنة والفُتيا بسبب، حتى لا غِناء بأحد منهم عنه؛ ذلك أن القرآن نازلٌ بلغة العرب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عربيٌّ. فمن أراد معرفة ما في كتاب الله جل وعز، وما في سنة  رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كل كلمة غريبة أو نظم عجيب، لم يجد من اللغة بدا"(11).

وأكد ابن فارس أن الغلط من جهة اللغة يظهر خطرُه فيما يُغَيَّرُ به حكمُ الشريعة.
رابعا: الطلب التشريعي عمدتُه العربية 

رمزت اللغةُ العربية؛ باعتبارها لسان الوحي، لتجليات الحق ودلت عليه، وجاء النص زاخراً بخصوبة المعاني وقوة الإيحاء.

والمعنى في هذا النص يرتبط بأمر عقدي أو تشريعي، ويأتي العلمُ بالعربية للكشف عن مراد الله، وتحديد شرع الله، فأُثيرتْ في الثقافة العربية مشكلة المعنى، وعلاقتها بالألفاظ الدالة عليها، وكان للأصوليين ريادة في مدارسة المعنى وعلاقة اللفظ بالمعنى داخل عملية التفكير؛ إذ اللغة تعبير عن الفكر.

من هنا كانت عناية الأصوليين بكيفية استنباط الأحكام من الكتاب والسنة من دلالات النصوص وسياقاتها، واحتلت المقدمة اللغوية من كتب الأصوليين مكانة خاصة، واشتملت على أبحاث مطولة في تقسيمات اللفظ بالإضافة إلى المعنى، وعرضت في مجملها لقضايا المعنى وضبط القوانين في فهم النصوص (12).

وغاية الأصولي أن يستنبط حكما شرعيا من عبارة النص، أو إشارته واقتضائه، وفحواه، لضبط معناه، ولا يتأَتَّى له ذلك بفهم ما تُؤديه العبارة على مذاهب العرب في القول. "ولأنه – كما قال الشافعي مؤسس علم الأصول – لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحدٌ جهِل لسان العرب"(13). وهو جهلٌ يُؤدي إلى تحريف مدلول النص، وما يترتب عنه من تعطيل لمنهج الله، خاصة وأن في القرآن محكما ومتشابها، وفيهما درجات من الوضوح والغموض، وأنماط من أساليب التجوّز في التعبير. ومن جهة المجاز – كما يقول ابن قتيبة – غلِطَ كثيرٌ من الناس في التأويل، وتشعّبتْ بهم الطرق واختلفت النِّحَل" (14).

وهكذا، فَفَهِمُ النصوص هو منطلقُ البحث على الأدلة الشرعية، والفهمُ موكولٌ إلى المعرفة الدقيقة باللغة، وبتصاريف القول فيها؛ إذ لا يتأتّى استنباط حكم لا تقتضيه طبيعة اللغة.

فالمعنى الشرعي يُؤخذُ من الدليل اللفظي. وقد يُستدلُّ عليه بغير اللفظ، ولكن يظل اللفظ دالا على المعنى التابع لقصد المتكلم. فاللفظُ في تصور الأصولي هو دليل الحُكم على صحة الفكر أو خطئه؛ إذ اللغة ترجمةٌ لما يجري في الفكر. من هنا أَخذتْ اللغة عن الأصوليين منحىً علمياً؛ أصبحتْ به وسيلةً لاستنباط الحكم، تتجه إلى الاصطلاح وتخاطب العقل. والشافعي في وضعه للأصول المعتمدة في فهم النصوص وتأويلها اعتمد منطق اللغة العربية. وقد أورد السيوطي (911 هـ) في كتابه (صون الكلام عن فن المنطق والكلام) قول حرملة بن يحيى:" سمعتُ الشافعي يقول: ما جهِلَ الناسُ ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس (...)، ولم ينزل القرآن ولا أتت السنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال، لا على مصطلح اليونان، ولكل قوم لغة واصطلاح" (15).

وجاء الفخر الرازي (606 هـ) فاعتبر " نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطاطاليس إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد على علم العروض (...) فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع كنسبة أرسطاطاليس إلى علم العقل"(16).

وهكذا يتضح أن المنهج في استنباط الحكم من النص أُسِّسَ على منطق العربية، وابن خلدون وهو يؤرخ للعلوم في الحضارة الإسلامية أطلق علوم اللسان العربي على علوم العربية، وجعلها أركاناً أربعة: اللغة والنحو والبيان والأدب. وقرر أن"معرفتَها ضرورية على أهل الشريعة؛ إذ مأخذ الأحكام الشريعة كلِّها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونَقَلَتُها من الصحابة والتابعين عربٌ، وشرح مشكلاتهم من لغاتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علمَ الشريعة" (17).

وقد وجد ابن القيم (751 هـ) من الأصوليين " مَن يفهم من الآية حكما أو حكميْن، ومنهم من يفهم عشرةُ أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد الفهم دون سياقه، ودن إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخصُّ من هذا وألطف ضمُّه إلى نص آخر متعلق به، فيُفهم من اقترانه به قدراً زائداً على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا بابٌ عجيبٌ في فهم القرآن لا ينتبه له إلا النادر من أهل العلم(18).

واللفظ لدى الأصولي يتطور بناءً على مدلوله وعلى استعمالاته في العُرف والشرع مما يجعل النص منفتحاً على الحياة يسمحُ بالاجتهاد.

 

 خاتمة:

 

إن الاحتكام إلى النصيْن المؤسسيْن للإسلام ( القرآن والحديث الشريف) يظل ثابتا إلى نهاية العالم. منهما تُستمَدُّ الحلولُ لمشكلات الحياة، وما ينشأ عنها من واقع وأحداث. من فهمهما وتدبرهما ينطلق الاجتهاد. من هنا تظل العناية بعلوم اللغة العربية من الثوابت في مسار الحضارة الإسلامية. إن العالم الإسلاميّ أوجد أضخمَ مادة قانونية في الفقه لكل جوانب الحياة الإنسانية، حينما تَفَهَّمَ النصَّ التشريعيّ ودَقَّقّ في تحديد مدلولات ألفاظه، مع وعي كامل بطبيعة التطور الدلالي؛ فكان له علم بالعربية وبأسرارها.

واليوم تسود القوانين الوضعية في العالم، وبتأخر المسلمين يتأخر فقه المعاملات عن متابعة ما يجد في حياة الناس. إن العالم يتطور من حولنا بسرعة مذهلة، ويزيدنا النظام العالمي الجديد استضعافا في الأرض، ويُحكِمُ إقفالَ باب الاجتهاد عندنا، وتزداد نفوسنا إحباطا ودماراً.

إن السيادة اليوم في الأرض لا تتأَتَّى بغير البحث العلمي في مجالات المعرفة الحديثة. والاجتهاد لا يتحقق بغير انفتاح على تطورات العصر ومواكبتها معرفيا. وأمر اللغة العربية اليوم موكول إلى وضعية العرب والمسلمين سياسيا واقتصاديا وتقنيا وثقافيا. وكل إصلاح يُهمل علومَ العربية ولا يُدخلها في معترك الحياة بتطوراتها العلمية يترك باب الاجتهاد موصداً ويحكم على الحضارة الإسلامية بالجمود. وكلُّ مواكبة لأي عصر بدون العربية تِيهٌ! وسيرٌ على غير هدى!

 

[ ملاحظة: نشر هذا المقال بمجلة ( منار الإسلام: إسلامية – ثقافية – شهرية) أبو ظبي، العدد الرابع، السنة21، ربيع الآخر 1416هـ/ 27 أغسطس 1995م، ص82 – 88 ].

 

هوامش:

 

(1)المدخل إلى دراسة البلاغة العربية: د. السيد أحمد خليل – ط1[ بيروت، دار النهضة العربية، 1968]، ص21

(2)     تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة (276 هـ)، تحقيق: أحمد صقر – ط2 [ القاهرة، دار التراث، 1973]، ص3

(3)           كتاب إيضاح الوقف والابتداء: أبو بكر الأنباري:1/101

(4)     ينظر في هذا سبب تأليف كتاب (معاني القرآن) للفراء 207 هـ وكتاب ( مجاز القرآن) لأبي عبيدة 209 هـ.

(5)       الرسالة: الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ص50

(6)           نفسه.

(7)     صون الكلام عن فن المنطق والكلام: السيوطي(911 هـ)، شرح وتعليق: د. علي سامي النشار – ط1[ القاهرة، مطبعة السعادة، 1947]،ص45

(8)     الحيوان: الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون – ط2 [ القاهرة، مطبعة مصطفى  البابي الحلبي، د. ت]:5/425

(9)           تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة، ص12

(10)      جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري (310هـ): 1/13

(11)   الصاحبي: أحمد بن فارس (395 هـ)، تحقيق: أحمد صقر – ط1[ القاهرة، مكتبة عيسى البابي الحلبي،1977]، ص50

(12)   ينظر: التصور اللغوي عند الأصوليين: د. السيد أحمد عبد الغفار – ط1 [ الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية،1981] – ومصادر هذا التصور تلتمس في أمهات كتب الأصول، وخاصة في كتاب المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي – ط1[ القاهرة، المطبعة الأميرية، 1323 هـ].

(13)      الرسالة: الشافعي، ص50

(14)      تأويل مشكل القرآن،ص103

(15)      صون الكلام عن فن المنطق والكلام: السيوطي، ص45

(16)   طبقات الشافعية: تاج الدين السبكي – ط1 [ القاهرة، المطبعة الحسينية، د.ت]:1/100

(17)   مقدمة ابن خلدون، تحقيق: علي عبد الواحد وافي – ط3 [ القاهرة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، 1977]:3/1224

(18)   أعلام الموقعين: ابن قيم الجوزية – ط1[ القاهرة، إدارة المطبعة المنيرية، د.ت]:1/354

 

 

 

(0) تعليقات


<<Home