موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
من خلال مدونة جيران

مستويات المثاقفة في النقد الأدبي

 لدى الدكتور عباس ارحيلة[1] من خلال مدونته الإلكترونية.

عبد الجليل شوقي

جامعة القرويين 

كلية اللغة العربية

بمراكــــش

المملكة المغربية

مقدمة:

منذ فجر التاريخ لم توجد ثقافة مانحة دوما وأبدا، كما لم توجد ثقافة آخذة دوما وأبدا، بل تبلغ إلى ذروة العطاء والهيمنة في زمن، وتنحدر إلى دركة من التماهي والتدهور في زمن آخر؛ كما أن كل ثقافة هي نتاج لتراكمات سابقة تشكل مشتركا ثقافيا، يتسلمه اللاحق عن السابق، وفق قوانين التأثير والتأثر والتفاعل.

والدكتور عباس ارحيلة واحد من الباحثين الذين تناولوا قضية التأثير والتأثر بالدراسة والبحث بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية اليونانية الأرسطية على وجه الخصوص منذ ثلاثة عقود على الأقل، فقد كان مقال: "أرسطو الأمس وأرسطو اليوم !" فاتحة أعمال الرجل للاهتمام بالأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين، فأثمر هذا الاهتمام أطروحة لنيل دكتوراه الدولة بعنوان: "الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري"[2]، وسبق وتلا هذه الأطروحة عدد كبير من الدراسات والمقالات والمشاركات العلمية التي تناولت الموضوع، مشتتة في ثنايا  المؤلفات المجلات الوطنية والدولية.

ومع تيسر أسباب النشر الإلكتروني، أسس الدكتور عباس ارحيلة مدونة إلكترونية: http://rhilaabas.arabblogs.com/rhila49/ فأضحت منارا للدارسين المهتمين بأعمال الرجل في مختلف الحقول المعرفية، وأهمها قضايا النقد والبلاغة بصفة عامة وقضية الأثر الأرسطي فيهما على وجه الخصوص.

ولعل من أهم أهداف هذه المقالة –فضلا عن تلمس مستويات المثاقفة في النقد الأدبي لدى الدكتور ارحيلة- لفت الانتباه إلى مادة معرفية دسمة في قضايا معرفية متعددة تحتويها هذه المدونة. وأنها تستحق أياما دراسية للوقوف عند موادها.

وتستمد هذه المدونة أهميتها من كونها جمعت ما تناثر من جهد الرجل في منابر البحث العلمي الوطنية والدولية، وأنها تحتوي –بالإضافة إلى المقالات القديمة- آخر ما صدر للرجل، بما يعنيه ذلك من جدّة في البحث، ونضج في الدراسة، وحداثة في التناول.

وتسعى هذه المقالة إلى تناول ملف واحد من ملفات هذه المدونة والموسوم بـ: "مع مسألة التأثير الهيليني" التي يتضمن المقالات التالية:

1.                  ابن البناء المراكشي والبحث عن كليات البلاغة.[3]

2.                  مسألة التأثير الأرسطي في البلاغة المغربية من خلال كتاب التنبيهات لابن عميرة.[4]

3.                  بين الكندي وأرسطو وكتاب الشعر.[5]

4.                  أرسطو الأمس وأرسطو اليوم !.[6]

5.                  كتاب الخطابة لأرسطو في الثقافة العربية.[7]

6.                  كتاب الشعر لأرسطو: طبيعته وخصائصه.[8]

7.                  د.طه حسين والفكر اليوناني.[9]

8.                  أبو تمام ومسألة التأثير اليوناني.[10]

9.                  حازم القرطاجني ومسألة التأثير الأرسطي في النقد العربي القديم.[11]

وتنقسم هذه المقالة إلى ثلاثة محاور:

Ø                   اولا: ما المقصود بالمثاقفة.

Ø                   ثانيا: المثاقفة من منظور الدكتور عباس ارحيلة.

Ø                   ثالثا: مستويات المثاقفة في النقد الأدبي لدى الدكتور عباس ارحيلة.

Ø                    

أولا: ما المقصود بالمثاقفة:

 

انقسم الباحثون في فهمهم للمثاقفة إلى فئتين على الأقل:

ü                   فئة ترى أن المثاقفة تفاعل فكري وثقافي بين طرفين غير متكافئين.

ü                   وفئة أخرى ترى أن المثاقفة ما هي إلا استعمار فكري وثقافي يمارسه القوي على الضعيف.

ومن الفئة الأولى يقول خلدون شمعة: "إن العلاقة بين ثقافة غازية وأخرى مغزوة ليس وحيدة الاتجاه. فالثقافة الأقوى غير قادرة على ابتلاع الأضعف بالضرورة، وبالتالي فالعلاقة بين التأثر والتأثير كما أراها، ليست مرتبطة ارتباطا نسبيا بمفهومي الضعف والقوة"[12]، فعلى الرغم من أن الرجل يرى أن ثمة تأثيرا وتأثرا في عملية المثاقفة، إلا انه يثبت علاقة اللاتكافؤ بين طرفيها. ويذهب خلاف هذا المذهب زياد الزعبي بقوله: "المثاقفة بمعنى عمليات التبادل  الفكري الثقافي بين الثقافات، وليس بالمعنى الامبريالي الذي يحددها بالعلاقة بين ثقافة متفوقة وأخرى متخلفة"[13].

ومن الفئة الثانية، يقول عز الدين المناصرة: "المثاقفة كانت تعني التكييف القسري لإرادة ثقافة المستعمِر(بكسر الميم) ثم وصلت إلى مفهوم الدعوة إلى التفاعل الطبيعي بشروط المركزية (الأنكلو-فرانكوفونية). وهي الحال الراهنة لمفهوم التفاعل"[14].

هكذا يبدو الهاجس الأيديولوجي يغلف مسألة المثاقفة لدى الدارسين العرب، وتتردد أصداؤه بين دفات كتبهم. وبالرجوع إلى المعاجم المتخصصة نجد أن "روجيه باستيد" في موسوعة Encyclopédie Universalis  يعرف المثاقفة Acculturation بأنها: "علاقة تفاعلية تطبيقية بين ثقافتين مختلفتين أو أكثر، تنشأ جراء توليد علاقة تتميز بتبادل الخبرات والمعارف، أو انتقالها من حقل منهجي إلى آخر إراديا. وفي المقابل ذلك يمكن الحديث في الاستلاب الثقافي أو Déculturation الذي يقصد به في الاستعمال المتداول تطور علاقة المثاقفة إلى الانسلاخ من الذاتية الثقافية، واعتناق لثقافة الآخر. والمثاقفة Acculturation كمصطلح ظهر في حقل العلوم الإنسانية –في الأنثربولوجية الأمريكية تحديدا- سنة 1880م، لدراسة التفاعل والتماس الحاصل بين الأنساق الثقافية للمهاجرين الجدد في أمريكا ... وفي سنة 1936م تم اعتماد مصطلح المثاقفة والتعاقد على وضع تعريف له ...: المثاقفة هي مجموع الظواهر والتغييرات الناتجة عن اتصال مستديم ومباشر بين مجموعات من الأفراد من انتماءات ثقافية مختلفة"[15].

ملاك القول إن المثاقفة هي تفاعل فكري وثقافي بين ثقافتين مختلفتين، أو أكثر، في زمن واحد، أو في أزمنة مختلفة، بشكل مباشر أو بوساطة.

وحيث أن المكان ليس مواتيا لتحليل هذا التعريف أكثر، ننتقل لالتماس هذا المفهوم لدى الدكتور عباس ارحيلة من خلال مادة مدونته الإلكترونية.

 

ثانيا: المثاقفة من منظور الدكتور عباس ارحيلة.

 

تناول الدكتور عباس ارحيلة مسألة المثاقفة بين النقد الأرسطي القديم والنقد الأدبي العربي القديم بمنظور جديد منذ ما قبل الثمانينات من القرن الماضي، فوجد نفسه في مواجهة فئتين على الأقل من الباحثين:

ü                   فئة الباحثين العرب: ومنهم الدكتور طه حسين(1889م-1973م)، والدكتور أمين الخولي(1895م-1966م) وغيرهما...

ü                   فئة الباحثين المستشرقين ومنهم: "مرجليوث (1858م-1940م)" و"ديلاسي أوليري" و"ريتشارد فالزرR. Walzer "و"ريجيس بلاشير(1900م-1973م) وغيرهم...

وتتفق هاتان الفئتان على أن الثقافة العربية القديمة كانت واقعة تحت تأثير الثقافة اليونانية في جميع المجالات المعرفية، حتى أنهما جعلتا من البيان العربي وليد البيان اليوناني. وجعلتا من المثاقفة بين اليونان و العرب القدماء أثرا أرسطيا خالصا في النقد الأدبي العربي. وتتبع الدكتور ارحيلة حركة هاتين الفئتين في كتابه: "مسألة التأثير الأرسطي لدى مؤرخي النقد والبلاغة العربيين"[16] وحددها في مرحلتين:

Ø                   المرحلة الأولى: تمتد من 1931م إلى 1961م، وسماها: "ادعاء يشوبه الشك"، وتميزت هذه المرحلة –حسب أستاذنا- بظهور بحث للدكتور طه حسين(1889م-1973م) موسوم بـ:"البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر" والذي ألقاه في مدينة ليدن بهولندا أمام المؤتمر الوطني الثاني عشر لجماعة المستشرقين، فكان بذلك أول من فجر هذه المسألة، في زمن كان الاعتقاد السائد لدى العرب أن النقد والبلاغة عربيا الأصل والمنشأ، إسلاميا الهوية.

Ø                   المرحلة الثانية: وتمتد من 1961 إلى 1991م (وفي كتابات له يقول :"إلى يومنا هذا")، وسماها: "شيء من اليقين تضخم" وتميزت – حسب أستاذنا- بظهور كتاب: "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"[17] لحازم القرطاجني (تـ684هـ)، وما استتبع ذلك من دراسات وجدت في هذا السفر مثالا واضحا للتأثيرات اليونانية في النقد الأدبي.

Ø                   ويمكن أن نضيف في هذا الباب مرحلة ثالثة لتطور قضية المثاقفة بين النقد الأدبي العربي و النقد الأرسطي القديم، مرحلة ابتدأت منذ 10 ماي 1980م؛ تاريخ تقديم الدكتور عباس ارحيلة مقالا له بعنوان :"أرسطو الامس وأرسطو اليوم !" إلى أشغال ندوة الفكر العربي والثقافة اليونانية بالرباط ما بين 7 و10 ماي 1980. فكان هذا الجهد بداية مشروع الرجل لبناء ملامح مرحلة أخرى على درب مسألة الأثر الأرسطي، ترى أن قضية المثاقفة بين العرب واليونان هي بين ثقافتين تقفان الند للند، بعيدا عن مروجي ثقافتي الاستلاب والدونية.

فإذا كانت المرحلتان السابقتان مرحلتين متكاملتين؛ بدأت الأولى بشكوك حول هذا الأثر، وتلتها الثانية بشيء من اليقين مبني على ظهور أسفار جديدة يبدو فيها هذا الأثر الأرسطي مثل: منهاج حازم(تـ6848هـ)[18]  وروض ابن البناء (تـ721هـ)[19]، وتنبيهات ابن عميرة (تـ658هـ)[20]، ومنزع السجلماسي(عاش في 704هـ)[21]، فإن المرحلة الثالثة تأتي مناقضة لأطروحة هاتين المرحلتين. وتحمل شعارا يمكن أن نطلق عليه: "شيء من الوهم تبخر".

لم يكن الدكتور ارحيلة وحيدا ولا بدعا في هذه المرحلة، بل كانت تتطور أفكار هذه المرحلة لدى بعض الدارسين الآخرين مثل الدكتور صفوت عبد الله الخطيب في أطروحته الموسومة بـ:" نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية"[22]، والتي انتهى فيها صاحبها إلى قوله: "في نهاية المطاف فإنه يمكننا الحكم في قضية التأثير اليوناني في الآراء النقدية لحازم القرطاجني، حين نقول إن حازما لم يفد من التراث الفلسفي اليوناني، ممثلا في الترجمات القديمة لأرسطو، وفي شروح الفلاسفة المسلمين، إلا مسألة التنظير في المقام الأول؛ فهو يفترق فيها عن المحاولات المعروفة عند ابن طباطبا وقدامة وعبد القاهر؛ فإن هذه المحاولات قد افتقدت الإحاطة بموضوع الشعر... كما انه أفاد من هذا التراث إدراك –وليس إيجاد- بعض الأسس الهامة في تكوين الشعر، وبخاصة الخيال والمحاكاة، وكلاهما بطبيعة الحال، كان موجودا في النصوص الأدبية ذاتها، والذي أفاده حازم هو إدراك هذا الوجود"[23].

يبدو أن البون شاسع بين الأطروحتين إلى درجة التناقض، فما المسوغ لهذا التناقض إذا كانت مادة بحثهما واحدة؟

يؤكد الدكتور ارحيلة أن سبب هذا التناقض ليس علميا، ولكنه يرجع إلى أسباب أيديولجية، وإلا لما اختلف اثنان حول مادة واحدة قابلة للدراسة والتشريح إلى هذا الحد من البون.

يقول الدكتور ارحيلة: "يبدو أن الدراسات الغربية ضخمت من أثر الفكر اليوناني وهيمنته على الثقافة الإنسانية عموما، واتخذت من مجال الفكر العربي الإسلامي في القديم خاصة، ميدانا خصبا لتبرير وترسيخ هذه المقولة؛ وذلك بربط التجربة الأوربية منذ عصر النهضة بالفكر اليوناني، ووضع كل فعالية للفكر العربي الإسلامي خارج المسار الحضاري العام. وهو موقف نبع من تصورات ذاتية للعام الغربي، يدعمها وضع إمبريالي في مواجهة شعوب مستضعفة تبحث عن خلاصها ... في عقائد الغرب الحديث: الأديولوجيات"[24]، ويرى الدكتور ارحيلة أن هذا العالم الغربي الإمبريالي سخر بعضا من جماعة المستشرقين ومن دار في فلكهم من العرب، لحقن الشعوب العربية بجرعات من الانهزامية والتبعية للغرب، يقول: "من الأفكار المقررة لدى أغلبية المستشرقين أن الثقافة العربية في القديم، كانت واقعة تحت تأثير هيمنة الثقافة اليونانية. ومن هذا المنطلق حاولت الدراسات الاستشراقية أن تفتِّت ظواهر الفكر العربي إلى جزئيات بكل وسائلها العلمية، وأن تردها إلى الأصول اليونانية خاصة، وحضارة الآخرين عامة. وقد تمثل جيل من الليبراليين المصريين روح الاستشراق. ورأوا أن النهضة العربية الحديثة لا تتحقق إلا باتباع حضارة الأوربيين، وما الأوربيون إلا حفدة اليونان ! وما الحضارة اليونانية إلا من ثمرات أولئك الأغارقة اليونانيين !، والحضارة الأوربية الحديثة لا تقنع بأن نعترف بتبعيتنا لها، وبتأثيرها فينا، بل تريد أن نعترف لها أيضا بالتبعية لأرومتها الأولى (اليونان) في الماضي. وهكذا أثيرت مسألة التأثير اليوناني في الثقافة العربية في القديم؛ لتبرير التبعية للثقافة الغربية في العصر الحديث"[25]، ويعتبر الدكتور ارحيلة أن الدكتور طه حسين واحد من الباحثين الذين يسيرون وراء جماعة المستشرقين شبرا بشبر لبث مشاعر الإحباط والهوان في النفس العربية الإسلامية، يقول: "وهذه الآراء (آراء طه حسين) هيَّأت النفسية العربية للإحباط، واستلذاذ التبعية، والذوبان في الحضارة الغربية، والاستهانة بالحضارة الإسلامية العربية"[26].

ويبرز الدكتور ارحيلة استناد رموز هؤلاء المستشرقين والعرب في فهمهم للمثاقفة إلى أدلة واهية، بعيدة كل البعد عن أدلة البحث العلمي لتثبيت دعواهم، يقول: "ولو عثر أصحاب الغارة على تلخيص الكندي لكتاب الشعر الأرسطي لازداد غرورهم وادعاؤهم. فضل تلخيصه نكرة في التاريخ، وجاء د.شكري عياد ليدرس أثر كتاب الشعر الأرسطي في البلاغة العربية سنة 1952م، فلما لم يعثر على إشارة لتلخيص الكندي ادعى أن تلخيص الفارابي (تـ337هـ)، ثم تلخيص ابن سينا (تـ428هـ) قد نسخا عمل الكندي، وهو قول من يظن ويخمن ومن أراد أن يثبت تأثير كتاب الشعر في البلاغة العربية بأية وسيلة ! ... ويتساءل د.عبد الرحمان بدوي هل اعتمد الكندي في مختصره على ترجمة عربية قديمة في أواخر القرن الهجري الثاني والنصف الأول من القرن الثالث للهجرة؟ ومثل هذه التساؤلات وما يشبهها عند د. شكري عياد، إن كان الباعث عليها هو البحث العلمي فلا فائدة منها إلا إيهام القراء بأنه كان لأرسطو حضور مكثف في القرن الثالث للهجرة ! وهو إيهام يراد به النيل من أصالة البيان العربي، والتشكيك في عطاء النقاد العرب !"[27].

ملاك القول؛ إن الدكتور عباس ارحيلة يسعى من خلال مشروعه الرامي إلى إعادة النظر في قضية الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين، إلى إعطاء الحجم الحقيقي للمثاقفة بين النقد الأدبي العربي والأرسطي، على أسس علمية تجعل من نصوص التراثين منطلقها، ومن روح الدفاع عن قضايا الأمة العربية الإسلامية محركها، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال الانسلاخ عن الموضوعية التي هي شرط أساس من شروط البحث العلمي. ليجعل من المثاقفة تفاعلا فكريا وثقافيا واقعا بين ثقافة هذه الأمة العربية الإسلامية والأمم الأخرى. فلا مجال لإنكار استمداد حضارة المسلمين والعرب من هذه الحضارات ما يثري ثقافتها ويخصبها ويتلاءم وثوابتها: النص القرآني، والشعر العربي، ولغة العرب وتراثهم الأدبي والفكري.

 

ثالثا: مستويات المثاقفة في النقد الأدبي لدى الدكتور عباس ارحيلة.

 

في إطار المثاقفة، يختلف مستوى استمداد ثقافة ما من ثقافة أخرى، وهذه المستويات بحسب المنطق الرياضي: إما مستوى التأثر أو مستوى التأثير أو مستوى بين هذا وذاك أي مستوى التفاعل. وبالرجوع إلى مقالات الدكتور ارحيلة -وخصوصا مقالات مادة هذا المقال- في مدونته الإلكترونية، يمكن أن نقف على مستويات المثاقفة التالية:

1)                  مستوى الرفض.

اعتبر الدكتور ارحيلة أن الكندي (تـ252هـ) أول فيلسوف عربي مسلم يتقن علم الأوئل، ومن هذا العلم: علم أرسطو، وخاصة فلسفته. بل وألف فيه رسالة كاملة: "كمية كتب أرسطوطاليس وما يحتاج إليه في تحصيل الفلسفة"، كما اختصر كتاب الشعر على حد تعبير ابن النديم، وهو اختصار مفقود. ومع ذلك فإن الدكتور ارحيلة بعد دراسته لعلاقة الكندي بالتأثير الأرسطي يخلص إلى القول: "أعتقد أن إهمال الكندي في القرن الثالث، والتغاضي عنه بنحو قرن من مماته؛ يعبر عن موقف من علوم اليونان. فقد انصرف انصرافا تاما لفلسفة أرسطو، ورأى فيه الفيلسوف لا مجرد معلم المنطق. ورواية الانباري وإن كانت تعكس واقعا ثقافيا في عصره؛ فهي تتضمن الرفض للثقافة اليونانية، وتندرج في سياق محاولات إبعاد أهل المنطق والفلسفة عن النحو"[28]. فمن خلال بحث علاقة الكندي بالتأثير الأرسطي، يرى الدكتور ارحيلة أن الثقافة العربية الإسلامية في القرن الهجري الثالث، رفضت كل ما له علاقة بعلوم الأوائل بما فيهم اليونان وفلسفتهم، مستندا إلى رواية ابن الانباري في الكندي؛ "روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس، وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوا ! فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: (عبد الله قائم)، ثم يقولون: (إن عبد الله قائم)، ثم يقولون: (إن عبد الله لقائم)؛ فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة اختلاف الألفاظ. فقولهم: (عبد الله قائم)؛ إخبار عن قيامه، وقولهم: (إن عبد الله قائم)؛ جواب سؤال سائل، وقولهم: عن (عبد الله لقائم)، جواب عن إنكار منكر قيامه. فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال: فما أحار المتفلسف جوابا"[29]، يرى الدكتور ارحيلة في هذا النص دليلا على رفض الثقافة العربية الإسلامية للفلاسفة وما معهم من علوم اليونان، من خلال تصويرهم جاهلين بالنحو، ونعتهم بالمتفلسفين.

2)                  مستوى الاستئناس.

في هذا المستوى، يطلع المثقف العربي على الثقافة اليونانية بوساطة أو بشكل مباشر، لكن هذا الإطلاع لم يفده في تأصيل الثقافة العربية، فعندما  تناول مسألة التأثير الأرسطي في البلاغة المغربية من خلال كتاب التنبيهات لابن عميرة، يرى الدكتور ارحيلة أن ابن عميرة اطلع على النقد اليوناني من خلال إطلاعه على جهود الفلاسفة المسلمين: ابن سينا (تـ428هـ) وابن رشد (تـ595هـ)، وخصوصا فيما يتعلق بالخطابة، لكنه يعود ويتساءل ما حقيقة ما استفاده ابن عميرة من هذا الإطلاع، ليخلص إلى القول: "لقد حاول ابن عميرة أن يستفيد من منهج ابن رشد في المزاوجة بين البلاغة اليونانية والبلاغة العربية، وحاول تقريب الشقة بين ما فهمه كل من ابن سينا وابن رشد وبين بعض المباحث البلاغية ... ولا أظن أن ابن عميرة قد وفق في محاولة تطبيق البلاغة اليونانية على البلاغة العربية، أو أنه بعمله هذا قد أفاد البلاغة العربية قوانين جديدة، ومن خلال ما نقله عن ابن سينا وابن رشد، لا أتصور أن ابن عميرة قد تمثل كتابي الشعر والخطابة لأرسطو أو تشبع بأفكارهما؛ وإنما اطلع واستفاد مما فهمه كل من ابن سينا وابن رشد من كتابي الشعر والخطابة لأرسطو، وما فهما منه قدْراً يمكن أن يستفاد منهما ! ولا هو فهم منهما ما يعتد به في تأصيل الثقافة العربية !"[30]. فابن عميرة على الرغم من إطلاعه على جهود هؤلاء الفلاسفة المسلمين، والذين تعرضوا لتراث أرسطو، فإن هذا الإطلاع لم يكن له أثر بين في جهوده، فعبقرية الرجل البيانية "لا ترجع إلى ما استفاده من ابن سينا وابن رشد وغيرهما. بل تعود إلى موهبته، وعمله الواسع، ودقته في فهم أساليب العربية، وقدرته على الإبداع"[31].

3)                  مستوى التفاعل.

يرى الدكتور ارحيلة أن كلمة الفصل في مسألة الأثر الأرسطي في النقد الأدبي العربي، لا يمكن أن تحسم إلا باستحضار مستوى التفاعل في هذه المثاقفة، يقول: "اعتقد أن حل هذه المشكلة يتضح بمعالجة تفاعل الفكر العربي مع الفكر اليوناني في سياق تاريخي موضوعي، مع إبراز خصائص الفكر العربي الإسلامي. بالأمس كان لهذا الفكر خصوصيته، كانت له حصانة ذاتية، رسَّخها الوحي في كيانه، وأعطاها قابلية للتفاعل، والإخصاب، والعطاء، بالأمس واجهته معتقدات، وفلسفات، وأهواء، وملل ونحل فوقف على أرض صلبة يدعمها الوحي والمعطيات التاريخية، يحاور ويناقش، يتكيف مع المقولات والآراء ... من هنا كان يتفاعل مع تراث الحضارات السابقة أخذا وعطاء بحكم عامل التأثر والتأثير؛ إذ الحضارة الإنسانية عمل مشترك، متواصل، طويل، أسهمت فيه كل شعوب الأرض بمقادير متفاوتة ... بالأمس كانت بغداد ترعى وتدير أعمق حوار حضاري عرفه التطور التاريخي بين شتى الأمم"[32]، فمستوى التفاعل في المثاقفة هو الحل لمناقشة مسألة الأثر اليوناني في رأي الدكتور ارحيلة، وهو بهذا الرأي ينحو نحو التناول الموضوعي بعيدا عن المزايدات الأيديولوجية التي يسعى من خلالها بعض المستشرقين ومن ترسَّم خطاهم من العرب المحدثين ترسيخها في جيل الأمة المعاصر.

4)                  مستوى النقل الحرفي.

قد تعمد ثقافة ما للنقل من ثقافة أخرى، نظرا لأهمية المنقول، أو لاحتياجها إليه. إلا أن هذا النقل قد يبقى شيئا غريبا في جسم الثقافة المنقول إليها، يرى الدكتور ارحيلة أن هذا النقل إلى الثقافة العربية الإسلامية وقع من خلال ترجمة كتاب الشعر لأرسطو إلى العربية على يد أبي بشر متى بن يونس القنائي (تـ 328هـ) وغيره، ويبرز غربة هذا الكتاب في الثقافة العربية تاريخئذ بقوله: "كيف يتأتى لفئة من الشرقيين لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة أن تفهم تلك الإشارات والمصطلحات التي استدعت من أهلها التعليقات تلو التعليقات، والتفسيرات والتأويلات ... فلا عجب ألا يجد المترجم العربي القديم كلمات عربية مقابلة للكلمات اليونانية، فيضطر أحيانا إلى الاحتفاظ بالمصطلح الإغريقي مكتوبا بحروف عربية، وكيف يتوصل إلى الترجمة الصحيحة وهو لم يطلع على النصوص الشعرية التي يتحدث عنها أرسطو، ولم يكن له أدنى إلمام بموضوع الكتاب الذي هو التراجيديا؟"[33]، فكتاب الشعر لأرسطو لم تستوعبه الثقافة العربية الإسلامية، على الرغم من أنها ترجمته، وذلك لأسباب:

·                      عدم إطلاعها على النصوص الشعرية مادة هذا الكتاب.

·                      عدم قدرة المترجم العربي القديم على ترجمة بعض مصطلحاته العربية، فاحتفظ بها كما هي مثل: "أفي" عند أبي بشر متى بن يونس القنائي (تـ328هـ) الذي ترجمها عن EPOS  الإغريقية.

·                      غرابة أسماء الأعلام الواردة في هذا السفر.

·                      موضوع الكتاب الذي كان بمثابة قواعد لرجل المسرح، تساعده على تقديم عرضه المسرحي.

خلاصة هذا القول، إن الدكتور ارحيلة يؤكد وجود مستوى النقل الحرفي في مسألة المثاقفة، إلا انه في علاقة النقد الأدبي اليوناني القديم بالنقد العربي القديم، لم يستوعب هذا الأخير مباحث الأول، وبقي غريبا فيه، على الأقل في القرون الأولى لهذا النقل.

5)                  مستوى التجاوز.

قد تأخذ ثقافة ما من ثقافة أخرى شيئا ما، لكن الثقافة الآخذة تجد نفسها متجاوزة للمأخوذ، مستغنية عنه، إما لثرائها، أو لمحدودية المأخوذ، وهذا ما حصل بين تراث أرسطو وجهود حازم القرطاجني (تـ684هـ)، فهذا الأخير أطلع على تراث أرسطو بإجماع الباحثين، لكن الدكتور ارحيلة يرى أن هذا الإطلاع لم يفد حازم في شيء، لمحدودية هذا المأخوذ مقارنة مع ما لحازم من تراث أدبي غني، فالقوانين النقدية لدى اليونانيين أعجز من أن تطبق على التراث الأدبي العربي، يقول الدكتور ارحيلة: " كيف يتأتى لهذه القوانين المحدودة لدى اليونانيين أن تستوعب ضروب الإبداع في الشعر العربي؟ وأمام اختلاف ضروب الإبداع عند العرب، وتبحرهم في أصناف المعاني وحسن تصرفهم في وضعها، وأمام المحاكيات الشعرية، وتعدد أصناف هذه المحاكيات وكيفيات التصرف فيها، ماذا يجب على من أراد أن يضع مشروعا لشعرية عربية، وهو في وضع حضاري متأزم، وأمام تراث لا يفي بالمراد، ولا يتحقق به الحلم؟ ... واضح أن أرسطو لا يفيد حازما كثيرا، لقلة قوانينه وارتباطها بمذاهب اليونان"[34]، لكن الدكتور ارحيلة يعود مرة أخرى ليقول إن حازما لم يستغن تماما عن أرسطو، ولكنه استعان به من خلال ما فهمه من قراءة الفارابي(تـ337هـ) ابن سينا(تـ428هـ) له، في التجربة الفلسفية في مجال الإبداع، وكذلك في جانب التنظير، وجانب المصطلحات الواردة في كتابي الشعر والبلاغة الأرسطيين، لكنه اعتمد على نفسه في صياغة القوانين والمصطلحات المفضية إلى تحقيق حلمه بوضع علم الشعر المطلق.

خاتمة:

 ينظر الدكتور عباس ارحيلة إلى مسألة المثاقفة بين العرب واليونان في النقد الأدبي على أسس علمية، بعيدا عن المزايدات الأيديولوجية، جاعلا من مستوى التفاعل بين الثقافات مفتاحا لمناقشة هذا الموضوع. وهو بهذا الفهم يعتبر عماد مرحلة أخرى من مراحل تناول مسألة الأثر الأرسطي في النقد العربي، تجعل من شعار " شيء من الوهم تبخر" شعارا لها. فقد استند إلى أدلة علمية، أداتها نصوص التراثين اليوناني والعربي في إثبات أن النقد العربي القديم لم يكن تابعا للنقد الأرسطي ولا مقلِّدا له، ولا واقعا تحت هيمنته، ولكنه كان نقدا يستمد من التراث اليوناني ما يثريه ويخصبه ويساعده على تنظيم قضاياه استمداد القوي ذي الشخصية المصهورة في بوثقة الوحي، والهوية الممزوجة بماء التراث العربي؛ اللغوي والأدبي.

 

المصادر المراجع:

1)                  ابن البناء المراكشي والبحث عن كليات البلاغة، عباس ارحيلة، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض، مراكش، وتضم أشغال الملتقى الثاني: مراكش خلال العصرين المريني والسعدي، العدد8، 1992.

2)                  أبو تمام ومسألة التأثير اليوناني،  عباس ارحيلة، مجلة المنهل السعودية، العدد:1-2، 1416/1995م.

3)                  أرسطو الأمس وأرسطو اليوم !، عباس ارحيلة، مجلة الزمن المغربي، دفاتر ثقافية، العدد3-4، 1980م.

4)                  بين الكندي وأرسطو وكتاب الشعر،عباس ارحيلة، مقال ضمن كتاب: "ندوة تكريم الاستاذ عبد الحق فاضل"، المطبعة والوراقة الوطنية، ط1، مراكش، 1994م.

5)                  التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات، أبو المطرف ابن عميرة، تحقيق وتقديم: محمد ابن شريفة، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار اليضاء، 1991م.

6)                  حازم القرطاجني ومسألة التأثير الأرسطي في النقد العربي القديم،عباس ارحيلة، مجلة عالم الفكر، العدد2، المجلد 32، 2003م.

7)                  د.طه حسين والفكر اليوناني، عباس ارحيلة، مجلة المنهل السعودية، العدد 535، المجلد 58، 1417/1996م.

8)                  الروض المريع في صناعة البديع، ابن البناء المراكشي، تحقيق رضوان بنشقرون، دار النشر المغربية، ط1، الدار البيضاء، 1985م.

9)                  كتاب الخطابة لأرسطو في الثقافة العربية، عباس ارحيلة، مجلة علامات في النقد، ج29، مج8، جدة، 1419هـ/1998م.

10)             كتاب الشعر لأرسطو: طبيعته وخصائصه، عباس ارحيلة، مجلة علامات في النقد، ج24، مج6، 1418هـ/1997م.

11)             المثاقفة كوعي للحداثة:( نموذج ثائر محترف/لمطاع صفدي)، خلدون شمعة، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، عدد:48-49، بيروت/باريس، 1989م.

12)             المثاقفة والنقد المقارن: منظور إشكالي، عزالدين المناصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1996م.

13)             مسألة التأثير الأرسطي في البلاغة المغربية من خلال كتاب التنبيهات لابن عميرة، عباس ارحيلة، مجلة المناهل، عدد54، س22، 1417هـ/1997م.

14)             مسألة التأثير الأرسطي لدى مؤرخي النقد والبلاغة العربيين، عباس ارحيلة، المطبعة والوراقة الوطنية، ط1، مراكش، 1999م.

15)             من الصفر إلى الشفرة: المثاقفة وتحولات المصطلح النقدي، زياد الزعبي، مجلة عالم الفكر، العدد:1، المجلد 36، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2007م.

16)             المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، أبو محمد القاسم السجلماسي، تقديم وتحقيق علال الغازي، مكتبة المعارف،ط1،  الرباط، 1980م.

17)             منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، حققه محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، بيروت، 1986م.

18)             نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية، صفوت عبد الله الخطيب، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة.

19)             Encyclopédie Universalis.

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]- عباس بن أحمد أرحيلة من موليد مدينة مراكش سنة 1949 ، تلقى تعليمه الأول بالكُتَّاب على يد الفقيه بوحفظ ميلود، ودرس بالابتدائي بـ : ( مدرسة القائد العيادي 1957 -- 1961 )والثانوي بـ ( ثانوية ابن عباد مراكش 1961 – 1967: الباكلوريا ) ، وحصل على الإجازة في الأدب العربي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية (فاس، 1967 – 1971 ).
***
التحق مدرسا بالتعليم الثانوي: أستاذ السلك الثاني (ثانوية مولاي عبد الله بالدار البيضاء ( 1971 - 1973 م) ، ثم انتقل إلى الثانوية العسكرية الملكية بالقنيطرة، (1974- 1977م).
***
حصل على شهادة استكمال الدروس، تخصص النقد الأدبي الحديث من كلية الآداب والعلوم الإنسانية (الرباط، 1974م)، كما نجح في مباراة الأساتذة المساعدين بكلية الآداب بالرباط (1977م)، وحصل أيضا على دبلوم الدراسات العليا في موضوع البحوث الإعجازية وانعكاساتها في الدراسات البلاغية والنقدية حتى نهاية القرن الهجري الرابع تحت إشراف الدكتور أمجد الطرابلسي، سنة 1982، بكلية الآداب بالرباط، وحصل على دكتوراه الدولة في موضوع الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الهجري الثامن تحت إشراف الدكتور أمجد الطرابلسي ، بتاريخ 1991م، بكلية الآداب، الرباط 1991.
***
درس بالتعليم العالي من سنة 1977م إلى سنة 2005م ( كلية الآداب بالرباط وكلية الآداب بمراكش وكلية الآداب بالقنيطرة) إلى أن استفاد في نفس السنة من المغادرة الطوعية).
***
تجدر الإشارة إلى أن الدكتور عباس أرحيلة درَّس بكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى ، مكة المكرمة ( فصل دراسي : سبنمير 2006 - فبراير 2007م
---
من أهم مؤلفاته :
 (1)
البحوث الإعجازية والنقد الأدبي (مطبعة وليلي، مراكش، 1997 ).
 (2)
الأثر الأرسطي في البلاغة والنقد إلى حدود القرن الهجري الثامن (منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1999م).
 (3)
مسألة التأثير الأرسطي لدى مؤرخي النقد والبلاغة العربيين ( الوراقة الوطنية، مراكش، 1999م).
 (4)
مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ( الوراقة الوطنية مراكش، 2003 م).
 (5)
الكتاب وصناعة التأليف عند الجاحظ ( الوراقة الوطنية، مراكش، 2004م).
 (6)
أمجد الطرابلسي ( 1916 – 2001م): ذكرى علم مر من هنا – من منشورات المجلس العلمي بمدينة مراكش - ( الوراقة الوطنية، مراكش، 2005م.
 (7)
رسالة التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم لأبي أحمد العسكري(382هـ): تحقيق ودراسة، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الكويت، رقم 27، رقم الرسالة 251، سبتمبر 2006م
 (8)
تجربة رائدة في البلاغة العربية: قراءة في كتاب البديع لابن المعتز296ه الطبعة الأولى 2009 بالمطبعة والوراقة الوطنية مراكش.
 (9)
أبو حامد الغزالي ومنهجه في التأليف: الطبعة الأولى 2009 بالمطبعة والوراقة الوطنية مراكش.
 (10)
نظرات في مشروع الدكتور طه عبد الرحمن: ضمن منشورات مقاربات في إطار سلسلة هدية عدد خريف 2008.

[2]- منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء، 1419هـ/1999م.

[3]- مقال منشور بمجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض، مراكش، وتضم أشغال الملتقى الثاني: مراكش خلال العصرين المريني والسعدي، العدد8، 1992، صفحات المقال من254-262.

[4]- المقال منشور في مجلة المناهل، عدد54، س22، 1417هـ/1997م، صفحات المقال:279-291.

[5]- مقال ضمن كتاب: "ندوة تكريم الاستاذ عبد الحق فاضل"، المطبعة والوراقة الوطنية، ط1، مراكش، 1994م، ص:40-51.

[6]- مقال نشر بمجلة الزمن المغربي، دفاتر ثقافية، العدد3-4، 1980م، ص:117-124.

[7]- مقال نشر في مجلة علامات في النقد، ج29، مج8، جدة، 1419هـ/1998م، ص:311-320.

[8] - مقال منشور في مجلة علامات في النقد، ج24، مج6، 1418هـ/1997م، ص:234-246.

[9]- مقال نشر في مجلة المنهل السعودية، العدد 535، المجلد 58، 1417/1996م.

[10]- مقال منشور بمجلة المنهل السعودية، العدد:1-2، 1416/1995، ص:44-51.

[11]- مقال منشور في مجلة عالم الفكر، العدد2، المجلد 32، 2003م، ص:201-224.

[12]- المثاقفة كوعي للحداثة:( نموذج ثائر محترف/لمطاع صفدي)، خلدون شمعة، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، عدد:48-49، بيروت/باريس، 1989م، ص:109.

[13]- من الصفر إلى الشفرة: المثاقفة وتحولات المصطلح النقدي، زياد الزعبي، مجلة عالم الفكر، العدد:1، المجلد 36، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2007م، ص:255.

[14]- المثاقفة والنقد المقارن: منظور إشكالي، عزالدين المناصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1996م، ص:10.

[15]- Acculturation, Encyclopédie Universalis, vol1, p :114.

[16]- المطبعة والوراقة الوطنية، ط1، مراكش، 1999م.

[17]- حققه محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، بيروت 1986م.

[18]- ظهر سنة 1961 مخطوطا، وظهر سنة 1966م محققا، وهو مصدر مذكور سابقا.

[19]- الروض المريع في صناعة البديع، ابن البناء المراكشي، تحقيق رضوان بنشقرون، دار النشر المغربية، ط1، الدار البيضاء، 1985م.ظهر مرقونا سنة 1984م ومطبوعا سنة 1985م.

[20]- التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات، أبو المطرف ابن عميرة، تحقيق وتقديم: محمد ابن شريفة، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار اليضاء، 1991م.

[21]- المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، أبو محمد القاسم السجلماسي، تقديم وتحقيق علال الغازي، مكتبة المعارف،ط1،  الرباط، 1980م. ظهر مرقونا سنة 1977م، ومطبوعا سنة 1980م.

[22]- مكتبة نهضة الشرق، القاهرة. وقد ظهرت هذه الأطروحة في سنة 1986م.

[23]-  نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية، ص:305.

[24]- مقالة: "أرسطو الأمس أرسطو اليوم !"، م،م.

[25]- مقالة الدكتور طه حسين والفكر اليوناني، م،م..

[26]- مقالة : "الدكتور طه حسين والفكر اليوناني"، م،م.

[27]- نفسه.

[28]- مقالة: بين الكندي وأرسطو وكتاب الشعر، م،م.

[29]- مقالة: بين الكندي وأرسطو وكتاب الشعر، م،م.

[30]- مقالة: مسالة التأثير الأرسطي في البلاغة المغربية من خلال كتاب التنبيهات لابن عميرة، م،م.

[31]- مقالة: مسالة التأثير الأرسطي في البلاغة المغربية من خلال كتاب التنبيهات لابن عميرة، م،م.

[32]- من مقال: أرسطو الأمس وأرسطو اليوم !، م،م.

[33]- من مقال: كتاب الشعر لأرسطو: طبيعته وخصائصه، عباس ارحيلة، م،م.

[34]- حازم القرطاجني ومسألة التأثير الأرسطي في النقد العربي القديم، م،م.

(0) تعليقات
عود على بدء

عود على بدء: تجربة رائدة في البلاغة العربية

                                               عبد الوهاب الأزدي
                        "إنما قلبي نجي ذكرك ولساني خادم شكرك"

                                                            ابن المعتز

صدرت لأستاذنا الجليل الدكتور عباس أرحيلة قراءة في كتاب البديع لابن المعتز ( ت 296 هـ) تحت عنوان "تجربة رائدة في البلاغة العربية"(1). والبديع هو الجديد والطريف ونسج الكلام على غير مثال. وهو عكس التقليد. ومن تم يصبح البحث في البديع طريقا في سبيل البحث عن الحق والحقيقة. وهنا يبرز السؤال لماذا ابن المعتز ولماذا كتابه "البديع"؟

عد "كتاب البديع" أصلا في البلاغة العربية. ونستدعي شهادة ابن أبي الإصبع المصري ( ت 654 هـ) لتأكيد أصالة الكتاب في بابه يقول:" وبعد، فإني رأيت ألقاب محاسن الكلام التي نعتت بالبديع قد انتهت إلى عدد منه أصول وفروع: فأصوله، ما أشار إليه ابن المعتز في بديعه وقدامة في نقده، لأنهما أول من عني بتأليف ذلك. أما ابن المعتز فهو الذي سماه البديع، واقتصر في كتابه بهذه التسمية على خمسة أبواب"(2).

وريادة هذا الكتاب جعلت فيما – يقول د. أرحيلة- "بعض مؤرخي النقد والبلاغة في العصر الحديث، يرتابون في أصالة الكتاب" [ص 8] "واعتبره بعضهم وليد تأثير كتاب الخطابة" [ص8]. ولهذا السبب، انبرى الأستاذ أرحيلة من جديد لإعادة قراءة هذا العمل، من خلال الحفر الأركيولوجي في مفهوم البديع وإطلاقاته ومدلولاته. وإذا كان مفهوم البديع يرجع بنسبه إلى الرواة واللغويين، واستعمله الجاحظ (ت 255 هـ) للدلالة "على كل ما فيه طرافة وجدة في التعبير" [ص 36] و"خص به العرب دون غيرهم من الأمم" [ص 36-37]، فإن ابن المعتز كان أول من جمع فنون البديع في كتاب، وأعطى للبديع مدلولا بلاغيا عاما قبل أن ينتهي مع المتأخرين للدلالة على المحسنات الكلامية.

ثم إن البديع كعلم إنما تأسس على مادة شعرية عربية أصيلة، استخدمت البديع في صيغها الأسلوبية خلال العصور الجاهلية، وتطورت هذه الصيغ خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة مع تطور التمدن وأسلوب العيش والحياة مع شعراء مثل بشار وابن هرمة، ومنصور النمري وأبي نواس ومسلم بن الوليد والعتابي وأبي تمام وابن المعتز. ولهذا السبب يبطل الأستاذ أرحيلة الدعاوي الثاوية وراء ربط ظاهرة البديع بتأثيرات فارسية أو يونانية كما ذهب إلى ذلك كارل بروكلمان ود. طه حسين [ن. ص 45] ويعيد البحث من جديد في قيمة كتاب البديع الموضوعاتية والمنهجية لاعتبارات ثلاثة:

أولا، إن الكتاب هو أول صياغة نظرية للبيان العربي. ثم إنه ثانيا، أول كتاب تحدث عن تجربة الشعر الحديث في العصر العباسي الأول انطلاقا من تجربة شعراء البديع. هذا فضلا، عن ريادة الكتاب في رسم منهج للتأليف في البلاغة العربية. فجاء كتاب الأستاذ أرحيلة مشتملا بعد الإهداء والمقدمة على ستة فصول ثم خاتمة. تناول في الفصل الأول حياة ابن المعتز وكتابه البديع. وانصب الثاني على دراسة ظاهرة البديع وتطورها في الشعر العباسي. وخصص الثالث لأسباب تأليف كتاب "البديع" وظاهرة شاعرية أبي تمام. وجعل الرابع للقضايا البلاغية من فنون البديع ومحاسن الكلام ونظر في الفصل الخامس في البناء المنهجي للكتاب وفي أصالته. ودلف في الفصل السادس والأخير للحديث عن أهمية "كتاب البديع" وقيمته في التراب العربي وما كان له من أصداء في التراث البلاغي والنقدي. وختم الكتاب بسرد الخلاصات بتعيين مجالات ريادة كتاب البديع في البلاغة العربية.

ومعلوم أن "كتاب البديع" ظهر في سياق الصراع الأدبي والنقدي بين القدماء والمحدثين. واتخذ لنفسه وجهة القدماء كما تمثله جماعة اللغويين وأصحاب الحديث من أهل السنة والجماعة [ص 28]. وسعى بذلك لتأصيل البديع ولأنواعه انطلاقا مما تسعف به المادة البيانية في القرآن الكريم وفي الشعر القديم، والدفاع عن وجوده في النصوص المؤسسة قبل أن ينبري إليه المحدثون في نصوصهم. وابن المعتز شاعر مطبوع، عالم بالشعر وبعمله على طريقة العرب في الشعر والبلاغة. وهي طريقة استثمرت علوم اللغة والنحو والعلوم العربية والاحتكام إلى الذوق السليم في دراسة جماليات الأدب، حتى إن بدوي طبانة رأى فيه "زعيم المدرسة البيانية في الحكم على الأدب وفي تذوقه" [ص 27]. وكتابه البديع لم يشذ عن هذا الطريق. فهو يؤصل للبديع ولفنونه انطلاقا من النصوص المؤسسة ولا يراه "من اختراع المحدثين" [ن. ص 59]. كما تصدى لكل أشكال "التعمل والتكلف والإسراف في الفن" [ص 62]. ولكل التصورات الوافدة على البلاغة العربية. ولقد أثر هذا المسار على مواقف ابن المعتز في بناء الصورة وطريقة أداء المعنى والإيقاع في الشعر في إطار من الاحتكام إلى الذوق السليم ومواجهة التعمل والإسراف في استعمال فنون البديع والانتصار لمذهب القدماء، وإن كان واحدا من أنصار المحدثين. وهي مواقف جعلت من "بلاغة البديع" فنا قائما بذاته، متجذرا في المجال الثقافي العربي الممتد من العصر الجاهلي حتى عصر ابن المعتز.

ولهذه الأسباب، وجد أستاذنا الكريم ذ. عباس أرحيلة في كتاب "قواعد الشعر" لثعلب ( 291 هـ) وجهود الجاحظ (255 هـ) وابن قتيبة (276 هـ) والمبرد (286 هـ-، وفي جهود اللغويين والأدباء كالخليل والأصمعي آثارا واضحة لبلاغة انتهت صياغتها المنظمة إلى صاحب البديع [ن. ص 103-104]. فكان ابن المعتز رائدا في تسمية مصطلحات البديع واستحداث بعضها مثل: تجاهل العارف، حسن الابتداء، إعنات الشاعر نفسه في القوافي، رد أعجاز الكلام على ما تقدمها [ن. ص 106] "وظلت مصطلحاته ثابتة في التراث البلاغي" [ص 106] كما أن شواهده من آثار القدماء والمحدثين "ظلت نماذج في كثير من كتب البلاغيين" [ص 105].

وهذا الربط التفاعلي بين المفهوم البلاغي والشاهد الأدبي جعل من بديع ابن المعتز عملا نظريا وتطبيقا لبلاغة تتعمق أسرار كلام رب العالمين، لبلاغة يتأثر بمقتضاها فتتحول إلى أفعال وسلوك في حياة المتلقين، ولبلاغة تصل العلم بالعمل، ولبلاغة اختارت أخيرا طريق الحق لا طريق التقليد. وهذا هو ميزان العلم الرباني كما تعكسه مؤلفات العالم الرباني سيدي عباس أرحيلة.

أما بعد، يشتمل كتاب الأستاذ أرحيلة على عنوانين: رئيس "تجربة رائدة في البلاغة العربية"، وآخر فرعي "قراءة في كتاب البديع لابن المعتز". وإذا كان الأصل ثابتا وفرعه في السماء، فإن الريادة في البلاغة العربية اقترنت بكتاب مؤسس هو كتاب البديع بموضوعه وبمنهج تأليفه ورسوخه في الكتابات اللاحقة.

وإذا كان كتاب الأستاذ أرحيلة قد اختار الخوض من جديد في موضوع البديع، فإن هذا الكتاب من أوله لآخره كان بحق بديعا، في استفتاحه الذي حشد بعد البسملة كل معاني البديع: الخلق – التصوير- الإبداع- الصورة- البيان، وفي موضوعه الذي كان بديع ابن المعتز، وفي منهجه الذي اختار بلاغة الحق لا بلاغة التقليد، وفي إهدائه إلى حفيدة سيدي عباس أرحيلة، إلى "غيثة" إلى الجيل الجديد، غيث لبلاغة اتبعت القول وأضاعت العمل، عسى أن تنفض "شيئا من غبار السنين، من ذكريات ما تزال عالقة بالأذهان"(3) عن مجهول البيان.

هوامش:

(1) صدرت عن المطبعة والوراقة الوطنية- المغرب. ط1. 2009

 (2) تحرير التحبير، ص 83

 (3) من إهداءات الأستاذ أرحيلة مشكورا لتلميذه عبد الوهاب الأزدي.

ملحوظة:

وردت هذه المقالة ضمن كتاب بعنوان: مقالات في القراءة والتلقي لمؤلفه: عبد الوهاب الأزدي، الناشر اتحاد كتاب المغرب، فرع مراكش وجمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي عمالة مراكش –  ط1، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 2010 – وقد أهدى إلي عبد الوهاب كتابه هذا، فله مني خالص الشكر والامتنان.

 

(0) تعليقات
النسق الحضاري في المشروع النقدي للدكتور عباس أرحيلة

 

إسماعيل هموني

أستاذ باحث-المغرب

 

 

  • تمهيــــــــــــد:

 

        يثير مشروع فضيلة د. عباس أرحيلة قضايا معرفية و منهجية على جانب كبير من الأهمية؛ إن لم تكـن  أهميــــــة المشروع النقدي في مسعاه الأدبي و الثقافي فحسب، و لكنه، فيما ينشأ عنه من توالد أسئلة تأصيلية تتجاوز البين و الظاهر من المشروع إلى البناء ألنسقي له. و من ثم كانت مفاتيح قراءته تتجذر في ثلاثـــــــة عناصر أساسية هي:

§       رفع الالتباس و الاختلال ألمفاهيمي ( تحديد الإشكال)؛

§       بنينة القراءة و تبين أدواتها و طرائق اشتغالها؛

§       النسق الحضاري المؤصل و المؤمثل للمشروع النقدي في معرفة الحد بين ( الميتوس) و(اللوغوس) فــــــي الحضارتين العربية الإسلامية و الإغريقية اليونانية؛

هذه العناصر / المكونات، مجتمعة ، هي من سيقوم بالحفر و الاشتغال في قراءة د. عباس أرحيلة لمسار النقد و البلاغة العربيين على مدار يسع ثمانية قرون على الأقل؛ بل إن شظايا هذا الحفر ستطول علامات بارزة في الفكـر العربـي الإسلامي، لما لها من أثر دال، و حضور وازن فيه أفردها الأستاذ بمؤلفات مخصوصة مثل:

·       الباقلاني (303هـ) في 4: البحوث الاعجازية و النقد الأدبي (1) ؛

·       الجاحظ ( - 255 هـ) في : 4 الكتاب و صناعة التأليف عند الجاحظ (2) ؛

·       الغزالي ( 505 هـ ) في 4 : أبو حامد الغزالي و منهجية في التأليف (3) ؛

·        ابن المعتز (296 هـ) في : " تجربة رائدة في البلاغة العربية: قراءة في كتاب البديع لابن المعتز (4)؛

ودلت هذه المؤلفات، و غيرها، على السعي إلى التأطير الحضاري للمجهود الفكري و النقدي الذي يسعى د.عباس أرحيلة إلى تحقيقه و التدليل عليه.

ومن نافلة القول؛ إن المشروع النقدي للأستاذ لا يجد حضوره في سياقه التاريخي، و مساره التطوري فحسب، بناء على أسئلة مرحلية و لحظته الراهنة،و لكنه يعمق إنجازه بناء على رهانه النسقي الذي يحاور فيه أبنية الحضارة ودوائرها المتماوجة، وطرائق تدافعها بين الناس، و حركيتها في المجتمع و التاريخ و الفكر،    و الثقافة. و من هنا كان التشديد على الحضور/ الأثـر الأرسطي في الفكر الانساني عامة، و العربي الاسلامي خاصة، و النقدي الجمالي . و البلاغي التفسيري بصفة أخص. فالحضارة اصطلاح يشير الى " سيــــــــرورة اكتملت أم لم تكتمل لكنها سائرة " (5) . هذا التواتر في أبنية الحضارة ما يحقق لهــا، على الدوام، تباطنـــــــــا  و تلازما " فتكون  لا محال تحت المساق" (6) . أي أن التفاعل و التداخل بين الابنية نفسها و إن خفــــــــي،    و صعب تلمسه، أو وضح، و فاض عن الشرح، فإن هذه العملية، على أهميتها، في تاريخ الحضـــــــــارات، وثقافات الشـعوب، لا تمحي معها، عبر سيرورة التاريخ "السمات القوميـة"، و "السمات الكونيـــــــــة"؛ أي ضرورة الوعي بالنموذج التاريخي المفضى إلى التخالف و التغاير، لا على أساس العرق أو الجــــــــــنس،   أو الأرومة، بل على دلالة المنجز الحضاري في التطـــــور و التقدم، و اقترابه من السعادة المطلوبة في الحياة البشرية. و بذلك يكون النسق الحضاري هو الملمح البارز في المشـــــروع النقدي للأستاذ، أي استحضـــــاره للافق المؤطر لانبثاق الفكر، و صيروراته الدافعة للتحول و المخالفة. الا إن هذا السمت النسقي يتصــــــــاقب و الأبنية الأدبية واللغوية المؤثثة للرؤية النقدية التي يقوم عليها التصور الفكري للاستاذ ارحيلة. بحيـــــــــث يتواشــــــــج الحضور الفني و الجمالي مع النسق الحضاري، و السياق التاريخي الذي وقف على لحظتيـــــن دالتين في المشروع؛ همــــــــــا: الماضي و تغايره عن الاثر الارسطي، و الحاضر و تشاكله بل، تبعيته لحفيد المعلم الاول ( الغرب).

هذا التعالق بين النسق و السياق هو ما ينبغي استحضاره في قراءة هذا المشرع لسببين اثنين:

 

1-   باعتبار المنجز النقدي للاستاذ ارحيلة إجابة عن سؤال تعددت وجوهه، كما تعددت التباساته، والسؤال هو: ما حدود التأثير الارسطي في النقد و البلاغة العربيين؟

2-   هيمنة الغرب الحديث على كل أشكال السلطان (المعرفي و السياسي و التقني ...) و تكريس التبعية له بالحجـــــــــــة و البرهان.

I-                 النسق الحضاري للمشروع النقدي عند ارحيلة:

يقصد بالنسق الحضاري:  كلية العناصر و المكونات الحضارية المنظمة للرؤية النقدية، و القائمة على الانتظام الداخلـــــــي  و الانسجام البنيوي بحيث تكون " كلا منسجما و متسقا من خلال موقع و وظيفة كل عنصر".(7) أي أن هذه النسقيـة الحضارية تتأسس على العناصر الثلاثة الاتية:

Ø    الشهود التاريخي؛

Ø    التأصيل و التأثيل؛

Ø    التفاعل لا التأثير؛

 

نستطيع القول: إن الهرمية النسقية المبنية على تراكمات التاريخ، و تحولات الانسان، و تفاعلاته مع ذاته وغيره؛ هي بحق أس الارتكاز النظري لكل تصور نظري موضوعي ينشد الاتصال و الارتباط بمحــــور الحضارة أصلا؛ لذلك كان:

1- الحضور التاريخي مناط هذا الحفر، إذ لم يكن التاريخ سجلا كرونولوجيا يتعقب مراحل نشأة الفكــــــر البشري عبر الازمنة؛ يمارس فيه العقل العربي الاسلامي ، دور الوسيط، كأنه" وسيلة نقل للتراث القديم"(8) بله، بناء فكري يتم بواسطة القـــراءة الذاتية و المستديمة للاخر، لذلك " لم يكن دور العرب، تاريخيـــــــــا، "مجرد تكريس للتراث القديم بقدر ما كان استيعابا له، شرحا و تعليقا، و نقدا و تفسيرا، و انشاء و خلقــــــــا جديدا"(9) يتعارض هذا الدور التاريخي ، حتما ، مع حصر التاريخ في دائرة الأحادية الأوربية، ومركزته على الذات الاغريقية، أي " جعل الانسان الاوربي محورا للتاريخ، و تغييب أصالة كل فكـــــــر خـــــارج المركزية الأوربية"'(10)  .

ووجب أن يكون منطق التاريخ مفتوحا على الابداعية و الخلق، إذ " تعتبر الحقيقة مطلبا إنسانيا مشاعا للخلق، ووفوق كــــــل الاعتبارات".(11)

إن الاجماع  على ان التاريخ خط إنساني من الانجازات العظيمة التي تحبل بها مسارات الفكر البشري يعمق القول إننا بصدد " أو إقامة كينونة حضارية تؤسس لها وجودا في تاريخ الفكر البشري".(12). هذه الكينونـــة الحضارية المستقلة من حيث المنشــأ عن الفكر الاغريقي أو الهيليني لاحقا، فإنها بذلك تنبذ كل "تصـــــــور يمارس إمبريالية على التاريخ "(13) .

و المستفاد مما تقدم  أن التاريخ شهود على حضور عربي إسلامي بناء على شرط ذاتي يعمل مع غيره دون أن يكون نسخة عنه، أو تكريرا لنموذجه؛ بقدر ما كان نقدا وتفاعلا مستوعبا لمشروع الاخر، و توظيفـــــــه   و تبيئته لتجذير ممارسة فكرية وليدة منجزه العقلي و النقلي؛ مخالفة لما سواها؛ و سائرة طريق المشتـــــرك الكوني.

من اللازم القول إن التاريخ عند الاستاذ ارحيلة حوار بين القراءات، أو هو فعل تعرية " يصبح [ فيه] الشرح كشفا عن ذات الشارح و احتواء للمشروع؛ وبذلك يذوب المقروء في الذات القارئة حتى تصبح إشكالية ذاتية".(14) 

هذا التجدد الذاتي هو من فعل التاريخ؛ بحيث يصير فعل الابدال مفضيا إلى تحويرات، وتحويلات تقــــع على الماضي،  و مخلفاته، و تصيره إلى تألق مفارق لجذره الاول. فالتاريخ انبناء يتفاعل مع أصوله الزمنيــــــــة و البشرية بغية ارفاد تجربة العقل البشري، وتمتيعها بالتحرر اللازم من كل قهر أو حصر نفعي نزق . التاريخ موار بالحركة و التعدد، و فعال في تجاوز الحدود المرسومة بالاطلاق او التعميم . لذلك كان شـــاهدا على تغور النسق الحضاري للامة الاسلامية الذي يتجاوز كل  " نظرة تجزيئية".(15) تجعل من التاريخ العام للفكر الانساني بأجمعه تاريخا لها؛ و تعتبر الاصل اليوناني مركز الاشعاع في تاريخ الحضارة البشرية. و مما لا شك فيه أن هذه الرؤية النقدية للتاريخ الشوفيني تحقق ثلاثة اليات : ( 16)

Ø    التنسيب: نسبية التاريخ، و حضوره المعقول في كل أمة؛

Ø    التعديد: تعدد التاريخ و روايته بناء على خلفيات أهله؛

Ø    التمكين: التاريخ إمكانية مفتوحة على كل جديد، وليس قدرا لا يمكن الفكاك منه.

II-              التأصيل و التأثيل :

يقوم النسق الحضاري على التأصيل لان "مسألة الاصالة هي البؤرة الحساسة في هذا الاشكال ".(17) أي أصالة الفكر،  و المناولة التي حققت وجودا ما.

و لأن التأصيل عود على البدء، فإن تأصيل النسق الحضاري حيازة للإبداع و المنطلق السليم. فالتأصيل تشييد الذات المفكرة من حيث هي توجد أو تفكر؛ و لن يكون التأصيل محصورا على الموضوع و تجديده، بل هــــو تأصيل للأدوات المنهجية المحددة للتفكير نفسه. و لن يتأتى له ذلك إلا من خلال الآتي:

  • نقد العقل الأوربي، و نقد عمليته المزعومة؛
  • المراجعة و المقارنة بين الذاتية و الغيرية؛
  • الرد على المستشرقين و من و آلآهم من المستغربين العرب؛

و لأن التأصيل بحث و حفر في الجذور فإن مشروع الأستاذ ارحيلة ماض إلى تحقيق هذا التأصيل من خلال استدعاء النص القرائي الكريم والنص النبوي الشريف، ومدونة الشعر العربي القديم باعتبارهم الأطـــــــــــر المرجعية التي تشيد الذوق الفني،  و الجمالي للعقل العربي؛ و تحكم بنياته و إبدالا ته بحيث تكون اللغة العربية " أداة المعجزة القرآنية، في قالبها تجسدت؛ و من معينها ترقرقت، فأصبحت لسان الإسلام، تكتنز تصوراته، وتتقمص مفاهيمه، و تختزن تعالميه"(18)

 

و من البين أن البيان العربي، في جماليته و فنيته، و تعابيره و أساليبه، لن يكون مجلى تفكير أو تعبير لمن التمس سبل فهمــه و تحليله خارج نسقيته الحضارية المركوزة في الذوق السليم، و السليقة اللغوية الضاربة جذورها في المرجعية المشار إليها أعلاه.

ويحقق التأصيل غاية التقعيد الفلسفي للرؤية البيانية العربية الإسلامية التي ترى أن " العقل البشري يتلاقح بعقل غيـره، و لا يضيره أن يفكر فيما يفكر فيه غيره، فيسعى في أن يضيف إليه شيئا يجعله مباينا للسابق في منهجه وروحه ".(19) و إن حجية العقل في التأصيل النقدي تعود، أساسا، إلى أنه القاسم المشترك في الفكر الكوني، أو هو الأداة التي اكتنزت المقومات المنطقية و غيرها لبناء المقولات الكبرى للتفكير البشــــــــــري، و إرساء البراهين و الأدلة بدل الاكتفاء بالبداهـة   و الفطرة.

لذلك كان استحضار العقل أو المنطق الأرسطي" لمقاومة الغنوص المانوي و العرفان الشيعــي"(20). أي أن حضـور "الاورغانون" لم يكن لخصوصية يملكها لذاته أو لميزة ترفعه عمن سواه، وإنما لوظيفية يتطلبهــــــا المقام و السياق التاريخي، فهوكان أقرب لـ" ماض إيديولوجي" منه " لنسق حضاري" يمتلك صفة "الكينونة الحضارية" التي تشيد مسار التفكير العربي  الإسلامي آنئذ. و بذلك يكون العقل أداة مخصوصة، فإن كانــــت حيازتها ،ضرورة، إلا أن تعميم خصائص عقلية، وصفات تفكيرية لأمة على أمة، و تفريد نسق حضاري على آخر قصد المغالبة و الاحتواء أمر يدعو إلى رده، ودحض أدلوجته، والعمل على تجاوز عيوبه. و لان العقل، مهما بلغت صرامته المنهجية، و قوته التجريدية، فإنه يظل ملتصقا، ب"ميتوسيات"، و أنسجتها الخزافيـــــة، و أساطيره، و لاعقلانيته، أي أن "اللوغس" مهما ادعى من التجريد، و القدرة على الانتشار، باعتماده على مبدإ "البساطة"، فإن غرائبيته، و مفارقاته اللاواعية تظل رديفة له لا يستطيع الانفكاك منها إلا مؤقتا، ما يفتأ العودة إليها، و الحنين إلى كهفه الأول:( الماضي الأسطوري)!

إذا كان التأصيل هو تعميق الحفر في الذات، و إدراك رهاناتها الفكرية و الحضارية، فإن التأثيل يقصد أن يصير:

التأصيل استخلافا حضاريا يقوم على القابلية للتجديد، إذ يقوم النسق الحضاري على رتق الفجوات التي خلفها الغياب، أو الجمود، أو الانحطاط، بسحب موجبات التخشب الفكري، و الإفضاء إلى مكونات النهضة العلمية  و شروطها حسب الحاجة و أسئلة المرحلة التاريخية. فالتأثيل تجاوز لحد التأصيل و إخراج للعقل من كهنوته، إلى فاعلية تتعمق الوجود و الفكر معا. لذا فإن التأصيل مقرونا بالتأثيل هو:

·        تسييد لعقل لا يركن إلى المقايسة أو التفاضلية المبنية على زيف البرهان، و إنما إلى ثابت حضاري يحقق توسعــــــا للعقل، و يرجح حضوره على الدوام؛

·       تسييد فعل التجاوز، و النقدية التي لا ترتهن بطمأنينة العقل و تخاذل الفكر.

·       تنسيب المناولة، و الحد من إطلاقية القراءة النقدية عودا بها إلى التفاعلية و التكاملية.

III-          التفاعل لا التأثير:     

" التفاعل بين الحضارات حقيقة ثابتة"(21)، أي أن الأصل في الالتقاء بين الحضارات هو التفاعل الايجابي الذي يقود إلى إدراك "كيفيات التفاعل بين الحضارات، و منطق التحويل الذي به تتم عمليات التحويـــــــل، والتشكيل، والهضم، والتمثيل،وأساليب الحوار، و التقبل أو الرفض"(22) .

هذا الإدراك الواعي لمدى حقيقة التفاعل و أهميته في إدارة الحوار بين الحضارات المدمك الحقيقي لإرشاد السائرين في ليل الحضارة. فالتفاعل عملية تقوم على التبادل، و الندية، والمبنية على التصور النظري الناجز، لذا فإن "النشاط الإبداعي داخل التراث العربي الإسلامي ما كان له أن يتأسس في غياب تصور نظري على نحو من الإنحاء"(23).   

إن التأكيد على الحضور الفعلي للامتلاء الفكري للإبداع العربي الإسلامي يقرر أن التأثير أو الأثر الأرسطي بدأ "ادعاء يشوبه الشك"(24).، و انتهى إلى "شيء من اليقين تضخم "(25). بل إن عمليات إثبات التأثيـــــــــــر و التفاعل أضفت، حسب د. عباس ارحيلة- إلى أن مسار كثير من الباحثين في اتجاهين متناقضين: اتجاه النسخ، و اتجاه المسخ، و دخلوا في متاهة البحث عن مظاهر التطابق بين الأصل و الفرع،[... ] و تجاهلوا كيفيات التفاعل بين التراثيين الأرسطي و العربي ... و أهملوا ما هو مشترك في اللغات الإنسانية عامة من أساليب التجوز"(26).

و خلاصة القول: إن التفاعل منجز بشري مشترك بين جميع اللغات الإنسانية، ناهيك، عن كفايته في التجـاوز و التباعد عن مواطن الالتقاء، و تقرير مكامن الاختلاف و الشهود عليها باعتبارها علامات مائزة و فارقة في المشترك الإنساني. في الوقت ذاته يكون التأثير عزلا للخصوصية الفكرية، و إقصاء للكينونة الحضاريــــــــة، و مذبحة التراث العربي الإسلامي على قاعدة التقليد أو الإنتاج المكرور.

        خلاصات واستنتاجات:

      يحق لنا أن نستخلص بعض النهايات التي ستظل مفتوحة على كل قراءة تفاعلية منتجة، محققة المزيد من الإضافات النوعية للمتن النقدي للأستاذ أرحيلة؛ ونقف عند المنظور منها حالا:

 1-   يعتبر النسق الحضاري المظهر الأعم لمشروع الأستاذ أرحيلة لكونه المفتاح الأساس لإدراك الأبعاد المنهجية   و العلمية، و الأدبية، و الجمالية، و النقدية التي تحايث المشروع، لما قام عليها النسق نفسه من :

2-   شهود تاريخي نقل التاريخ من مركزية أوربية توسعية إلى:

·      التنسيب؛

·      و التعديد؛

·      و التمكين؛

3-   التأصيل الذي يروم نقد العقل الأوربي، و إدراك مخاتله و مراوغاته؛ و زيف آلته، وحد أدواته،  و محدوديتها بناء على المراجعات الفكرية، و المقارنات للذات و الآخر؛ لفضح ادعاءات الاستشراق، و الحفر في نصوصيته ،و تعرية علميته. فضلا عن التأثيل الذي يحقق:

o     تسييد فعل التجاوز، و النقدية؛

o     و تسييد عقل خارج المقايسة أو التفاضلية؛

o     و تنسيب المناولة، و الحد من القراءة الأحادية.

4-   القول بالتفاعل لا التأثير درء للنسخ أو المسخ، و بناء للانفتاحية و المشترك البشري اللـذين لا يقصيان "السمات القومية"، و لا يطغيان "السمات الكونية".                                                                                     

      كلميم –مراكش في : 5-6 مارس 2010                     

  

بيان الإحالات

      1-   البحوث الاعجازية و النقد الأدبي، ط .1/ 1997؛

2-   الكتاب و صناعة التأليف، عند الجاحظ ، ط1/ 2004؛

3-   أبو حامد الغزالي و منهجية في التأليف، ط. 1/ 2009؛

4-   تجربة رائد في البلاغة العربية: قراءة في كتاب البديع لابن المعتز، ط.1/2009

5-   محمد الشيخ: "في استشكال الصلة بين مفهومي "الثقافة" و " الحضارة" مدخل مفاهيمي... " مجلة التسامح، س 7، ع.27، سلطنة عمان، صيف 2009، ص: 176.

6-   نفسه، ص : 177

7-   إسماعيل هموني: الأطر المرجعية للمنهاج الجديد، بحث مرقون بخزانة المركز الوطني للمفتشين، تحت إشراف د. عباس الصوري.

8-   د. عباس ارحيلة: الأثر الأرسطي في النقد و البلاغة العربيين الى حدود القرن الثامن الهجري، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1999، ص: 47

9-   نفسه ، ص :47

10-      نفسه ، ص: 34

11-      نفسه، ص : 34

12-      نفسه، ص : 35

13-      نفسه، ص : 47

14-      نفسه، ص : 59

15-      نفسه، ص : 60

16-      د. محمد الشيخ: رهانات الحداثة، دار الهادي، ط. 1/2007، ص: 294

17-      عباس ارحيلة؛ مرجع مذكور : 64

18-      نفسه، ص : 14

19-      نفسه، ص : 64

20-      نفسه، ص : 89

21-      نفسه، ص، 27

22-      نفسه، ص، 24

23-      نفسه، ص : 84

24-      د. عباس ارحيلة : مسألة التأثير الأرسطي ط.1/مراكش 1999، ص : 19

25-      نفسه، ص : 67

26-      نفسه، ص : 123 .

(0) تعليقات
شهادة الفيلسوف المغربي د.طه عبد الرحمن في الندوة التكريمية للدكتور عباس أرحيلة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الصادق الأمين وعلى آله وصحبه الأكرمين

 سيدي العميد العزيز الدكتور عبد الجليل هنّوش

أخي الأستاذ الكبير الدكتور عباس أرحيلة

سادتي الأساتذة الأفاضل

سيداتي الفاضلات

أبنائي الطلبة البررة

 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد،

أنىَّ لي أن أَشهَد بكلمة جامعة في حق عالِم بَحْرٍ شغلتني وإياه الحيرة البالغة في أسرار الشهادة نفسها! إن العقول لتحار في أمرها، إذ تراها حكما جاريا على الإنسان قبل خلقه وبعدَه؛ فقد شهد بنو آدم، عامَّة، في عالم الغيب بوحدانية الله، وشهد بها أولو العلم، خاصة، مغيبا ومشهدا، ظاهرا وباطنا؛ وأُدخل إلى الإسلام مَن أُدخل بهذه الشهادة الكبرى ولو أتى بها على ظاهرها؛ وأُعطي المسلم، تفضيلا من الله، مقام الشاهد، في الوجود والخلود معا، على غيره من الناس وعلى شهاداتهم بهذه الوحدانية القدُسية؛ بل لم تزل الشهادة على تبليغ هذه الشهادة الكبرى تُتوارث بين الأنبياء، عليهم أزكي السلام، وتَتواتر بين الرسل، عليهم أفضل الصلوات، إلى أن حَمل لواءها الأعظم سيد النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وسلّم، شاهدا مطلقا على الأمم والأنبياء والرّسل طرّا.

وإن العقول لتزداد تحيّرا وتتضاءل قَدْرا أن ترى الشهادة حكما واجبا في حق الوجود بأسره؛ فكل المخلوقات الأخرى، علويِّها وسفليها، ناطقِها وجامدها، سُخّرت لأن تشهد أنه لا إله إلا هو، وتشهد آثار إيجاده وآلاء إمداده في أنفسها، قائمة، طوعا أو كرها، بشرط العبودية لذاته الخفية عنها؛ ويبلغ التحيّر أقصاه ويكابد العقل اضمحلاله وهو يشهد أن الحق سبحانه يشهد بنفسه على نفسه لنفسه، متجليا، على الأكوان كلها، مُلكها وملكوتها، بأنوار اسمه "الشهيد"، بحيث لا شاهد ولا مشهود، على الحقيقة، إلا هو وحده، تقدَّست ذاته وتنزهت صفاته.

هكذا، تَرى أنه لا شهادة إلا مع وجود روح مخصوصة، وهذه الروح هي الإيمان؛ فمَن يشهد، فإنما يشهد بإيمان أو على إيمان، وإلا فلا شاهد ولا مشهود؛ ولا غرابة، عندئذ، أن تكون بداية عصرنا الحديث إيذانا بنهاية الشهادة؛ فمن ذا الذي لا يعلم بأن أربابه ـ سادةً وقادة، علماء ومفكرين ـ أعلنوا، في غرور وكبرياء لا سابق لهما في التاريخ البشري، نهاية الدين، حتى ادعى بعض أسلافهم بأن الدين نفسه يوجب الخروج من الدين! لكن ما لبث هؤلاء أن بُهتوا بانقلاب إعلانهم نفسه عليهم، فظهرت لهم نهاية ما أرادوه من دنياهم مستمرا لا ينتهي، وباقيا لا يفنى؛ فأخذوا يَدلفون، على غير هدى، في عوالم الفناء، منقلبين من نهاية إلى أخرى، بدءا من "نهاية الحداثة" وانتهاءً بـ"نهاية حقوق الإنسان"، وعروجا على "نهاية الإنسان" و"نهاية التاريخ" و"نهاية السياسة" و"نهاية الفكريات" و"نهاية الطوباويات"، حتى صار ما أسموه بـ"النزعة النهائية" مذهبا في الفكر لهم، بل طريقا في الحياة.

لذا، تعيّن ـ في هذا العصر المغرور بمبدعاتِه الدنيا والمتكبر على مبدِعه الأسمى ـ تعيُّن الواجب الذي لا بد منه أن أجتهد مع غيري في ردّ هذا الباطل، وأُسهم في إحياء معنى "الشهادة الكبرى" التي هي، بحق، السر في وجود الخلائق، والحكمةُ في نزول الشرائع، فأدلي بشهادتي في حق إيمان هذا العلامة المحتفى به، صديقي الدكتور عباس أرحيلة؛ فهذا العالم الفذ ليس إنسانا فحسب، لأن الإنسان قد يغرُّه بربه الكريم عظيمُ إكرامه له كما غر أصحاب النهايات، أما هذا العالم، فلم يغرَّه بربه شيء، لا معرفةٌ واسعة ولا سُمعة ذائعة، ولا غرَّه تلامذة كُثار ولا أصحاب كبار، بل هو رجل هدَّك من رجل، إذ لا يلهيه غزير علمه ولا وفير صحبه عن ذكر الله ربه في كل أين وبكل كَين ولو أنه قد يكتم إيمانه متى أراد، في نكران لذاته، أن يُظهر إيمان غيره، بل إنه ليأتي سعيا إلى غيره يُذكّره بربه، تارة مرغبا، فيتلطف في التصريح، وتارة مرهّبا، فيُجمل في التلميح؛ وكم حملَت إليّ من بالغ العبر ورائع الحكم وسامي المعاني تلك الأوقات الزاهية التي كان يجالس أو يهاتف فيها بعضنا بعضا، حتى كأننا في عالم غير عالم الناس، نشاهدهم ولا يشاهدوننا.

وكم من مرة، وأنا أصغي إليه وكلماته تتدفَّق متدافعة على شفتيه، أشعر وكأن صدره يوشك أن يتفجر إيمانا ويقطُرَ شهادة زُلالا؛ فلا أكاد أودّعه مضطرّا، حتى يتوهج إيماني وتقوى عزيمتي على المضي في طريقي، لا أبالي بإنكار المخالفين ولا بأذى الناقدين؛ وذات يوم أطلعتُه على موقف غير مرتقَب اتخذتُه في أمر ذي بال، فأجابني جوابا لا يزال يتردد صداه في سمعى، ويتلجلج معناه في صدري إلى هذه اللحظة المباركة، إذ قال: "أخي طه لو لم يكن في ميزان أعمالك إلا هذا العمل، فكفى به سببا لغفران ذنوبك وجلبا لرضوان ربك، وما يدريك بأن الحق سبحانه قد أرادك لهذا الأمر دون غيرك، حتى يُسبغ رضاه عليك"؛ وحينها علمت أن الرجل ينهل من معين إيماني لا ينهل منه كثيرونَ سواه، وأنه داخل على ربه من باب حسن الظن به والرجاء في ألطافه؛ بل علمتُ أنه من الرجال الصادقين، ذلك أن قلبه لم يمتلئ إيمانا فحسب، بل امتلأ حبا للإيمان نفسه ولبِستْه روحه لباسا، فازدوج إيمانه، وصار إيمانا على إيمان؛ وعلامة من ازدوجت روحه، مستوليا حب الإيمان على قلبه علامتان اثنتان: إحداهما أن ينشرح صدره لذكر الله ربِّه والثانية أن يَخلع عليه الحياءُ حليتَه.

أما الانشراح الذي يزين صدر هذا العالم المُحب، فيتجلى في شدة ابتهاجه بكل عمل يتشوَّف إلى موالاة الله والذود عن أمره؛ وكم أظهرَ لي من واسعَ انبساطه وهو يُحصي، في كتبي، المواضع والأقوال التي كشفتُ فيها عن مظاهر نسيان الشهادة في ما بُني من صروح فكرية ووُضع من دعاوى عريضة، ظن مبتدعوها ومقلدوهم من بني جلدتنا أنها لا تتداعى ولا تتهاوى أبدا؛ ولم يَكْفه أن يَخُصني وحدي بهذا الانبساط الروحي من طريقتي في التصدي لمن نسوا الشهادة أو تناسوها، ظلما لأنفسهم، بل أبى إلا أن يُشرِك القراء في فرحه بربّه وطرَبه لنصرته، فجرّد يراعه الدفاق كي يُريهم كيف أن عطاء الآخرين، وقد اختاروا نسيان الشهادة دينا لهم، لا يُعجز الذين خصَّهم الحق سبحانه بهذه الشهادة، وكي يُريهم كيف أن المقلدين، وقد اختاروا أن يحتذوا في النسيان حذوهم، لا يثبّط عزيمة هؤلاء المخصوصين في استئناف شهادتهم على الناس جميعا.

وأما الحياء الذي يُحيي روح هذا العالم المحب، فيتجلى في التعفف والتلطف اللذان يعامِل بهما الكلمات والنظرات والحركات، فيمرُّ على الكلمة كأنها لم تُقَل، وعلى النظرة كأنها لم تُلْق، وعلى الحركة كأنها لم تُجْر، ثم يودّعك مستعجلا كأنما لم يكن معك كُلُّه أو كأن شيئا لم يكن بينك وبينه؛ وقد يعود إليك، مرَّة أخرى، مكلّما أو متأملا أو متحققا بعد أن ودَّعك وحيّاك، حتى تظن أنه الفراق؛ وليس ذاك إلا أنه يريد أن يُخفي عنك حياءه؛ فهذا الرجل، في تردّده عليك، إنما يستحيى من حيائه؛ فطوبي لمن كساه الحياء بل كساه الحياء من الحياء، فإنه لا يعرَى أبدا، وكيف يعرى وقد تحلّى بأصل الأخلاق؛ أليس لكل دين خلق، وخُلُق الإسلام الحياء كما في صحيح الحديث! بل كيف لا تتم أخلاق هذا العالم الحيي؛ ألم يختص الإسلام الذي هو دين الحياء بإتمام مكارم الأخلاق كما جاء في حديث آخر صحيح! ومَن أحيا قلبَه الحياءُ وأمدَّه بأفضل الأخلاق كيف لا يُنشر له بساط المحبة، فتُقبِل عليه النفوس، مقتديةً بخصاله، وتُحبه القلوب، متطلعة إلى وصاله.

ولا يخفى على ذي بصيرة أن الانشراح الذي يورِّث التعلق بالله والحياءَ الذي يورّث التحقق بالأخلاق يُنزلان صاحبهما منزلة الشاهد على حقيقتين، أولاهما أن العلم مع الأخلاق حكمة وتزكية؛ والأخرى أن العلم بلا أخلاق إنما هو جهل وتدسية، بل إنهما يُنزلانه منزلة الشاهد على أن النظر من غير عمل لا بد أن يكون ضررُه أكثرَ من نفعه؛ وما أدراك أن القول بأن النظر يتقدم على العمل بإطلاق إنما هو دعوى منقولة إلينا من فلسفة غيرنا! فكيف يكون العمل تابعا للنظر تبعية مطلقة، وخلوصُ الطاعة لأوامر الله هو العمل الذي لا ينتظر ولا يتنزَّل، فكيف يسبقه أو يرتقي عليه النظر، فضلا عن أن هذه الطاعة تَمدُّك بعلم ما لا تعلم! ثم إن هذه الأوامر الإلهية لو فرضنا أنها بُنيت على النظر لوجب أن لا يجوز للمسلمين أن يقبلوا منها شيئا حتى ينظروا فيه ويعقلوه، وهذا غاية في نسيان مقتضى الشهادة الأصلية التي بادرهم بها الحق سبحانه.

ولا عجب أن يُولَع هذا العالم العامل بتتبُّع سير العلماء ناظرا كيف هم من شرط العمل؛ فلما اطلع على مشروعي في فقه الفلسفة، ووجد أن السيرة الفلسفية جزء منه، ما فتئ يَحثني على التفرغ لكتابته ـ لاسيما وأنه أحاط بمنطق الفلاسفة في دراساته البلاغية ـ حتى يتسنى لقرائي المقارنة بينهم وبين غيرهم من الفقهاء والعارفين من جهة العمل بعلمهم، لأن أمر هؤلاء، حقا، عجب؛ فهم، من جانب، قد لُقِّبوا بالحكماء، علما بأن الحكمة هي المعرفة المصحوبة بالعمل، حتى كأنهم أعمل العلماء؛ ولكن، من جانب آخر، ليس في العلماء من تعلَّق بالنظر، جاعلا منه نهاية السعادة مثل تعلُّقهم؛ ثم نجد منهم من أتى بتصرفات شنيعة وشاذة لا تليق بمقام العلماء، فضلا عن  الحكماء، فيتعين الكشف عن سر هذا السلوك الغريب وبيان كيف أن ذكر الشهادة الأولى هي أصل هداية الفلاسفة ونسيانها هو أصل ضلالهم؛ هذا وإن القليل منهم مَن اشتغل بالتأمل في الموت كما تأمَّل في الحياة؛ وأقل القليل منهم مَن تهيأ للقاء ما بعد الموت؛ والمنطق السليم يقضي بأن كل مَن شغله العمل، وجب أن يشغله الموت؛ فإذا كان العلم، عند الفيلسوف، بدايةَ العمل، فإن الموت نهايتُه؛ فكيف يتفرغ إذن للبداية وينسى النهاية، حتى يهلك مع الهالكين!

ولو أني لست أدري هل يُكتَب لي أن أحرّر جزء السيرة الفلسفية من مشروعي، فإني مدرك ما في نفس هذا العالم الجليل من حرص على أن تكون الفلسفة الإسلامية فلسفة عمل، لا فلسفة نظر، مختطة لنفسها طريقا خاصا يفلسف الشهادة الأصلية، محددا موجباتها ولوازمها، ويجعل المؤمن يحيا، لا في ضيق هذا العالم الأرضى الذي أخلد إليه غيره، وإنما في سعة عوالم كثيرة يوجد في بعضها بجسمه ويتواجد في بعضها بروحه؛ وكأني بصديقي عباس أرحيلة، لما ركب بحر الإيمان وغاص في أعماقه، راح يستكشف هذه العوالم الواسعة التي تشهد بخالقها كما يشهد، مستشعرا روح العبادة في كل ما يكتشفه من أمرها وخلقها؛ فلتهنأ، أيها العالم الشاهد، بهذه الروح التي تصلك بربك الرحيم وتؤنسك بقربه الكريم!

 



(0) تعليقات
الدكتور عباس أرحيلة أو طموح المغايرة والبحث عن التأصيل والإبداع

                                 د. رشيد برقان

                              أستاذ باحث- مراكش

 

"ويستفاد من هذا أنه لا ينبغي أن نطلق اسم بحث على أي بحث كان ما لم يأت فيه صاحبه بشيء جديد، بشيء كان مطمورا في التراب فأخرجه الدرس والبحث. وإخراج ما كان خفيا عن الأنظار في مجال التأليف، أي ما لم يسبق إليه؛ هو الذي يراد به الإبداع عند الحديث عن الإنتاج الفكري أو الفني"    د: عباس أرحيلة

 

على سبيل البدء

شهد العصر الحديث تحولات عميقة وجذرية مست آثارها العالم العربي خاصة والمغرب بشكل أخص، وقد واكب هذه التحولات مشاريع ثقافية فكرية تروم فهم اللحظة الحاضرة وإعداد العدة لمواجهة المعضلات التي تواجه الذات العربية وتحول دون تقدمها.

وقد تركزت المعضلات الأساسية التي عرفها العالم العربي عامة والمغرب خاصة في وضعية السبات والفقر المعرفي التي شهدتها البلاد في القرون الأخيرة نتيجة ضمور الاجتهاد والركون إلى التكرار والاجترار والحفظ.

كما تجلت في التدخل القوي للقوى الاستعمارية على جميع الأصعدة، نتج عنه تحول البنى الاجتماعية تحولا معاقا، وخلف حالة من القلق الفكري تبدت من خلال النكوص إلى الذات من جهة، والانبهار بالآخر والتهافت عليه بدون نقد ولا تمحيص. وفي الحالتين معا أصبحت الذات العربية تعيش وضعية الهزيمة والضعف.

وبغية التعبير عن رفض هذه الحالة، ولأجل الخروج من وضعية التخلف طرحت مجموعة من المشاريع النقدية الفكرية التي تتوحد على صعيد الهم والرغبة في التخلص من هذه المعضلات، وتجتمع في التطلع إلى إدخال العالم العربي إلى العصور الحديثة بشكل يجعله رائدا ومتقدما.

ومن بين هذه المشاريع مشروع أستاذنا الدكتور عباس ارحيلة الذي امتد لما يزيد عن 20 سنة من التأمل والتمحيص، واحتل مساحة تتجاوز إحدى عشر متنا، تتوزع في ثناياها مفاتيح للمعضلات الأساسية التي يعرفها مشهدنا الفكري عامة والنقدي خاصة.

والمطلع على كتابات الأستاذ يجد مشروعا متكاملا يصف حالتنا الفكرية العلمية، ويستهدف تقديم حلول واقتراحات من شأنها إذا خضعت للتفعيل والتجريب أن تسهم في إشعاعنا الثقافي الفكري.

لهذا سوف نحاول في هذه المداخلة استجلاء خاصيات المشروع الفكري النقدي لأستاذنا من خلال كتاباته والمتون التي نشرها. وذلك من خلال خطة عامة تبدأ بإبراز الحوافز العامة التي تدفعه إلى البحث عن مشروع مغاير. ومنها تنتقل إلى الخاصيات العامة لمشروعه الفكري، وأخيرا سوف نتوقف عند الغايات الكبرى التي يروم بلوغها من خلال هذا المشروع.

1-    في الحوافــز:

يحتاج كل مشروع، لكي يتشكل، إلى حوافز تستحثه السير، وتسير به نحو النور، وعندما نبحث عن الحوافز التي تحرك مشروع الأستاذ عباس ارحيلة نجدها تتركز في ثلاث حوافز هي:

أ‌-    الحافز الشرعي: الذي يعتبر البحث والتصنيف فرضا شرعيا وجزءا من تمام الإيمان، يقول:" إن الأمة لا تتقدم بدون علماء باحثين، إذ معارف البشر تكتسب بطلب العلم، ومن هنا اعتبر التصنيف في حضارة الإسلام فرض كفاية، على من منحه الله فهما واطلاعا"[1]، فطلب العلم وإذاعته بين الناس ليس نزوة ذاتية أو رغبة في التألق والبروز، ولكنه فرض واجب من داخل المنظومة الدينية، وارتباط العلم والبحث بالحافز الديني يسهم بقدر وافر في ترسيخ الجدية والموضوعية، وإبعاده عن النزوات والرغبات الذاتية.

ب‌-          حالة التخلف التي يعيشها المجتمع: وهي تحتل المرتبة الثانية يقول:" لقد لقيت الأمة الإسلامية في الثلث الأخير من القرن الماضي عنتا شديدا من جراء أوضاعها، ولحقها من اليأس والإحباط ما زاد من ضياعها وتيهها، وتكشّف، خلال هذه الحقبة، ارتهان الشرق لحضارة الغرب الحديث في كل مجالات الحياة؛ وتبعيته له اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. ومن تبعات تلك التبعية وقوع كثير من أهل النظر والإبداع في الفكر العربي الحديث في تقليد الحداثة الغربية تقليدا أضر بإنسانيتهم وهويتهم الحضارية، وجعلهم يفكرون على مقاسات غيرهم. ويضعون الحواشي في أفكار انتزعت من سياقات لا تمت لواقعهم بصلة إلا على سبيل التمحّل والرغبة في التقليد"[2]. فالملامح الكبرى لأمتنا الإسلامية تتركز في التيه والضياع الناتج عن التخلف، وتظهر كذلك من خلال التبعية. وكلا الخاصيتين تحولان دون الإبداع والتقدم وتمنعان الأمة من تحقيق إنسانيتها.

ولا نرى حافزا أقوى بعد الحافز الشرعي، من حالة التقزز الناتج عن تخبط الأمة في مشاكل التخلف والتبعية، وعدم قدرتها على تبين خطواتها على مسار التقدم والازدهار.

ج- الرغبة في التميز والإبداع: وهو حافز يتحرك بفعل قوة الحافز الثاني، وهو فعل مشروع، باعتبار أن الإنسان متميز عن الكائنات الأخرى بإبداعه وفتوحاته العقلية، وكذلك باعتبارنا سليلي حضارة عربية إسلامية ما فتئت تعلن تميزها وتصدح بإبداعاتها.

2-   المرتكزات أو الطريق نحو المغايرة والتأصيل والإبداع

يستند كل مشروع فكري نقدي يريد لنفسه الذيوع والانتشار، ومنه إخراج الأمة من المآزق الفكرية والعلمية التي تعيشها، أقول يستند هذا المشروع على مرتكزات وأسس هي التي تعطيه قوته وحجيته. وعندما نتفحص مشروع أستاذنا من خلال مصادره الأساسية. نجده يقوم على أربعة مرتكزات هي:

أ‌-     الدعوة إلى الإبداع المفارق لكل أنماط التقليد:

يحتل مصطلح الإبداع باعتباره ما لم يسبق إليه موقعا مهما في هذا المشروع، ومفتاحا كبيرا للمعضلات التي يعرفها واقعنا البئيس، يقول:" والعناية بما لم يسبق إليه من أهم ما ينبغي أن تتطلع إليه القرائح وتتنافس في حلبته الهمم؛ لأنه بذلك يتحقق التراكم المعرفي الذي به تتصاعد التجربة الإنسانية على الأرض وتنمو وتتطور. وما يغذي هذه الرغبة في السبق ذلك الطموح في تجاوز ما قدمه السابقون: حيث يصطدم القديم بالحديث ويتم البحث عن كل ما هو جديد"[3].

والإبداع يتأسس في هذا المجال على أربع نقاط هي:

-      المفارقة أو المغايرة:

فكل إبداع يجب أن يكون مفارقا للمعروف والمتداول، خصوصا الصيحات الغربية وما تحبل به الساحة الثقافية من تيارات واتجاهات مقلدة للغرب، ومتهافتة على تحصيل ما لديه من نتائج. يقول:" والتقدم – كما هو مقرر-لا يتحقق باستنساخ الآخر، والسير على أثره، ونهج سبيله، والتحلي بقلادته والذوبان فيه؛ بل أن تضيف شيئا نابعا من حقيقة وجودك في المكان والزمان، شيئا يثري التجربة الإنسانية ويخصبها برؤية جديدة، وهذا لا يتنافى مع طلب الحقيقة أنى وجدت"[4]. فالتقدم يتلخص في مجافاة كل أشكال التقليد، ويتركز في تقديم الجديد، ومع هذا الإلحاح نجد تنبيها إلى أن رفض التقليد لا يعني مقاطعة الآخر أو عدم التعامل معه، لأن الحقيقة أينما كانت هي ضالة الباحث، وهي مطلبه الأسنى. لهذا يمكن التماسها من الآخر. ومع هذا الالتماس لا يجب الخضوع له، واعتبار ما يقدمه معطى ثابتا قارا لا يصل إليه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا يضعنا أمام رؤية نقدية انتقادية لا تفرض رفضا مطلقا ولا تقبل قبولا مطلقا، ولكنها تفحص وتقلّب، فما وافق الحق تأخذ به وتطوره، وما خالفه تجافيه وتبتعد عنه. كما لا تتصف هذه الرؤية بالنظر إلى المفارقة والمغايرة بوصفها السبيل الأوحد للتفرد والتميز.

-     رفض تكرار القديم:

ويتجلى هذا المعطى من خلال التركيز على لحظات التحول التي عرفها التاريخ العربي الإسلامي، والبحث داخلها عن الإجابات الأصلية التي رفضت تدخل الآخر واقتراحاته، وصاغت إجابتها هي، يقول الأستاذ في معرض حديثه عن الغزالي:"فموقف الغزالي من التقليد مما تدعو الحاجة إليه في كل زمان، وفي زماننا هذا بشكل أخص، ومن هنا ظلت دعوته فيه متجددة، وخير من نراه يناضل من أجل التحرر من التقليد الأعمى والتبعية للاتجاهات الفكرية المتناقضة في عصرنا هذا، الدكتور طه عبد الرحمان في مشروعه الفكري"[5].

-      إعادة تشكيل هويتنا بمعزل عن الآخر:

ومن تجليات هذا السعي اعتبار كل الظواهر الدخيلة جراثيم يقول:" تهيأ العلماء بالشعر لمواجهة الوضع في الشعر، وتلك الكوارث لحقت بالأمة في القديم (وما تزال جراثيمها سارية في كثير من العقول المعاصرة)"[6]. فالمقصود بالجراثيم شعر المولدين، وعملية وضع الحديث، والإسرائيليات. وهي كلها تجتمع في كونها ظواهر دخيلة ناتجة عن التفاعل مع الآخر، وعن التحولات المجتمعية التي شهدتها أمة الإسلام، وقد كان هدف أصحابها إحداث تغيير وتحويل في المبادئ الأولى للأمة.

وهنا نلاحظ دائما ميل الأستاذ إلى نزعة إسقاطية الغاية منها إظهار أن الإنتاج الفكري والإبداع لا يكون إلا في معمعان الصراع ضد الآخر من أجل إثبات أن الذات الفاعلة حقيقة هي التي تستطيع أن تتعرف على الآخر، وتستطيع كذلك وضع مسافة بينها وبينه، فيكون إنتاجها وليد تحولاتها الداخلية. وتفاعلها مع مقوماتها وبنياتها الأصلية. فكل لقاء بالآخر لا يعني الاستلاب. ولكنه قد ينتج تفاعلا وحافزا قويا على الإبداع والتفرد.

-      رفض نزعة التهافت على الآخر:

فخلال تقديمه لمشروع الدكتور طه عبد الرحمان ركز على خاصيتي الإبداع ورفض التقليد، يقول:" يكاد مشروعه يكون حربا على التقليد والتبعية وعلى المقلدة المنتمين إلى الإسلام والعروبة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، بل وعلى المتفلسفة العرب منذ كان التفلسف عندهم"[7]. و يتوضّح هذا الأمر بشكل جلي عندما يوضح الأستاذ موقعه من الحداثة في العالم العربي وكيف أن مساراتها لم تتجاوز التقليد يقول:" فأضحى أهل الحداثة يتعيشون بالتقليد، ويتلذذون به، ويستطيبون قيودا، وانتهت الاستنارة بأنوار غيرهم إلى السير في العتمة وهم يتحدثون عن مشاريع جديدة، واليوم – ونحن في بداية القرن الواحد والعشرين- توارث كثير من أسماء الحدثيين وبدأت مرحلة التحلل والاندثار"[8]. فحسب الأستاذ عباس ارحيلة سمة الحدثيين لا تتعدى التقليد، وظاهر للعيان أن كل تقليد هضم للذات وغبن لقدراتها، وأقصى ما يمكن أن يبلغه المقلد هو أن يمجد غيره لهذا قرر الأستاذ نتيجة هذه العملية، وهي التحلل والاندثار. ومن هنا نستشف الإلحاح على الإبداع الذي ينهض على بلورة المسار الذي تراكم داخل الثقافة العربية الإسلامية.

يتحصل لدينا إذن، مفهوم للإبداع فحواه إنتاج الجديد الذي لا يجافي الموضوعية، ولا يسقط في التقليد كيفما كان مصدره، ولكنه ينفتح على واقعه ويستلهم من جذوره اللحظات المضيئة لكي يشق بها دروب التقدم. ولعل هذا ما سوف يفضي بنا إلى المرتكز الثاني.

ب‌-           البحث عن ما يميزنا عن الآخر ويرسخ خصوصيتنا

رفض الأستاذ التقليد بكل تلاوينه، ودعا إلى الإبداع المستند على التميز والمفارقة، وهذه معطيات نظرية قد تصبح مبهمة إذا لم تشفع بمعطيات عملية فعلية توضح الغاية والمقصد منها. وهذا ما سوف نجده من خلال هذه النقطة التي ركز فيها أستاذنا على الظواهر الفريدة في الثقافة العربية الإسلامية. وقد ركز منها على ثلاث ظواهر أساسية شكلت المحاور الأساسية التي بنيت عليها ثقافتنا العربية الإسلامية. وهي الإعجاز القرآني والشخصيات المتفردة في ثقافتنا، وحركة التأليف عند العرب.

-             الإعجاز القرآني:

لا نضيف جديدا عندما نقول إن حضارتنا هي حضارة نص، وأن الحافز الحقيقي والفعلي لبلورة عقلانية عربية إسلامية هو القرآن. يقول الأستاذ "فالقرآن أول كتاب في حضارة الإسلام، حوله تفجرت ملكات الكتابة في تلك الحضارة وعلى الباحث في حركة العلم في تاريخ الإسلام أن يتذكر أن موقف الدين الإسلامي من العلم كان هو الشرارة التي فجرت مجالات البحث العلمي، وفتحت آفاق المعرفة في الكون"[9]. فمحور حضارة الإسلام هو القرآن الكريم، وهو الحافز الأول الذي دفع العلوم نحو التطور والتقدم، كل ذلك من أجل غاية سامية هي كيف كان هذا الكتاب معجزا فائتا لوقى البشر، ومن هذا المنطلق طفق الأستاذ يهتم بالإعجاز ويستتبع مساره. بوصفه الحاضن الفعلي للبلاغة العربية، والدليل الفعلي على أن بلاغتنا هي نتيجة لدينامية خاصة، بالنظر في القرآن الكريم، وهي خلاصة تفاعل داخلي حاول العرب المسلمون خلالها التوقف عند الآيات والسور لاستخلاص جوانب الإعجاز وقدراته الخارقة.

-             الشخصيات المتفردة في ثقافتنا:

إن عملية اختيار شخصيات معينة من حضارتنا لا تشكل عملية بسيطة ولا عادية، ولكنها تنم في العمق عن تصور نظري يتجلى من خلال اختيارها، والأسس التي انبنى عليها هذا الاختيار، وعند التأمل في الشخصيات نجدها تجتمع في مجموعة من الخاصيات أهمها:

v        الأولية: فأول من درس البديع هو ابن المعتز، وأول من توسع في التأليف الأدبي في التراث الإسلامي هو الجاحظ.

v        الجرأة في الدفاع عن الرأي: يقول:" ولاشك أن سر عظمة الجاحظ يرجع إلى ما أخذه عن أعلام مرحلته وإلى انفتاحه على المجالس العامة والخاصة في عصره، ومعايشته للحظة التجاذب بين الفكر الإسلامي وبقية الأفكار الأخرى، وقدرته على رصد مظاهر تحركات الطوائف، وتفاعلات المجتمع مع تلك الفترة، مع ما تمثله لثقافة العصر في أبعادها الإنسانية، وخوضه في معضلات عصره، وما يضطرب فيه من نزعات وتيارات، بجرأة فكرية لا تتأتى إلا لأمثاله من نوابغ العصور"[10]. فالأسباب التي تجعل الجاحظ محط نظر الأستاذ عباس ارحيلة هي كونه واسع الاطلاع، منفتح الذهن على معضلات عصره، ولكن الخاصية الأساسية هنا التفرد في الطرح والجرأة في الدفاع عنه.

v        الأصالة: وفضلا عن الأولية يشكل مفهوم الأصالة مفهوما مهما في منظومة الأستاذ عباس ارحيلة الفكرية، يقول:" وحين يقول ابن المعتز إن البديع أصيل في التراث الشعري العربي، فهو في الآن نفسه يدافع عن أصالة الشعر المحدث: تبعا لارتباطه بالشعر القديم. فكتاب (البديع) دفاع عن الشعر المحدث، وانتصار له"[11]. فأسباب اختيار ابن المعتز تعود إلى دفاعه عن الشعر الجديد أو المحدث، هذا فضلا عن كونه أول من درس البديع كما رأينا. فإذا كان القاسم المشترك بين الجاحظ وابن المعتز هو كونهما كانا من أوائل من فتح باب البلاغة والنقد، وأحرزا قصب السبق في التصنيف فيهما استجابة لإشكالية داخلية بمنأى عن التأثيرات الخارجية. فإن اختيار الغزالي وطه عبد الرحمان يعود إلى كونهما اطلعا على إرث الآخر، سواء كان أرسطو أو الفلسفة الغربية، واختارا انتهاج سبيل جديد بعيد عن التقليد، قريب من الأصالة مرتكز على المغايرة والتفرد، فخلال تقديمه لأسباب اختياره للغزالي يقول الأستاذ عباس ارحيلة:"... ولأنه حاول تأسيس فلسفة مستقلة عن الفلسفة اليونانية ووقف سدا في وجه النحل الوافدة الغازية، وأدخل المنهج الفلسفي المنطقي في معالجته للقضايا الدينية، وكان جريئا في تحرير الفكر من التقليد والبدع"[12].

-             حركة التأليف عند العرب:

تشكل ظاهرة التأليف عند العرب إحدى ركائز الاستدلال على أصالة البلاغة العربية، وإظهار تفرد العرب في هذا الميدان. وقد حظيت مسألة التأليف على صعيد الأصالة أو التبعية بنقاش وافر، وتوبعت متابعة كبيرة، وقد كانت الغاية من وراءها متنازعة بين إظهار وجود عقل عربي إسلامي متفرد في مقاربته للأشياء، وبين من ينظر إلى أن العرب خلال تأليفهم كانوا عيالا على من قبلهم خصوصا أرسطو.

وفي خضم هذا الإشكال سعى الأستاذ إلى إثبات أن العرب خلال تأليفهم صدروا عن نزعة عربية خالصة، يقول الأستاذ:" ومن أهداف هذا البحث أن يجد القارئ فيه شهادة إثبات بوجود تصور واضح للتأليف في مقدمات الكتب في حضارة الإسلام، وأن ذلك التصور أصبح واضحا منذ القرن الثالث الهجري"[13]. وقد آلت هذه الحركة على نفسها أن تنصت إلى الإشكالات التي ينضح بها الواقع، وتبحث أن أجوبة لها، وقد كان النموذج هنا هو بديع ابن المعتز لأنه الأول والأصيل في مقامه، ولأنه من القليل النادر أن نجد من يأتي بعده لا يعتمد عليه أو على الأقل يشير إلى سبقه و ريادته، يقول الأستاذ:" أما ابن المعتز فقد واجه الخطاب الأدبي من داخل مجاله الثقافي، واستمد صنوف بلاغته من مادة الأدب العربي، ولم يكن في نفسه من أرسطو ما يستلزم الإشارة إليه. وأنى لابن المعتز أن يستخلص مقاييس الجمال الأدبي في لغة العرب، إذا لم يستند في تصوراته إلى روائع أدب العرب"[14]. فموضوع الاشتغال والذي هو القرآن وروائع الشعر العربي شغلا الباحث فيهما على النظر في شيء آخر، وفرضا عليه أن يختط طريقا جديدا متفردا يتواءم معهما. وهذه الطريق هي حركة التأليف في الثقافة العربية الإسلامية.

ج- الاهتمام بأخلاق العلم أو ربط العلم بالعمل

لقد غدا واضحا أن الحضارة الغربية عند انطلاقتها وخلال تطورها ارتكزت على العلم وضربت صفحا عن الأخلاق، وقد ترتب عن هذا الاعتبار مجموعة من النتائج السلبية التي تعوق عملية التطور حتى على صعيدها العلمي. ومن هنا ارتكز مشروعه على البعد الأخلاقي للعلم واعتبر أن لا فائدة في أي علم بدون أخلاق.

وهو هنا يتابع فكرة رسخها طه عبد الرحمان من خلال مشروعه يقول الأستاذ:" وقد سعى في مشروعه إلى تأصيل رؤية أخلاقية، بل ويمكن القول إن مشروعه أساسه الأخلاق؛ وهو أساس يفتقده الغرب في اندفاعاته نحو الحداثة بدون ضوابط أخلاقية. وتفتقده الفلسفات الغربية الحديثة بتصوراتها العقلانية غير مشروطة، وتفتقده الدول التي ارتهنت لغيرها، وربطت مصيرها الفكري والحضاري به، وتفتقده الدول التي تحدثت عن تخليق السياسة والحياة العامة، بعد أن افتقدت تخليق الحياة الخاصة"[15]. وقد تجلت هذه الرؤية من خلال إحكام الصلة بين العلم والعمل واعتبار أن وظيفة العلم أن يتحول إلى سلوكات عملية في حياة الناس، يقول:" ولا قيمة لعلم لا تتوافر فيه شروط ثلاثة، أن يكون مما تدعو الحاجة إليه، ومما ينتفع به، ومما لم يسبق إليه".

على سبيل الاستخلاص:

بعد هذه الرحلة في تصنيفات أستاذنا الدكتور عباس ارحيلة يمكننا أن نستخلص أن هذا المشروع يرتكز على مجموعة من المصطلحات أهمها الإبداع والأصالة والتمييز، كما تبين أن الغايات الكبرى التي يرنو إليها تتجلى في زرع الثقة المفتقدة في الذات العربية عبر استثمار ما تراكم في حضارتنا من ظواهر متألقة وشخصيات بارزة، وكذلك عبر قطع الطريق على كل نزعات التغريب والارتماء في أحضان الآخر، والتعامل مع الآخر من منطلق التفاعل الإيجابي الذي يعبر عن وجود ذات عارفة وممتلئة قادرة على البدل والعطاء، وقادرة على الإجابة على ما تتطلبه اللحظة من رهانات وتحديات.

[بحث ألقي في الندوة الدولية التكريمية لفضيلة الأستاذ: د.عباس أرحيلة التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية-مراكش-المغرب يومي 6-7 ماي 2010، وسينشر ضمن مؤلف جماعي قريبا]


[1] - عباس ارحيلة، مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع، المطبعة والوراقة الوطنية، ط 1، 2003، ص 21.

[2] - عباس ارحيلة، نظرات في مشروع الدكتور طه عبد الرحمان، منشورات مقاربات، 2008، ص 5.

[3] - عباس ارحيلة، مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع: ص 33.

[4]  - عباس ارحيلة، مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع: ص 13.

[5] - عباس ارحيلة، أبو حامد الغزالي ومنهجه في التأليف، المطبعة والوراقة الوطنية، ط 1، 2009: ص 27.

[6] - عباس ارحيلة، تجربة رائدة في البلاغة العربية، قراءة في كتاب البديع لابن المعتز، المطبعة والوراقة الوطنية، ط1، 2009، ص 48.

[7] - عباس ارحيلة، نظرات في مشروع الدكتور طه عبد الرحمان: ص 8.

[8] - عباس ارحيلة، تجربة رائدة في البلاغة العربية: ص 19.

[9] - عباس ارحيلة، مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع: ص 25.

[10] - عباس ارحيلة، الكتابة وصناعة التأليف عند الجاحظ، المطبعة والوراقة الوطنية، ط 1، 2004، ص 18.

[11] - عباس ارحيلة، تجربة رائدة في البلاغة العربية: ص 59.

[12] - عباس ارحيلة، أبو حامد الغزالي ومنهجه في التأليف: 10-11.

[13] - عباس ارحيلة، مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع: ص 8.

[14] - عباس ارحيلة، تجربة رائدة في البلاغة العربية: ص 102.

[15] - عباس ارحيلة، نظرات في مشروع الدكتور طه عبد الرحمان: ص 14.

 

 

(0) تعليقات
من ابنكم وحافظ ودكم



الأستاذ الأديب :
الحسين أيت سعيد


عنوان قصيدة:

من ابنكم وحافظ ودكم الحسين أيت سعيد

 

شيخنا المفضال، العلامة الدكتور عباس أرحيلة، كنت أود أن أرث فيك هذا اليوم بالفرض والتعصيب معا، وذلك بإلقاء كلمة تنويهية صادقة  في حقك، وفاء لك،  إلا أن الإخوة المنظمين لهده الندوة، ورثوني فيك بالفرض فقط دون التعصيب، وذلك بإلقاء قصيدة شعرية  في التنويه بكم وبجهودكم العلمية الخيرة التي استفدنا منها كثيرا ولازلنا.

 وهذه القصيدة قد صيغت هدا الصباح، وكأنها إلهام من الله تعالى، ألهمنيها لأهديها لك، فتقبلها مني بعجرها وبجرها، وهلهلة نسيجها، والكرام مثلك دأبهم الإغضاء، وقبول معاذير أمثالي الدين لم ينشغلوا بالشعر وإنما بشيء آخر، والشعر لهم صناعة تكلفية.

 وتتكون هذه القصيدة من خمسة عشر بيتا، من البحر الطويل، ومطلعها:

 

سلمتَ من الأذى ومن حَيف ظالم

وفـزت بنيل المكرمات العـظــائم

أرى فيك للـمجد الأثــيل منارة

          تــنير السبــيل في احتلاك المعالم

حبيبي لـك الوداد والودُّ شـافـع

لــذي الود في إسقاط تـلك المغارم

إذا ساد أهل الفضل سادت فضائل

من الحـلم والتـقى ونُبل المـكارم

نــفوس لها في المجد أكبر عائــد

وأعـظم جـزْل في اكتساب المـغانم

تنم أصالة النفوس عن الغــــنى

غنى النفس لاغنى الحطام الـــمُزاهم

وذو هـمة قـعـسا ينــال جدوده

بعـزم وحـزم واستباق الــمزاحم

وللسعد أهل يرتقون ســـــماء

وللنكــد جند في حضيض المذامـم

معادن صدق في الورى لـــعزيزة

وخـل نصـير في قـراع الصـوارم

نفوس أبت إلا المَـــباجل والـــعلا

وشـوقا إلى ظـل ظليـل ودائــم

صَدوع بقول الحق يرنو إلى التي

بها نحـتـمي من عاديات الــقواصم

جهور بما يحجو صـوابا منافح

عـن الصدق لا يهـاب لـومة لائم

يكع الغشوم أن ينال منــاله

ويُصـفع في القـفـا بشـتى الهزائم

أرى لك في الورى قبولا وهيـبة

وخُلْــقا كريما مسندا بــدعائم

فأنت مثال للنزاهة والوفا

ونكران ذات في طـلاب الجـسائم

 

ملاحظة:

 هذه القصيدة ألقاها د. الحسين آيت سعيد، بمناسة الجلسة التكريمية التي نظمها النادي الأدبي ومؤسسة البشير للأستاذ عباس أرحيلة، السبت 6 مارس 2010

 

 

 

 

(0) تعليقات
حضور أبي حامد الغزالي في كتابات الدكتور عباس ارحيلة

 

                                                       

د. محمد البوغالي 
      أستاذ باحث- مراكش

 

 

 

مقدمة: في صعوبة الكتابة حول الغزالي

يتميز أبو حامد الغزالي عن غيره من الشخصيات الفكرية والعلمية في الإسلام بتعدد التآليف والأبحاث المنجزة حوله بشكل لافت، وذلك في مجالات معرفية ودينية شديدة التنوع، منها الكلام والأصول والمنطق والفلسفة والأخلاق والسياسية والتربية...إلخ، وهذا التعدد يميط اللثام عن خاصية فريدة تميز الغزالي عن غيره من رجالات الثقافة الإسلامية، وهي المزج بين الرغبة الجامحة في الاطلاع والإحاطة بشتى ضروب المعرفة، وبين السعي الجاد والمحموم أحيانا نحو اليقين وامتلاك الحقيقة1. ولعل هذا ما جعل حصة الغزالي من دراسات الباحثين المعاصرين أكثر من حصة أية شخصية أخرى، وهي حصة نعتقد أنه لم ينافسه أحد فيها إلا العلامة عبد الرحمن بن خلدون.

إن إطلالة على البحوث والدراسات المنجزة حول الغزالي تظهر مدى تطور وتقدم البحث في تراث حجة الإسلام، وهذه نماذج وعينات تشهد على ذلك: ففي مجال السيرة الذاتية ألف عبد الدايم أبو العطا كتاب "اعترافات الغزالي أو كيف أرخ الغزالي نفسه". وفي مجال الأخلاق كتب زكي مبارك: "الأخلاق عند الغزالي"، وكتب خواجة، أحمد " الآداب التعاملية في فكر الإمام الغزالي". كما كتب محمد البهي "الغزالي: فلسفته الأخلاقية و الصوفية". 

وفي مصادر المعرفة ألف حمانة البخاري كتاب "الإدراك الحسي عند الغزالي : دراسة نفسية مقارنة"، وألف محمد إبراهيم الفيومي كتاب "الإمام الغزالي و علاقة اليقين بالعقل". وألف سليمان دنيا "الحقيقة في نظر الغزالي". 

وفي مجال علم الحديث كتب محمد بن عقيل بن علي المهدلي: " الإمام الغزالي وعلم الحديث". وعن مفهوم الإنسان، ألف عيسى عثمان: " الإنسان عند الغزالي" ترجمة خيري حماد. وألف زكي محمود عدل الدين سالم كتاب: " الإنسان في فلسفة الغزالي وتصوفه". أما في مجال التعليم فقد كتب حماني بوخاري: " التعليم عند الغزالي"، وفي مجال السياسة كتب محمد أيت وعلي كتاب:" السلطة السياسية عند ابي حامد الغزالي".

لقد كتب عن الغزالي الكثير إلى درجة أنه يبدو إصدار كتاب آخر عنه نوعا من الحشو الزائد2. لكن من المؤكد قطعا أن الأمر ليس كذلك بخصوص الكتاب الذي نقدمه اليوم للدكتور عباس ارحيلة.

1- دواعي الكتابة عن الغزالي :

الدكتور عباس ارحيلة يكتب عن الغزالي ومنهجيته في التأليف كما هو مثبت في عنوان الكتاب الذي نتشرف اليوم بتقديمه والمساهمة في قراءته3، لكن اختيار الغزالي في حد ذاته يستبطن سؤالا عن عمق التأثر والإعجاب بهذه الشخصية  إلى درجة الكتابة عنها؛ من هنا يبدو مشروعا السؤال التالي: لماذا الكتابة عن الغزالي؟ الشخصيات العلمية التي سبق أن كتب عنها عنها الدكتور عباس ارحيلة يجمعها خيط ناظم وهوالنقد والبلاغة عموما أو البحوث الإعجازية خصوصا. صحيح أن كتاب مقدمة الكتاب يفتح مجالا واسعا يمكن أن تكون انشغالاته قريبة من الاهتمام بمنهج التأليف كما سنرى، لكن الحديث عن منهج التأليف هو بالتأكيد أعم من الحديث عن مقدمة الكتاب، فبين الموضوعين عموم وخصوص. من هنا نعتقد بإمكانية أن يكون للكتابة عن الغزالي سياق آخر مستقل عن السياقات الأخرى التي أطرت الكتابات السابقة للدكتور عباس ارحيلة.

لندع مسألة السياق الذي أطر تأليف الكتاب، وهو أمر سنعود إليه بعد قليل، ولنترك الدكتورعباس ارحيلة يتحدث عن نفسه بخصوص دواعي كتابته عن الغزالي. يعرف المؤلف موضوع كتابه بأنه بحث في فكر الغزالي وتأمل في منهجه ودراسة لطريقته في تأليف كتبه عامة4. أما لماذا الغزالي بالذات، فيجيب المؤلف بأن الاختيار راجع لأسباب ستة. ولا شك أن ترتيبها ينم عن أهمية كل سبب من الأسباب مقارنة مع الباقي. فسبب التأليف راجع بدرجة أولى  لكون الجانب المنهجي في المشروع الفكري للغزالي وما يتعلق بكيفية تأليفه لكتبه ومهارته في هندستها، لم ينل ما يستحقه من عناية من لدن الباحثين، وذلك بالرغم من كثرة ما كتب حوله. ولعل هذا السبب لوحده يعد كافيا يستدعي الكتابة حول منهج الغزالي في التأليف، فالموضوع على أهميته غير مطروق، وأهمية أي كتاب نابعة من أهمية موضوعه وفرادته، خصوصا إذا كان عن شخصية مثل الغزالي غارقة في أبحاث الباحثين ودراسات الدارسين.

أما باقي الدواعي التي حدت بالمؤلف إلى الكتابة عن الغزالي فهي في الواقع مسوغات البحث في الغزالي أكثر منها دواعي التأليف في منهج التأليف حول الغزالي. إنها أسباب تثبت جدوى البحث في الغزالي، وهي مرتبطة بشموخ شخصية الغزالي وجدارته بأن يتخذ موضوعا لأية دراسة، ويمكن إجمالها في العناصر الآتية5:

-    الغزالي مجدد القرن الخامس الهجري جاء بعد ان استقرت مناهج التأليف في الثقافة الإسلامية، وهو ممن عنوا بوضع معايير ثابتة لتقويم الفكر والسلوك.

-         وصف الغزالي بأمير الكتاب لتفننه في تصنيف كتبه ودقته في تحديد القضايا.

-         لأن أبا حامد شهد له بالتبحر في العلوم وهو من أغزرهم كتابة

-    لأنه دخل معترك الفكر من جوانبه المختلفة، وأصبح حجة يستدل به، وظل حضوره قويا على امتداد تاريخ الثقافة العربية.

-    لمحاولته تأسيس فلسفة مستقلة عن الفلسفة اليونانية ووقوفه سدا في وجه النحل الوافدة الغازية، وإدخاله المنهج الفلسفي المنطقي في معالجته للقضايا الدينية، وجرأته في تحرير الفكر من التقليد والبدع.

-          

2- صلة الكتاب بمشروع الدكتور عباس ارحيلة:

دشن الدكتور عباس ارحيلة بكتابه عن مقدمة الكتاب مجالا جديدا لدراسة التراث النقدي والبلاغي العربيين، وبحسب ما يورده المؤلف، فإن كتابه عن الغزالي هو محاولة لرصد بعض نظرات حجة الإسلام لمنهج التصنيف مستفادة من بعض كتبه عامة ومن مقدماتها خاصة؛ يقول:" وقد ساقني إلى هذا المنحى من فكر الغزالي اهتمامي بمقدمة الكتاب في الثقافة العربية الإسلامية بشكل خاص؛ وبمنهجه في التأليف في حضارة الإسلام بشكل عام6".   

من هذا المنطلق يمكن القول أن كتاب الدكتور عباس ارحيلة هو أوسع كتاب يتناول الكتابة والتأليف عند أبي حامد الغزالي، فموضوع الكتاب لم  يشكل انشغالا أساسيا ومستقلا عند دارسي الغزالي، فكان قصارى ما أنجزنه دراساتهم هو رصد بعض الخصائص المنهجية التي ميزت تآليف الغزالي. من هنا فأهمية كتاب الدكتور ارحيلة لا تكمن فقط في إفراد مسألة منهج التأليف عند الغزالي بكتاب خاص، وإنما أيضا في جمع شتات المادة المتعلقة بملاحظات الباحثين السابقين بخصوص الكتابة والتأليف عند حجة الإسلام. والكتاب لا يقف عند حدود تجميع العناصر المتفرقة في دراسات الدارسين، بل هو ينبض بذاتية وبخصوصية واضحتين في كل قضية من القضايا المثارة بين دفتي الكتاب. فقد أتاح له اهتمامه بقضيتي مناهج التأليف وبمقدمة الكتاب في الثقافة العربية الإسلامية  رصد العديد من الظواهر المنهجية التي أغفلها السابقون بحكم الطابع الشمولي الذي ميز دراساتهم.

وقد صنف المؤلف مواقف القدماء والمحدثين في ما يخص مميزات كتب الغزالي، فذكر أن ملاحظات القدماء7 ركزت على جوانب متعددة من بينها:

-         تميز كتب الغزالي بحسن الوضع والترتيب وتحقيق الكلام

-    اعتبار الغزالي أحد الأئمة في التصنيف كما وصفه بذلك محمد بن الحسن الواسطي  ( = إمام المصنفين، أو أمير الكتاب كما سيصفه لاحقا المستشرق الأمريكي صمويل زويمر الذي قد يكون استعار وصفه للغزالي بما سبق أن وصفه به الواسطي قديما )

-    مراعاة الغزالي مراتب الناس ما بين عامة وخاصة في تآليفه، ولذلك تراوحت كتبه بين البساطة والعمومية في تناول الموضوع، والعمق التركيز  تبعا لمستوى الفئة التي يستهدف أبو حامد مخاطبتها. وهذه ملاحظة أشار إليها المحدثون أيضا.

-         جودة الكتب وترتيبها بلغ مستوى غير مسبوق.

أما المحدثون8 فمن بين الجوانب التي تركزت عليها ملاحظاتهم ما يلي:

-         تميز تآليف الغزالي بالانضباط وفق منهج منطقي منظم.

-         غزارة إنتاجه وتنوعه

-         وضوح الأفكار وتنسيقها وتبويبها وتصنيف الموضوعات

وينفرد الأستاذ عباس ارحيلة بتصنيف خاص لموضوعات مؤلفات الغزالي، فهي عنده تدور حول ثلاثة محاور9:

1-     تجربته في حياته العلمية: آراؤه وملاحظاته.

2-     ترسيخ هوية الإسلام بالكشف عن حقيقتها وعمقها النفسي والاجتماعي بصورة منهجية.

3-     محاربة الباطنية وتسفيه ما في الفكر الوافد من أوهام.

أما الرؤية المنهجية في مشروع الغزالي فهي تتركز بحسب الدكتور عباس ارحيلة في العناصر التالية:

-         إعادة بناء الفلسفة ( والغزالي عند المؤلف فيلسوف أصيل ومميز)

-         حب اكتشاف الحقيقة

-         تشكل المشروع حول هوية إسلامية

-         الملاءمة بين العقل والنقل في المشروع الفكري

-         استقلاله بمنهج خاص

ويلاحظ الدكتور ارحيلة أن قضية المنهج في تصانيف الغزالي قد تحولت إلى هاجس يشغل باله وهو يتابع واقع التأليف العربي آنذاك، ويسوق من نصوصه ما يبرز وعيه بخطورة المنهح ومن تم يختط لنفسه منهجا معينا بعد استعراضه للإمكانات المنهجية التي تتيحها الكتابة وتعدد الموضوعات ومقاصد المؤلفين، ويقف عند مزايا وآفات كل منهج من المناهج10.

يتضح من خلال التصنيف السابق لأعمال الغزالي وخصائص مشروعه الفكري أن الدكتور عباس ارحيلة يولي عناصر بعينها أهمية خاصة في تناوله للغزالي، أو لنقل إنه يعيد تقويم تلك العناصر وفق تصور خاص يحدد سلم أولويات واضح يصوغ المؤلف درجاته بوعي ووضوح تامين، بمعنى آخر: إن للدكتور رحيلة رؤية معينة بخصوص الغزالي، وهي رؤية منبثقة من هموم موضوعية معاصرة يحياها الدكتور ارحيلة كمثقف ملتزم بقضايا عصره، ويتخذ منها مواقف ثابتة. ويمكن أن نحدد أهم عناصر هذا التصور في ما يلي:

أ:خطر التأثير الفكري الخارجي:

الدكتور ارحيلة يقرأ الغزالي تحت وطأة إحساس حاد بخطر التأثيرات الفكرية المعاصرة وإفسادها لفكر المسلمين، بهذا المعنى يصير الغزالي فيلسوفا راهنيا، أو لنقل إن الدكتور ارحيلة يستدعيه لإنجاز نفس الدور التاريخي الرائد الذي قام به في " فضائح للباطنية"، وهوأكثر كتب الغزالي تفضيلا عند الدكتور ارحيله، لأن فيه فضحا للمذاهب الفكرية المعادية للإسلام والتي تسعى إلى التلبس به من أجل تقويضه من الداخل وإفراغه من محتواه الروحي والإجتماعي. من هنا كان ترسيخ هوية الإسلام والكشف عن حقيقتها وعمقها نفسيا واجتماعيا من أهم العلامات الفارقة التي تميز مشروع الغزالي كما رصده الدكتور ارحيلة. هكذا تصبح الباطنية إطارا عما يتعالى على دلالاته الخاصة المحكومة بتاريخها الخاص، وتصبح رمزا عاما يشمل كل "النحل الوافدة الغازية" المضرة بالإسلام وحضارته. أي أن المؤلف نجح في جعلها إطارا عاما وحقيقة ملازمة للواقع الفكري والسياسي الإسلامي المعاصر، وليست موضوعا باليا متحفيا مركونا في زوايا التاريخ، وهي تستغرق قديما وحديثا كل التيارات الفكرية الخارجية التي تكيد للمسلمين وتحاول فصلهم عن هويتهم وقيمهم ومقوماتهم الذاتية الأصيلة.

ب:النخبة المثقفة وخطر التقليد:

امتدح الدكتور ارحيلة كثيرا في الغزالي مزية البحث عن الحقيقة وشغفه بملاحقتها واتخاذه لها شعارا ميز كل مراحله الفكرية. كما لاحظ لاأن البحث الدائم عن الحقيقة لا ينفك عن مزية أخرى ظل حجة الإسلام وفيا لها طيلة حياته، وهي الإبداع والنفور من التقليد. من هنا تمخضت رؤيته للفلسفة عن نقد قاس ولاذع للفلاسفة المسلمين أفضى به إلى تأسيس فلسفة إسلامية بديلة. من هنا ينضم الدكتور ارحيلة إلى فئة الدارسين الذين رأوا في الغزالي فيلسوفا مبدعا وليس مجرد متكلم سعى إلى هدم الفلسفة. علما بأن دارسين ومؤرخي فلسفة أخر أقصوه من دائرة الفلسفة وجعلوه خارج تواريخهم ودراساتهم الفلسفية. ما فعله الغزالي بمتفلسفة زمانه حينما نفى عنهم الأصالة والإبداع وجعلههم مجرد تلانذة صغار في صف أساطين الفلسفة الإغريقية هو ما نلمحه في الإشارة المبطنة إلى المشتغلين بالفلسفة في حاضرنا؛ فالدكتور ارحيلة يقصد بإثارة نقد الغزالي لمعاصريه، نقده هو الآخر لمتفلسفة عصره ممن استهلكهمكم التقليد.

ج: قوة الكتابة وسلاح المنطق:

         إذا كانت أهمية الغزالي في لحظته الراهنة الخاصة لا تتضح إلا بالتأكيد على طبيعة المهمة الشاقة التي أنجزها في سياقه التداولي العام الذي هو زمن الثقافة العربية الإسلامية بعده بأكمله، وهي المهمة المتمثلة في تصديه للأخطار الفكرية والسياسية للباطنية، وفي كشف تهافت الفلسفة الإسلامية المشائية  وتصدعها الداخلي وقابلتها الذاتية للتحطيم ( كما تشير إلى ذلك كلمة تهافت)، فإن إنجازه لذلك لم يكن ليتم إلا من خلال تمكنه المحكم من المنهج الفلسفي وتبنيه المطلق للمنطق في معالجة القضايا الدينية سواء أكانت كلامية أم أصولية أم أخلاقية. أي أن رفضه للتفلسف وللمسلمات الفلسفية المشائية (السينوية والفارابية تحديدا) لم يمنعه من توظيف الفلسفة والمنطق كفاعلية ونشاط فكريين، كسلاحين أحسن استخدامهما في مواجهة خصومه، وهنا بالذات تكمن خصوصيته.

 

3- الغزالي وسؤال النهضة:     

عندما كان الدكتور ارحيلة بصدد تبيان موقف الغزالي من التقليد، ورفضه الانسياق وراء التصورات التقليدية في الفكر اليوناني، وهي التصورات التي لاقت إعجابا كبيرا من لدن فيلسوف إسلامي كالفارابي مثلا، عندما كان بصدد ذلك لم يجد في المشهد الفكري المعاصر شخصية فكرية دالة يمكن أن يستحضرها للتعبير عن نفس الموقف المتحرر من التقليد في مجال الفلسفة إلا المفكر طه عبد الرحمان. إن التأكيد على هاته الشخصية الفريدة المغردة خارج سربها، هو إلغاء لشخصيات أخرى حاضرة بقوة في المشهد الفكري والفلسفي المعاصر، حاضرة بطروحاتها النظرية ومشاريعها الفكرية وبمواقفها الإيديولوجية. لكن الدكتور عباس ارحيلة غض الطرف عنها جميعا واستل منها جميعا طه عبد الرحمان المجدد والمبدع والمتشكك. ولهذا صدرت منه صيحة إعجاب عبر عنها بقوله:" وكان هذا موقف د. طه عبد الرحمان من الفلسفة قديمها وحديثها، بالكشف عن ضآلة شأنها على عقيدة المسلمين وفكرهم في القديم، وبالكشف عما زرعته في بعض العقول من أوهام عبر الأزمان، وما كان لها من خلفيات صهيونية في العصور الحديثة، وما ألحقته من دمار بالفكر الحديث باسم التحرر والحداثة، وما أوقعته بالفكر العربي من تبعية وتقليد في القديم والحديث على حد سواء11".

بهذه الإشارة من الدكتور عباس ارحيلة إلى طه عبد الرحمن في معرض حديثه عن الغزالي تنكشف الاهتمامات الراهنة للمؤلف، ويتضح أن التاريخ لا معنى له إلا بمقدار ما يبعث فينا من طاقات وقدرات على مواجهة تحدياتنا الخاصة. لقد رأى الدكتور عباس ارحيلة في طه عبد الرحمان12 غزالي العصر، أي أنه ينجز في مرحلته الراهنة نفس ما سبق أن أنجزه الغزالي في عصره: مواجهة التقليد الفكري والدعوة إلى التجديد ومقارعة المذاهب والنحل والفلسفات الوافدة التي تخلب ألباب المشتغلين بالفكر وتحيلهم مجرد متلقين سلبيين.

إن هذا الجانب هو بالضبط ما عنيناه حينما تحدثتنا في البداية عن سياق الكتاب، وقلنا إنه سياق مخالف لا تحركه فقط متطلبات وهواجس البحث العلمي الرصين الذي أنجزه الدكتور ارحيلة على مدار سنوات طويلة وأخرج فيه إلى النور سلسلة من الآثار العلمية والفكرية الرائدة، وإنما تمتاز أيضا بهمومها الفكرية ورغبتها في التغيير والخروج بالعقل العربي والإسلامي من أزمة الركود والتخلف. وهذا هو ما جعل الخطاب في هذا الكتاب يتراوح بين الانتماء إلى خطاب البحث العلمي ومناهجه من جهة وبين الانتماء إلى خطاب الإصلاح والتغيير، خطاب النهضة الذي يقدم إجابته على سؤال قديم وجديد في الآن نفسه: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟

 بهذا الكتاب يدخل الأستاذ عباس ارحيلة إلى رحاب البحث في الغزالي من باب مختلف ومستقل عن المداخل المعروفة التي ولج بها الدارسون والكتاب عالم حجة الإسلام؛ وكأن المدخل إلى الغزالي من وجهة نظر الدكتورعباس ارحيلة لا تتحقق إلا عبر خاصية طالما أكد عليها وهو يدرس الغزالي، إنها خاصية الإبداع والاستقلال والتحرر من التقليد والتبعية، وابتكار موضوع ومنهج خاصين. هكذا إذن يحتفي ارحيلة بالغزالي المجدد والمبدع، بكتابة مبدعة ومجددة مستقلة وغير مسبوقة، وينضم بكل استحقاق إلى ركب الباحثين الغزاليين13. 

بهذا المعنى يصبح الغزالي حاضرا ليس فقط في كتاب الدكتور عباس ارحيلة " أبو حامد الغزالي ومنهجه في التأليف"، ولكن في كتبه جميعها، إلى درجة أن روحا غزالية تملأ تلك الكتب  وتسمها بعناصرالتجديد والإبداع والإصلاح المفعمة بنبض الحياة ونضارتها وإشراقها .

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

 

1- را: فاروق ميثيا، الغزالي والإسماعيليون، ص 17.

2- من المؤلفات الأخرى الدقيقة التي استهدفت معالجة موضوعات جزئية هناك.
مؤلفات الغزالي / تأليف عبد الرحمن بدوي .
مفهوم السببية عند الغزالي / أبو يعرب المرزوقي .
منهاج البحث عند الغزالي / تأليف عادل زغبوب .
منهج البحث عن المعرفة عند الغزالي / فكتور سعيد باسيل .
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي / رفيق العجم 
نظرية العلم عند الغزالي : دراسة نقدية لطرق المعرفة / محمد محمود رحيم الكبيسي .

3- عنوان الكتاب: " أبو حامد الغزالي ومنهجه في التأليف". اط1،المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 2009.

4- را:م ن، ص 9.

5- را: م ن، ص 10، 11.

6- را: م ن، ص 11.

7- را:م ن، 38- 40.

8- را: م ن، ص 41، 42.

9- را:م ن، ص 42.

10- را: المناهج عند الغزالي  بالنظر إلى المعنى تتراوح بين العمق والسطحية وبالنظر إلى اللفظ تتراوح بين الإطناب والاختصاروبالنظر إلى المقصد تتراوح بين التطويل والاقتصار. را: م ن، ص 86، 90.

11- را: م ن، ص 66.

12- سبق أن صدر للدكتور عباس ارحيلة كتاب مستقل بعنوان: نظرات في مشروع الدكتور طه عبد الرحمان، منشورات مقاربات 2008.

13- على غرار ما يقال عن الباحثين في ابن رشد: الرشديون، وما يقال عن الباحثين في ابن عربي: الأكبريون.

 

 

 

(0) تعليقات
عبد السلام الخرشي


فضيلة الأستاذ : د.عبد السلام الخرشي

 وهو يقدم  شهادته في حق د.عباس أرحيلة

 

الحمد لله

والصلاة على رسول الله وآله وصحبه وسلم

    

كلمة في حق الرجل الفاضل أستاذ الأساتذة الدكتور عباس أرحيلة

بمناسبة تكريمه بمراكش بتاريخ 6 مارس 2010.

 

قال الله عز وجل :

 "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا" سورة مريم ، الآية : 97   

 

        وعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم :  أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه ؟ قال: " تلك عاجل بشرى المؤمن ".   صحيح مسلم : 2642    

وأنشد أبو العالية الريحاني:

إذا أنا لم أشكر على الخير أهله***      ولم أذمم الجبس اللئيم المذمما

ففيم عرفت الخير والشر باسمه***      وشق لي الله المسامـع والفما

الأمالي لأبي علي القالي ، ج : 2 ، ص : 155

 أما بعد :

فإني أحيي النادي الأدبي بمراكش رئيسا ومكتبا و أعضاء تحية إجلال وإكبار،  وأتمنى له مزيدا من السداد والتألق في مهامه و أهدافه النبيلة .

        وأعتز بمؤسسة البشير النموذجية العتيدة الأنيقة التي تستمد سيرورتها وثباتها - بعد الله تعالى - من طاقمها الإداري ذي التكوين المتين والتجربة الواسعة، وأخص بالذكر المؤسس العام والمدير العام ، ومن أساتذتها المختارين المتميزين وأعوانها المهتمين المهذبين. فطالما ضحت وبذلت وقومت وصبرت وتحملت لتبقى وفية للأساس الذي بنيت عليه ، فقد بنيت على تقوى من الله ورضوان وهاهي في يوم الناس هذا تضيف - بمعية شريك محترم مقتدر يمثل نخبة من المثقفين المرموقين - جوهرة نفيسة إلى عقدها الثمين تتجلى في احتضان ورعاية حفل بهيج يكرم فيه علم راسخ من أعلام الثقافة الحقة والمعرفة الشاملة، واليقظة المتقدة ، ويحتفى فيه بشخصية صلبة متماسكة في هدوء ولين يغريان أنصاف المثقفين فيحاولون التسلق ولكنهم يسقطون على أم رؤوسهم ، فيبتسم صاحبنا إشفاقا ، وكأن لسان حاله ينشد:

يا ناطح الجبـل العالـي ليوهنـه *** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

وينوه الناس فيه بمرب يسكن في قلعة حصينة ذات أسوار شاهقة لبناتها: الوفاء والصدق والعفة والعزة والتواضع و الأمانة والحياء...

      إن المكرم ، و المحتفى بشخصه ، والمنوه به هو :

الرجل الفاضل المهاب أستاذ الأساتذة الدكتور :

سيدي عباس بن احمد ارحيلة

     وهذه - باختصار شديد - شهادتي الصادقة ، بما يتواءم - نسبيا - مع الزمان و المكان و الإنسان :


أولا: مع المحبرة إلى المقبرة


   في كتاب : مناقب الإمام احمد ، ص : 55، لأبي الفرج عبد الرحمان بن الجوزي : "... حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ، قال : رأى رجل مع أبي محبرة فقال له : يا أبا عبد الله ، أنت قد بلغت هذا المبلغ ، وأنت إمام المسلمين؟ فقال : "مع المحبرة إلى المقبرة". وليقابلني مكرمكم  بالصفح إن أفشيت سره وسط الملأ وقلت : إنه مبتلى ببلية الإمام أحمد ليس في وسعه إخفاء أعراضها ، وأنا حديث العهد بمشهد له وهو يدون ويحلل ويؤصل وينظر ، غير عابئ بأن جمهوره فرد واحد ، وأنه يلفظ اللؤلؤ والمرجان .

   واستفحل أمر صاحبكم حتى ما أعرف وسيلة من وسائل المعرفة قديمها وحديثها إلا حاول تذوق نتاجها أو اعتصاره  أو تخزينه إلى حينه ، وليت شعري ما بال أمثال هذا الصنف في الأمة من القلة بمكان ، وهل تنهض أمة هم الكبريت الأحمر فيها؟؟ وتأكد - من زمان غير قصير - عنده ما بين العلوم والمعارف من وشائج وتراسل ، فراعى البذرة وتعهدها بشكل بين في مؤلفاته فكانت السلك الذي ينتظمها والقاسم المشترك بينها أتاح للدارس أن يسم نتاجه بالشمول ويقر له - راغما - بالتكامل المعرفي في المستتلى للعمق والوضوح اللذين قلما يتوفران  في الأعمال المراد لها أن تتبوأ الصدارة  وتستقطب من يتجر في الثقافة بالجملة بالأصالة والمقسطين بالتبع.

 وهذا التكامل المعرفي الفصيح مدعوم بثقافة شعبية رصينة وواسعة لا تنفلت وحدة منهما من عيبته وهي موظفة تارة بتقنية لا تهيج الزميت ، وفي معظمها احتياطي يلجأ إليه عند الحاجة وإذا كان الظرف يفرض إغلاق هذا الملف فليكن بقفلين:

- التكامل المعرفي – عند سيدي عباس – نور يعشي الخفافيش  ويزعجها ...

- التكامل المعرفي عنده نضج واختمار وفعالية...

 

ثانيا: موافقة الخُبْرِ الخَبَرَ:


     هذا كتاب للحافظ ابن حجر ، خرج فيه أحاديث المختصر في علم الأصول لابن الحاجب يقع في مجلدين ، وهو كاسمه في بابه ، ومن ثم حبب إلى أن  أجعل   عنوانه  ترجمة  لمنقبة لمستها في أخينا تطبع سلوكه وتصرفاته ؛ ففي  عملية   رصد تبين لي أنه معافى - بحمد الله - من ذلك الفصام النكد الفاصل بين النظر والتطبيق ، بين الفكر والعمل، بين الثقافة و المعاملة ؛ فكم  ممن يدعى مثقفا  معوج زائغ الكعوب أبى بعد طول الغمز أن يتقوما ؛ وإن كانت هذه  الحالة مستساغة في كثير من المنظومات الفكرية ، ولا تحدث حرجا عند منتحليها ، فإنها في توجهات ومكونات سيدي عباس ومن على شاكلته تلحق الفاعل بالمشبه به في قول الله عز وجل :" مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " الجمعة :5

ومن ثم فلا مندوحة عن موافقة الخبر الخبر عقلا وإحساسا وجسما وفي العلائق الأربع : بالله وبالنفس وبالآخر وبالأشياء.

    

  ثالثا :

 وعاد الفتى كالطفل ليس بقابل  ***  سوى المحض شيئا واستراحت عواذله

 

من تمرس بنتاج المحتفى به ، أو أنصت إليه ، أو حاوره بغية الوصول إلى الحق ، علم أن الرجل طاف  المعاهد كلها وصير طرفه بين تلك المعاني ، وأبحر بعيدا ، واطلع على ما في الزوايا من الخبايا ، وعاد من رحلته الشاقة ، ومغامراته الخطيرة جدا سالما غانم ا، وسبب نجاته البوصلة الدقيقة التي لم تفارقه ولم يفارقها من وقت مبكر جدا من حياته ، وشاء الله أن يزداد مهارة في استخدامها عبر مسيرته العلمية ، ويزداد إدراكا لجدواها وفعاليتها ، ففي نشأته الأولى تلقى كتاب الله وفتح عينه على عائلة كل ما عندها سلامة الفطرة ، وفي المنعطف اشتغل بالإعجاز والبلاغة والنقد ، وهي مواد تفعل فعلها القوي فيمن انفعل معها بحياد فتوصله إلى بر الأمان ، ولا يزيده الاطلاع على ما عند الأغيار إلا تشبثا بما بين يديه ، فلا يبغي بحليب أمه بديلا ، فهو الوقاية من الإصابات النفسية والعقلية والجسدية .

وعاد الفتى كالطفل ليس بقابل  ***  سوى المحض شيئا واستراحت عواذله

 

 رابعا : قدرة خارقة على تثمين وقراءة وتفجير النصوص

 

بينه وبين النصوص الجيدة انجذاب ، وبينه وبين الغامض الرديء شماس ، الأولى يعرفها وتعرفه ، والأخرى ينكرها وتنكره ، وغالب ما يجمعني وإياه من ثلاثين سنة - بعد الجديد من الكتب والأخبار العلمية وأحيانا العامة - التجربة والمعاناة الإنسانية اليومية في جميع الميادين : الاجتماعية والسياسية والفنية والفكرية والعاطفية ... وعندها تعرض النصوص وتتلوها التعليقات العباسية وهي من خاص الخاص ، بحيث تستنفر فيه الحصائل العلمية ، والخبرات المدخرة ، والتجارب المعيشة والمستقاة ، فتشحن البطاريات من جديد ، وينمحي البعد الزماني والمكاني .

جاء في سياق كلامنا الثناء على التغاضي المحمود ، وأنه ضروري في الحياة وتبرز أهميته داخل الأسر وبالأخص بين الأزواج ، فاستحضرت آية نصا في المسألة ، وهي قول الله تعالى :" وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض ..." سورة التحريم الآية 3. فإذا به يجعلها نظرية ويفرع منها المصالح ويعرج على ما فيها من ضمانة لاستمرار الحياة الزوجية واستقرارها ، وعلى ما في ضدها من تنغيص وتخريب للبيوتات .

 أما أنا فقد أتحفني وأما أنتم فدونكموه أفرادا وجماعات .

ومن السنة الصحيحة : .....................................................

ومن الشعر القديم   : .......................................................

ومن الشعر الحديث : ........................................................

ومـن النـثـر    : ........................................................

 

خامسا:قال  ابن سيرين :"إني لست بخب ،ولكن الخب لا يخدعني" لسان العرب لابن منظور

 

ومن مميزات شخصيته غيابه عن الشر والعدوانية والخداع والتحطيم بالرغم من أن معظم جيله ممن يعدون في زمرة المثقفين كانوا يرون النقائص الآنفة الذكر عنصرا من عناصر الثقافة ، وكلما برزوا فيه ازداد المسالمون والمحاربون منهم مداراة ومداهنة ، وظل هذا الوهم يصاحبهم حتى إن الكثيرين نصبوا أنفسهم  أو نصبوا أئمة للجرح والتعديل ، ولا عجب أن يصبح بأسهم بينهم ، ولا ننسى  قولة أبي بكر العظيمة :" ثلاث من كن فيه كن عليه : البغي والمكر والنكث ..."وقرأ قول الله تعالى :" يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم " سورة يونس الآية ، وقوله تعالى :" ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " فاطر الآية: 43، وقوله تعالى :" فمن نكث فإنما ينكث على نفسه" الفتح، 10.

أما صاحبنا فقد استكنه الرقعة وعرف المآل مبكرا ففر بجلده وبقي بمنجاة من الشبائك والحبائل ، يتقيها وحاشاه أن يستعملها .

 

سادسا :أبرز أخلاقه الحياء

 

" وقالت تابوا الحكيمة - وسئلت : أي الألوان أحسن عندك ؟- قالت : الحمرة . قيل لها : ولما ؟ فقالت : لأنها توجد في وجوه المستحين "  لباب الأدب ، لأسامة بن منقذ ، ص 447.

ولقد جمع الدكتور العميد السيد عبد الجليل هنوش فأوعى عندما قال عنه بخصوص هذا الجانب الأخلاقي الذي هو المقياس الدقيق الذي لا يخطئ : " ... وأما الحديث عن القيم الأخلاقية التي تميز بها - أستاذي الفاضل عباس ارحيلة - فإن الحديث عنها لا يكاد ينتهي".

وأنا رصدت فيه الصدق والأمانة والعزة والتواضع ... ولو سئلت عن أبرز أخلاقه بناء على المدة وقربي منه لقلت : إنه الحياء الشديد ، فهو فيه سجية ، وهو جماع كل خير .

 

سابعا: قال لقمان بن عاد : "رب أخ لم تلده لك أمك"

 

موسوعة أمثال العرب ، إعداد الدكتور إميل بديع يعقوب

و قال أبو تمام من قصيدة يمدح فيها علي بن الجهم القرشي :

إن يكد مطرف الإخاء فإننـا *** نغدو ونسري في إخاء تالد

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا  *** عذب تحدر من غمام واحد

أو يفترق نسب يؤلف بيننـا  *** أدب أقمناه مقام الوالـد

ديوانه ، ج: 1 ، ص : 402.

للإخاء معان تجل عن الحصر، و في الحياة مواقف و أحوال تستدعي تلك المعاني ، وتتطلب تجسيدها في الواقع المعيش ، و كلما كانت الاستجابة مؤدبة و من الأعماق ، نعم الإخوان أو الإخوة بالثمار اليانعة للأخوة ، واشتدت الأواصر و قويت العرى ، و انتهى الطرفان أو الأطراف إلى اطراح البهرجة و المبالغات و التكلف ، و عمل الجميع لصالح الجميع ؛ في المعنوي أكثر من المادي ، في النصح و التقويم أكثر من الإقرار و التسليم.

و سيدي عباس لا يثنيه عن المفاهيم المشار إليها في الأخوة ، إلا أن يكون لم يتخذ قرار الإخاء بعد ؛ فإن فعل ، فلأخيه منه : النصح و الزيارة و الإرشاد ، و رفق الجاه و التشجيع و النبأ البناء ، و التحذير الضروري و التعريف النافع و المسكوت عنه إجلالا أو رحمة ، و لأخيه منه : الإفاضة عليه مما حباه الله به من علم و فهم و منهجية دقيقة في التنظيم و الأسلوب و التقويم ، مع الرفق و اللين و نكران الذات.

كل هذا و غيره لمسناه و تعلمناه و حفظناه من أخوة هذا الرجل الفاضل ، زاده الله علما وفضلا وعزا وتوفيقا، وحفظه و أهله وذريته ومن يحيط به، إنه سميع مجيب، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

 

ألقيت هذه الشهادة في مؤسسة البشير الخاصة – مراكش المغرب، بمناسبة اللقاء التكريمي الذي نظمته المؤسسة بشراكة مع النادي الأدبي بمراكش تكريما لفضيلة الأستاذ: د. عباس أرحيلة، وستصدر قريبا ضمن مؤلف جماعي

 

 

(0) تعليقات
جهود الدكتور عباس أرحيلة في تأصيل النقد والبلاغة العربيين



 بقلم الأديب والناقد:
الأستاذ عبد الرحمن الخرشي


          

        تــقــديــــم واحــتــيـــاط  :

لامناص من القول : إن من يريد أن يعرض لجهود الدكتور عباس أرحيلة في تأصيل النقد والبلاغة العربيين في هذا الجو الاحتفالي - مسترخصا الجهد في الدراسة عن حسن نية - يكون كمن يريد اقتناص الشمس بغربال !! . لأن كل مابذله فضيلته من جهود في الدراسة والبحث ، وكل مابذل ؛ فكريا ، وذهنيا ، وبحثا عن المادة العلمية في مضانها داخل المغرب ، وخارجه ، باعتبارها المادة الصلبة التي أسس عليها مشروعه العلمي ؛ النقدي ، البلاغي ، التأصيلي .. كل ذلك لايمكن - بتاتا - حصره ، ولاتحديده فيما أتيح لي من الوقت.

وقبل الشروع في تناول ماالتزمت به في العنوان ، أجدني مضطرا لتسجيل هذا الاحتياط العلمي ، وأنا أزاحم هذا الجمع الغفير من نبهاء الدارسين ، والباحثين ، والعلماء ، والأدباء ، من أجل ترسيخ ثقافة الاعتراف بالجميل لمن رابط على صيانة بيضة الأمة في معقل من معاقل أصالتها في الفكر ؛ الدكتور عباس أرحيلة .. وهذا الاحتياط يجرني إلى استحضار أمرين

 
الأمـــر الأول :


مؤداه أن الدكتور عباس أرحيلة ، وهو عندي في موقع أمير الكلام ، وزعيم الخطاب لاينبغي أن أقدم بين يديه هذا العمل المتواضع ، إلا في جمال ، وبهاء ، وقوة الإناء اللغوي الذي نعرف - جميعا - أنه عمل ، ويعمل من أجل تكريسه - كما يريده هو - في نفوس طلبته ماحيوا ، وأعني بذلك : التأصيل اللغوي

الأمـــر الثاني:

وهو نتيجة للأول ؛ يتعلق بورود كلمة ( جهود ) في العنوان ، التي ربما نازع البعض في كونها لاوجود لها في معاجم اللغة القديمة ، ولافي القرآن الكريم ، لجعلها ترتقي إلى مستوى مايقدم ، ويروج له في هذا الجمع العالم باقتدار . وعلى اعتبار أن مايقدم فيه يجب أن يكون منسجما مع التأصيل بدلالته على التأثيل ، كما عند الدكتور عباس أرحيلة في إطارما استعمل في بناء مشروعه النقدي ، والبلاغي ؛ الجدير بالدراسة المعمقة ، والبحث الرصين ، وفي ظروف أفضل مما يتيحه إلي الوقت المحدد بالثواني اليوم !.. فنتيجة بحث مستفيض في معاجم اللغة ، وغيرها ، انتهيت إلى أن كلمة ( جهود ) دخلت اللغة العربية من باب المعاجم الحديثة ، كما وجدتها مما ذاع وانتشر في مجالات وحقول عدة ، قريبة مما وظفتها فيه اليوم ؛ أعني دلالتها على النشاط الذي بذله الدكتور عباس أرحيلة بوعي جسميا - جلبا للمادة العلمية من مضانها للاستعانة بها في الدراسة والبحث - وعقليا بهدف تأصيل النقد والبلاغة العربيين ، في وقت عز فيه أن نجد من يقرأهما ، ويستأنس بجلال قدرهما ، وعمق بنائهما . ومابالك السعي إلى بناء مشروع يؤصل لحضورهما في المنظومة الحضارية للأمة .

     إن الجهود المضنية - كما قيمها الدكتور أمجد الطرابلسي - التي بذل الدكتور عباس أرحيلة ، ومن خلال تتبعي لما كتب أقنعتني أنه كان يرمي إلى بناء مشرؤع علمي رصين ذي توجه حضاري بناء ، أسسه على ترسيخ جذور الذات غداة هبات ، بل هزات فكرية عنيفة لمستشرقين ، وحوارييهم ، وحواري حوارييهم من دعاة التغريب ، وملاحددة الشعوبيين ، والعلمانيين ، والماركسيين ... كما أقنعتني أنه قد دفع من الوقت ماليس باليسير ؛ قضاه في الدراسة ، والبحث ، والتمحيص ، والفحص ، والسبر ، والفلي ، والإدراك ، والتأمل ، لبلوغ النتائج ؛ وذلك كله في مسار علمي ، ونقدي حافل بالتأليف في النقد ، والبلاغة ، وفي تأثيل مجد الأمة الطارف والتليد ، وتأصيل دور العلم الحق فيها لمواجهة مناهج التشكيك ، وجحافل دعاة التغريب ، و الغزو الفكري . والأفكار المؤسسة على غياب الدقة عند أهلها في المقدمات ، وفي النتائج !! . .وكذا الأفكار المغرضة أيضا !! .

وبذلك أسس الدكتور عباس أرحيلة مشروعه العلمي النقدي والبلاغي على قاعدة صلبة ، مفادها (( أن التراث هو الوعي بالذات )) ؛ الذات المحصنة بالهوية العربية الإسلامية ، التي من الواجب بناء هويتها الحقة على الأصول النظرية الموجودة - أصلا - في الأصول ، التي أساسها الأول هوالقرآن الكريم ، الذي لامدخل إليه غير تفاسيره ، ومااشتملت عليه من مادة لغوية ، وأدبية ، ونقدية إسلامية لكونها صادرة عن النص القرآني ، أومرتبطة به .. وهذا مبرر اشتغاله على كتب الإعجاز ، وعلوم القرآن لبناء مشروعه التأصيلي ؛ النقدي ، والبلاغي . لذلك فالمتتبع لكتب الدكتور عباس أرحيلة المرتبطة بهذا الموضوع يلاحظ أنه لم يذخر جهدا في الدعوة إلى الإحساس بالذات ، والوعي بها . وجعل الذات تتغيا وعيها بوجودها القائم على الدين والأخلاق ، وأيضا العلم بما يحاك لمسخها . ودعوته إلى ركوب الأصعب في مجال الدراسة ، وبخاصة فيما تعلق بتأصيل النقد ، والبلاغة العربيين ؛ لنستمع إليه وهو يعلن عن مستوى ما قدم من جهوده العلمية الرصينة في هذا المدماك ، وذلك في مقدمة كتابه (( الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين )) - وهو لايفصح حينذاك إلاعن جهود جبارة مضنية - يقول (( وقد تتبعت تطور البيان العربي منذ عهوده الأولى حتى استوى ناضجا لأرى هل أحدثت ترجمة كتابي ( الشعر ) و ( الخطابة ) في القديم تأثيرا في النقد ، والبلاغة العربيين ، هل حولهما عن مشاغلهما ، ومجالاتهما ؟ هل أحدثا ثورة في قضايا النقد الأدبي عند العرب ؟ هل ظهرت نظرية الفن اليوناني في تصورات النقاد ؟

من هذا النص يمكن استنتاج :

      أولا

      إن ماعبر عنه الدكتور عباس أرحيلة بالتتبع - تتبع تطور البيان العربي منذ عهوده الأولى - الذي هو عمل إجرائي صرف لاشك أنه قد كلفه الكثير من البحث المضني عن المادة العلمية في مضانها الموجودة بين يديه ، أوتلك التي كلفته الاتصال المباشر ، وغير المباشرمع الغير ، بل وكلفته الكثير من المعاناة الذهنية ، والتواصلية ؛ سواء مع المادة العلمية ، أومع مجموعة من الأعلام العلماء في مقدمتهم الأستاذ الكبير أمجد الطرابلسي رحمه الله .. ويكفي أن نعرف أن هذا البحث قد كلفه مدة ست سنوات كاملة من حياته العلمية في هذا الكتاب وحده .

      ثانيا :

       إن الدكتور عباس أرحيلة ظلت تزاحمه هاجسا ، وفكرا - أثناء البحث - مجموعة من الأسئلة المؤرقة ؛ وهي أسئلة محملة باستغرابه العميق حول ماهو موجود من الآراء الخادشة لقناعته الدينية ، والفكرية ، والتي ساد في الاعتقاد أنها من الحقائق الثابتة .. لذلك شمر على االساعد للتصدي لها ، من أجل إبطالها - علميا - بالدليل الذي لايعوزه من أين يأتي به . ورغم مشقة وجدها في طريق البحث ، فهولم يحد عما ترجمه له إحساسه مما ظل ينتظره من جهود كانت الغاية منها تبديد هذا القلق الذي لايمكنه أن يزول إلا بالنتائج التي تجعل من أرسطو ضفة ، ومن النقد والبلاغة العربيين ضفة أخرى ، لاختلاف الخصوصيات ، والبناء كما ظل يعتقد . وبذلك تسلم الجرة البلاغية العربية من التبعية ، ويعود الفارس عباس أرحيلة - من معاناة البحث النفسية والعقلية - منتصرا للأمة ، ولهويتها ، الأمة التي يرى أنه من الواجب عليها بدورها أن تكون واعية بذاتها ، وضامنة لسر وجودها !

      ويحضرني هنا ماقام به الدكتور عباس أرحيلة من مجهود ، وما لقي من عنث ، وما أبان عنه من تواضع العلماء الأبرار للعلم ، وهو يحضّر باكورة نتاجه الفكري . أقصد كتابه (( البحوث الإعجازية والنقد الأدبي إلى نهاية القرن الرابع )) فهو يرى أن كل مابذل فيه من جهود ليس سوى محاولة - أشهد الله إنه ذروة سنام التواضع - نعم رآها محاولة . وفي الواقع فالأمر ليس كذلك ؛ فالدكتور عباس أرحيلة كان يؤسس لمشروعه العلمي ، الذي كان من نتائجه أن فضيلته (( قد استفتح مغاليق أسرار كانت طي الكتمان )) ناهيك أنه قدم (( صورة لرحلة النص القرآني في صدامه الحضاري تجاه ديانات الشعوب الأخرى وحضارتها وفلسفاتها ... )) والغاية التي تغيا بدون شك هي اعتبار (( قضية الإعجاز حجر الزاوية في العقيدة الإسلامية )) لكونها (( تعطي لوجودنا التاريخي بعده الحضاري المستمر والمتجدد)). 

    إن ما أطلق عليه الدكتور عباس أرحيلة في كتابه الآنف الذكر محاولة ، قد مكنه من إلقاء الأضواء الكاشفة على التأثيرات التي لحقت العملية النقدية ، والبلاغية ، نتيجة الصدام الحضاري . كما مكنه من وضع اليد على حقائق لايمكنها أن تصدر إلامن مسدد حالفه التوفيق ، وقد امتلك الأدوات ، وأخلص القصد ، ، وبذل الجهد ؛ فهو يقرر مثلا أن نقد الشعر عند العرب تبلور في رؤية يقول عنها إنها (( استوعبت القديم ، وأدركت مراميه ، وألفت الحديث ، وسايرت متطلعاته ، وحافظت على مقياس الذوق في فهم الأدب ؛ مؤتنسة بما جد في العصر من أساليب التحليل والجدل دون أن يجرفها تيار المنطق )).

       
فمن خلال إمعان النظر في مكونات النص نرى أن كل جملة فعلية فيه تحتزل عملا ، وحركة ؛ جميع هذه الأفعال تختزل جهودا ذهنية استثنائية ، ولا أدعي أنها جهود عقلية فقط . ناهيك عن جهود سابقة عليها بذلها في الدراسة ، والبحث ، أفضت كلها إلى نتائج أسست لمشروع واعد بالتميز ، والعمق ، ومغر بالعمل البناء ، والدؤوب.    

    ومن شيم الباحث الفذ أن يكون منصفا ، وليس للإنصاف هنا من سبيل غير تدقيق النتائج، وبخاصة فيما اختـُلف فيه . لكن لاتدقيق عند هذا الباحث الصلب إلا بعد بذل الجهد ؛ فها هو يؤكد على حقية نقدية علمية توزن ذهبا في شريعة البحوث الرصينة ، اشتغل عليها ، بعد أن استوعب جذورها من التراث النقدي العربي ؛ فهو يؤكد على أن (( الرؤية الناضجة للتراث النقدي العربي القائمة على المحاكمة ، والموازنة ، والمقايسة )) قد تشكلت عند (( نقاد القرن الرابع )) .. وللتأكيد على هذه الحقيقة ، وترسيخها باعتبارها رؤية نقدية أصيلة - بين آراء متضاربة الأصول مذهبيا ، وحضاريا فقد ركب متن الدراسة والبحث ليخلص في الأخير إلى أن (( مدرسة النص القرآني )) كانت قد شكلت حجر الزاوية في ثقافة الناقد العربي آنذاك . وأن الرؤية الجمالية عند هذا الناقد تأسست على أساليب البيان التي أصبحت الأرضية التي تأسست عليها قاعدة تذوق النص ، ومكوناته الأسلوبية  .

      ومن النتائج الدقيقة التي أبانت عنها جهود الدكتور عباس أرحيلة في مجال الدراسة النقدية ، والبلاغية تشديده على حقيقة باهرة مبهرة مفادها أن دراسة الإعجاز القرآني ، والدراسات البلاغية ، والنقدية ، قد تفاعلت جميعها ، وأن ماجمع بينها لم يكن غير القرآن الكريم ، باعتباره يمثل (( أروع الأمثلة للبيان العربي والمثال المعجز للبلاغة في أذهان النقاد )) كما قال

     ومما هوجدير بالذكر - ونحن نعرض لجهود الدكتور عباس أرحيلة في تأصيل النقد والبلاغة العربيين - عمله الرصين ، والدقيق في شأن (( رسالة التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم )) ، لأبي أحمد العسكري لأهميتها ولــ (( كونها تشكل حلقة في تاريخ البلاغة العربية ؛ بما تحمله من آراء ، وتقسيمات ، وشواهد ، ومصطلحات ، ... )) . فقد قام بإعادة نشرها محققة ، وقدم لها - كما يقول - اعتمادا (( على أصلها المخطوط ، وماوضعته لها من تقديم وشروح وتعليقات وفهارس )) . نشرها بعد اطلاعه عليها سنة 1996م ، وبعد حصوله على النسخة الوحيدة للكتاب من خزانة السليمانية بإستنبول بتركيا بعد وساطة الدكتور أحمد شوقي بنبين عند الدكتور عزة حسن الذي تولى البحث عن المخطوط ، وصوره ، والباحث عباس أرحيلة ينتظر إلى أن مُـكِّـن َ من هذه النسخة ليدخل التعديلات على النص الموجود بين يديه . حيث ربط الكل بما تسلم من مراجع ؛ مراجع تسلمها من الدكتور مولاي مصطفى أبوحازم سنده الثاني في بناء هذا العمل . وكان هذا النشر اعتمادا على الأصل المخطوط ، بين يديه ، ومقابلته بالنشرات السابقة ، والتنبيه إلى مابين هذه النسخة وبين هذا الأصل من اختلافات وفروق !!! .. وكم كان الدكتور عباس أرحيلة موفقا وهو يجعل من بين أهدافه في النشر - وبذل في ذلك جهودا مضنية - وضع حد لما شاع من نسبة هذه الرسالة إلى أبي هلال العسكري تارة ، وإلى أبي أحمد العسكري تارة أخرى ، فحسم الأمر في هذا الالتباس ، وكشف دواعي الخلط بين الاسمين ( أبي أحمد ) ، و( أبي هلال ) ، وأدرج الأدلة المرجحة لكاتبها الحقيقي وهو ( أبي أحمد العسكري( .

      
ومن جهود الدكتور عباس أرحيلة التي لاينبغي أن تغمط له ونحن نرصد جهوده في تأصيل النقد والبلاغة العربيين - تحقيقا - أذكر ماقام به من جهد في التقديم لهذه الرسالة ، وإغنائها بالشروح ، والتعليقات ، وربط ماورد فيها من أقوال بالمصادر القديمة حتى لايلتبس فهمها على القارئ ، بل ووضعها في سياقها الثقافي كما ذكر .


       
ومن الجهود التي لمست للدكتور عباس أٍرحيلة وأنا أتابع مشروعه في رباعيته (( الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين )) ، (( البحوث الإعجازية والنقد الأدبي )) ، (( تجربة رائدة في البلاغة العربية )) ، (( رسالة في التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم )) . وكلها جمع فيها بين التأليف ، والدراسة ، وإعادة النشر والتحقيق والتقديم ، و تختزل جهوده في تأصيل النقد والبلاغة العربيين ؛ مما لمسته في تلك الجهود ذلكم الكم الهائل من النصوص المستنبطة من بطون مكتبة عربية إسلامية ، وقد تعامل معها الدكتور عباس أرحيلة بقوة إدراك ، وسعة تصور ، لاستكناه مادتها البلاغية ، والنقدية ، وما ارتبط بها من شروح ، ومقدمات ، عمقت تصوره لبناء مشروعه في تأصيل النقد والبلاغة العربيين

      ولم يشذ عن ذلك ما بذل من جهود وهو يرصد التيارات الثقافية العربية ، والإسلامية ، ويتفاعل مع كتب الأدب ، وكتب الاتجاهات النقدية ، والدراسات التي تبحث في تاريخ الأدب ، وتاريخ الفرق الإسلامية ، وفي التاريخ الإسلامي ، وكتب الحضارة الإسلامية ، وكتب الأدب المقارن ، ودوائر المعارف الإسلامية ، وكتب اللغة العربية ، وعلومها ، ومعاجمها ...

     
ومما هو جدير بالملاحظة - أيضا - مابذل من جهود في الدفاع المستميت عن الهوية ؛ وذلك بالوقوف في وجه طروحات ، وأفكار فيالق (( التبعية والتغريب )) و (( الملاحدة الشعوبيين )) (( وتيار العلمانية )) و(( التيار الماركسي )) ... وقد أبلى في مواجهة هؤلاء البلاء الحسن ، وبخاصة لمافند ماجاؤا به من أفكار . ولما فضح غاياتهم الخسيسة ؛ منها تقويض هوية الأمة ، وشق وحدتها الشعورية المبثوثة في فكرها ، ومقوماتها الأخرى التي منها النقد ، والبلاغة ، والإبداع الأدبي التراثي الجذور .

     ويحضرني الآن أن الأساس النظري الذي أسس عليه الدكتور عباس أرحيلة منهجه التأصيلي في الدراسة ، والبحث ، هو الآخر قد اتسم بالتنظيم ، والبناء الفكري ؛ في إطار ماظل يطلق عليه نظرية الأدب الإسلامي - بشيء من الاستنارة والتوسع - حيث المرتكزات المنهجية واضحة ، والرؤية أوضح . . وبحكم طبيعة البحث فقد التزم الكاتب بالمنهج التاريخي الوصفي التحليلي ، عززه بالمقارنة ، وتجلية المفاهيم المركزية في البحث ، وتدقيق مدلولاتها الحقيقية ، مراعاة لتأثيرات التحقيب التي تعطي لكل مفهوم دلالته الخاصة به في زمانه .. وزيادة في الدقة ظل فضيلته يلزم الاحتياط المنهجي ، وغيره من المعايير الدقيقة .. وهذه كلها زادت من الصعوبات في البحث ، والتي تجاززها الدكتور عباس أرحيلة باقتدار بفضل مابذل من جهود في سبيل تأصيل النقد والبلاغة العربيين ليُنـَصَّـبَ بعد هذا رائدا وقائدا على رأس مدرسة البحث البلاغي والنقدي في المغرب ، والعالم العربي ، والإسلامي ، في مجال استدعى ضرورة البحث فيه فاستجاب وهو بتلك المنزلة أحق .

ألقي هذا البحث في مؤسسة البشير الخاصة – مراكش المغرب

بمناسبة اللقاء التكريمي الذي نظمته المؤسسة بشراكة مع النادي الأدبي بمراكش تكريما لفضيلة الأستاذ: د. عباس أرحيلة، وسيصدر قريبا ضمن مؤلف جماعي

وذلك يوم 6 مارس 2010

 

(0) تعليقات
حوار نقدي حول مسألة التأثير الأرسطي في البلاغة والنقد العربيين

مسألة التأثير الأرسطي في البلاغة والنقد العربيين

-حوار نقدي مع فضيلة الأستاذ د. عباس أرحيلة-

 

سؤال:

لماذا مسألة التأثير الأرسطي في النقد والبلاغة العربييْن؟

جواب:

مقولة التأثير كانت هي المدخل الرئيسي لنفْيِ الأصالة عن هذه الأمة. وأهم ما نتميَّزُ به اليوم التبعيَّةُ المطلقة للحضارة الغربية الحديثة التي ترسَّختْ في نفوسنا، وأدخلْنا في دُوَامتها.

ومنذ كان الصدام بين المركزية الأوربية والشرق العربي في العصور الحديثة، إثر الحركات الاستعمارية؛ راهنت تلك المركزية على إحلال الحضارة الأوربية الحديثة، مكانَ حضارة الشعوب المُستعمَرَة. ومنذ مطالع القرن العشرين أضحت الحضارة الأوربية هي النموذج الذي تطمَح إلى تحقيقه تلك الشعوب. وقد واجه العالم الأوربي الحضارة الإسلامية بشعوبها وتاريخها الحضاري وتراثها المتشعب الغنيّ؛ فوقف أمام أكبر تحدٍّ مع أمّة له معها تاريخٌ وجولات وحروبٌ صليبيّة، أمة لها دين وحضارة.

كيف يجعلُ الغربُ هؤلاء المنتسبين إلى حضارة الإسلام يتخَلَّوْن عناها، ويُقبلون على ثقافة الأوربيين، ويجعلونها وسيلَتَهم الوحيدة للخروج من التخلُّف؟

اتخذَ الأوربيون وسيلَتَيْن من أجل تحقيق هذه الغاية:

1 – تذويبُ المُنتمين إلى حضارة الإسلام في حضارة الغرب الحديث.

2 – التشكيك في أصالة الحضارة الإسلامية في القديم؛ وذلك بالقول إنها كانت عالةً على الحضارة اليونانية، وإن معارفَها كانت متأَثِّرة وتابعة في مُجملها للمعارف اليونانية، ولذلك لِمَ لا نُقبِلُ على الاستمداد من ثقافة الغرب الحديث، ونُصبحُ عالةً عليها؛ إذا كان أجدادُنا عالَةً على غيرهم أيّامَ مجدهم؟

والبحوث الاستشراقية - في عمومها – حاولت إرجاعَ كلِّ شيء في حضارة الإسلام إلى أصل يوناني مُفتَرَض، أو مصدر ديني في اليهودية أو المسيحية. والغايةُ تبريرُ التبعية للثقافة الغربية الحديثة؛ قصْدَ تكريسها في المجتمعات الإسلامية الحديثة.

ومن أجل التشكيك في أصالة حضارتنا، وبثْرِ صلتِنا اليومَ بها، ووضْعِ قطيعة بيننا وبينها، والتبرير لتبعيتنا اليوم لحضارة الغربيين؛ أشاعَ المستشرقون وأتباعُهم من العرب، في العصر الحديث، مَقولَةَ التأثير الهِيلِّيني في الثقافة العربية في القديم، وأخذتْ هذه المقولةُ حيِّزاً واسعاً في أبحاث المعاصرين. وهذه المقولة لا يَكتفي أصحابُها بأن نعترفَ لهم بالذوبان في مَدَنيَتِهم الحديثة؛ بل يُريدون منّا بأن نعترف لهم بذوبان أسلافنا في أصولهم اليونانية في القديم.

فغايتي من طرح مسألة التأثير هذه، اختبارُ هذا الادّعاء في ضوء النصوص التي يُعتقد أنها مجالا للتأثُّر والتأثير؛ وذلك بوضعها في سياقاتها الثقافية العامة؛ لنرى هل كان حالُنا مع ثقافة الآخر كحالنا نحن اليوم. هل كنا نذوبُ ونتلاشى، كما نذوب نحن اليوم ونتماهَى؛ بل ونتباهَى بالتبعية والتقليد، والنشوة تغمُرُنا...

سؤال:

لماذا البلاغة؟

جواب:

لأنه منذ مطلع ثلاثينيات القرن العشرين أشاعً كلٌّ من أمين الخولي – 1966 – ود. طه حسين – 1973 – أن البيان العربي كان واقعاً منذ نشأته الأولى تحت التأثير الأرسطي، وأن الفلسفة اليونانية أثَّرتْ في نشأة البلاغة العربية وتطوّرِها عبرَ جميع مراحلها، وأن هذا التأثير كان وراء أبحاثها وغايتها.

ومنذ ذلك الحين شاعت المقارنات للكشف عن تجليات التأُثير الأرسطيّ؛ حتى أصبحت بلاغة العرب، عند بعضهم، مجرّد أصداء لما أخذوه من كتابيْ « الشعر» و« الخطابة» الأرسطييْن.

وقد اتضح اليوم أن ملامح البيان العربي قد تشكَّلَتْ قضاياها قبل أن يعرفَ العربُ كتابيْ « الشعر» و « الخطابة» لأرسطو. فكان للبلاغة العربية نشأة عربية خالصة.

كيف يمكن لبلاغة نشأًتْ في مناخ حضاري مُغاير، أن تفرض تنظيراتِها وتصوُّراتها على مناخ أخر؟

هل ظلَّ العربُ ينتظرون مَن يُبيِّنُ لهم أسرارَ البلاغة في النص القرآني المعجز، ودلائل الإعجاز الكامنة فيه؟ وهل استعان أهل البلاغة والتفسير على فهم كتاب الله بما نُقِلَ من آثار أرسطو إلى العربية؟

لا يُستساغُ تاريخياً وعلمياً وفنّياُ أن يكون أرسطو المعلمَ الأولَ للبيانيِّين العرب؛ كيف يكون ذلك وهُويَّة الأمة تقوم على البيان؟ كيف ونبيُّ الإسلام استدلَّ على علاقته بالسماء بالقرآن العظيم؟ لقد تحدّى تلك الأمة بالبيان، وجعله مناطَ الإعجاز. وهل علَّمَ أرسطو تلك الأمة أن تنفعل بالوحي؟ هل من العلم في شيء أن نَدَّعيَ أن الأمة كانت تفتقر إلى مقاييس غيرِها لتفهَمَ حقيقة الوحي وتَسْتَكْنِهََ جمالية النص القرآني؟

وهذه آثار أرسطو بين أيدي الناس، أكان بالإمكان حقّاً أن يكون لكتابيْ « الشعر» و « الخطابة» هذه الآثار في التراث البلاغي عند العرب؟

وعلى أية حال، لقد اندثرت اليوم مقولة التأثير، لم نعد نتساءل ما نأخُذُ وما نَدَعُ، ولم نعُدْ نسأَلُ هل نُقلِّدُ؟ وماذا نُقلِّدُ؟

سؤال:

 ما هو المنهجُ المعتمَدُ في هذه الأطروحة؟

جواب:

قدمتُ في الباب الأول احتياطات منهجية أوقت المقارنين في متاهات وتناقضات، أهمُّها: تصوُّرُ المركزية الأوربية للعصر الوسيط، وجَعْلُ الثقافة اليونانية أصلاً من أُصول الثقافة العربية، وكيف أُريدَ بمقولة التأثير تزييفُ الدور الحضاري الذي نهض به المسلمون في التاريخ.

وقد التزمْتُ بالمنهج التاريخي لأرصدَ لحظات التلاقي بين الحضارتيْن: اليونانية والعربية، وإيضاح ما بينهما من فروق جوهرية؛ مع تتبُّع العلاقات الممكنة؛ لأرى هل كانت الثقافة اليونانية أصلاً من أصول الثقافة العربية، كما تدَّعي المركزية الأوربية في تاريخ الفكر الحديث؟ وهل كان للجمالية اليونانية حضور في الذهنية العربية؟ وهل كانت هذه الذهنية تعاني من الفراغ النظري في تصوُّرها لإبداع فنّ القول؟ وما هي البيئات الفكرية تفاعلتْ مع التراث اليونانيّ؟ وما كان حجمُها؟

كما التزمتُ بالمنهج الوصفي التحليلي في قراءة المتون التي اتخذ منها المقارنون مجالاً لمقولة التأثير الأرسطي في البلاغة والنقد العربييْن. فقد وقفت عند المفاهيم المركزية في كتابيْ « الشعر» و« الخطابة» الأرسطييْن وكيف تمَّ تصريفُها في فُهوم متفلسفة الإسلام.

كما عُنيتُ من الناحية المنهجية بالقارنة بين المفاهيم المركزية لدى أرسطو وبين قضايا البيان العربي التي ارتبطتْ بالنصيْن المؤسسيْن للهُوية الإسلامية: القرآن والحديث النبوي الشريف.

وأُلاحظُ أن المقارنين عندما ركبوا متون المقارنات وقعوا في متاهات، منها:

-  تغافلوا عن حقيقة الترجمة. كيف تمُّتْ تلك الترجمة؟ وقد كشف د. طه عبد الرحمن أخيراً في كتابه: « الفلسفة والترجمة – الجزء الأول من فقه الفلسفة »، أن حركة الترجمة في تاريخ الإسلام؛ أسهمتْ في طمَسِ حقيقة التفلسف بين المسلمين؛ إذْ أقام التراجمةُ حواجزَ بين حقيقة القول الفلسفي في عبارته وإشارت؛ فضلُّوا طريقَهم إلى القول الفلسفي؛ فجهِلوا مقاصدَهُ في أصوله وسياقاته، وضلُّوا طريقَهم إلى القُرّاء، واستسلموا للتقليد. و«كتاب الخطابة» الأرسطي، الذي بين أيدينا اليوم، والذي يُعتبر المصدرَ الذي نهَلَ منه متفلسفة الإسلام؛ يُقدِّمُ صورةً قائمة على حقيقة الترجمة في ذلك العصر، هذه الترجمة العربية المتبقية من كتاب الخطابة تُقدِّمُ نموذجاً لسُقْمِ الترجمة، وهي كل ما يَملكه المقارنون؛ وهي تتحدَّى الفهْمَ البشريَّ أن يفهمَ منها شيئاً يُعتدُّ به في الفهم! وما أغرب قول من يرى أن المسلمون استناروا بهَدْيِها في إدراك أسرار إعجاز القرآن، وأن علماء العربية استقَوْا منها مفاهيمَهم!

-  وتغافلوا عن حقيقة الشروح في آثار متفلسفة الإسلام؛ كيف تشكّلتْ تلك الشروح داخل عقلية مُغايرة في سياقات تاريخية مغايرة؟ كيف تمَّتْ الشروح والتلخيصات؟

- وتغافلوا عن حقيقة التراجيدية في آثار متفلسفة الإسلام ووجودها في الذهنية الإسلامية العربية مع إقرار المقارنين جميعاً بأن موضوع كتاب الشعر لأرسطو هو التشخيص المسرحي، وإقرارهم جميعاً بغياب التشخيص المسرحي في المجتمع العربي.

- وتجاهلوا كيفيات التفاعل بين الثقافات عامة وبين التراث الأرسطي والعربي خاصة.

- وأهملوا المفاهيم المركزية في كتابيْ « الشعر» و«الخطابة» وضخَّمَ بعضُهم التَّقاطُعات المُمكنة بين اللغات البشرية حين تركب أساليب التجوز في التعبير.

سؤال:

ولماذا التركيز على أرسطو في مسألة التأثير في النقد والبلاغة العربيين؟

جواب:

لأن أرسطو خصّّصَ للفن حيِّزاً في تفكيره الفلسفي، ولأن متفلسفة الإسلام طَلَبوا المنطق الأرسطي لمقاومة الغُنوص المانويّ والعِرْفان الشيعيّ؛ وهما يُمثِّلان معارَضَة شرسة تسعى إلى الإطاحة بالدولة الإسلامية العربية، ولاستكمال الآلية المنطقية اعتَبَرَ متفلسفة الإسلام كتابيْ « الشعر« و« الخطابة» قِياسيْن من أقيسة المنطق؛ ولهذه الغاية تُرجِمَ الكتابان وشُرِحا ولُخِّصا؛ فدخلا إلى حظيرة الثقافة العربية.

 فأرسطو عالج مسألة الإقناع الفني في القول الخطابي في ضوء الحالات النفسية التي يكون عليها المتلقي؛ كما استنبطَه من عيون الخُطَب اليونانية.

كما أن أرسطو استقى في كتابه «الشعر» نظرَتَه إلى الترجيدية من خلال التراث المسرحي الذي كان سائداً في القرن الخامس قبل الميلاد بخلفياته الأسطورية. وأثناء قيامه بالتنظير للتراجيدية أثار أفكاراً اعتبرَها الناسُ منطلقات للنظر في فن الأدب عامّة. وظلَّ الناسُ يستلهمونه في دراسات الفنون إلى يومنا هذا؛ بل إن كتاب « الشعر» قد أضحى «إنجيلا» للنقد الأدبي في العالم الأوربي، واعتبرَه مؤرِّخو النقد معجزة تخْرِقُ الزمان، وعليه قامت الدراسات، وكلٌّ يجد فيه مُبتغاه!

ومنذ مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، ردَّدَ كلٌّ من أمين الخولي ود. طه حسين ود. إبراهيم مدكور وغيرهم أن البلاغة العربية تأَثَّرتْ بالفلسفة، وأن المنطق الأرسطي ارتبط بالبلاغة العربية منذ نشأتها. وأشاع د. طه حسين منذ سنة 1931 أن العرب قد تأثروا بالقسم الخاص بالأسلوب من كتاب «الخطابة»، وهو أمرٌ لم يَنتبهْ إليه المستشرقون؛ وبهذا الرأي وبغيره استحق د. طه حسين أن يُصبح المعلم الثاني لهذا العصر بعد المعلم الأول: لطفي السيد لمعرفته بأرسطو وتَرْجَمَة خمسة من كتبه.

ومن الثابت لدى الباحثين أن المصطلحات البلاغية نشأت في البيئة العربية قبل لأن يُنْقَل كتابا الشعر والخطابة إلى العربية. ومن الثابت أن الشعر العربي ظل عربيَّ النشأة شكلا وروحاً، وظل العربُ يَعتدُّون اعتداداً مطلقاً بشعرهم، وظل شعرُهم يُمثل سلطة مرجعية في تاريخ معارفهم العامة.

 وهكذا أُشيعَ أن البيان العربيّ خرج من جُبَّةِ أرسطو، وأنه كان من الآثار الأجنبية شأن بقية المعارف الأخرى. والغاية من هذا الطرْح محاصرَةُ فترة التأسيس للهوية الإسلامية للثقافة العربية والادّعاء أن الهيلِّينية أثَّرتْ في مُتكلّمي المعتزلة؛ وهؤلاء هم جهايذة البيان العربي، وهم المؤسسون له. وغايتُهم القول بأن بلاغةَ العرب هِيلِّينِيَّةُ الأصول؛ ليحصُلَ التشكيك في أصالتها، ويُفتَحُ باب المقارنات على مصراعيه حول جزئيات لا يُعتدّ بها في معمار البلاغة العربية.

سؤال:

ما هي حدود التأثير الأرسطي في البلاغة العربية؛ التي توَقَّفَ عندها المقارنون؟

جواب:

مرّتْ مسألة التأثير بمرحلتيْن امتدّتْ كلٌّ منهما حوالي ثلاثين سنة:

الأولى من سنة 1931 إلى سنة 1961، وسادها كثير من الادعاء والاضطراب والشك.

والمرحلة الثانية من سنة 1961 إلى سنة 1991، وتميّزت بشيء من اليقين في مسألة التأثير، وإن لم تخْلُ من اندفاع واضطراب؛ وذلك بسبب ظهور نصوص محققة بتونس والمغرب - ) سيظهر لي كُتَيِّباً أتناول فيه هاتيْن المرحلتيْن(- .

ففي هذه المرحلة الثانية ظهرتْ مصادرُ جديدة في الغرب الإسلامي في موضوع التأثير الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين، وأذكرُها حسب ظهورها محقّقة:

- منهاج البلغاء وسراج الأدباء: حازم القرطاجنّي – 684 هـ - حققه محمد الحبيب بلخوجة سنة 1964 – أطروحة بباريس تحت إشراف ريجيس بلاشير –

- المَنزَع البديع في تجنيس أساليب البديع: أبو القاسم السلجماسي نحو سنة 730 هـ، حققه: علال الغازي سنة 1980 – دبلوم الدراسات العليا، تحت إشراف د. أمجد الطرابلسي-

- الروض المَريع في صناعة البديع: ابن البناء المراكشي – 721 هـ-  حققه: رضوان بنشقرون 1985، دبلوم الدراسات العليا تحت إشراف د. عزة حسن.

-التنبيهات على في التبيان من التمويهات: أبو المُطرِّف أحمد بن عَميرَة 651 هـ، حققه: د. محمد بنشريفة 1991.

وظهر خلال هذه المرحلة تحقيق جديد لكتاب «الشعر»، من إنجاز د. إبراهيم حمادة سنة 1983، وترجمة جديدة إلى الفرنسية سنة 1980، وترجم د. عبد الرحمن بدوي كتاب «الخطابة» عن النص اليوناني بتحقيق ريمر Roemer1977.

وهذه المصادر أعطت لمسألة التأثير الأرسطي نفَساً حديداً، وفتحتْ آفاقاً جديدة للمقارنات، وأصبح « منهاج الأدباء» محطة هامّة ومتميّزة لمقولة التأثير؛ تمتزجُ فيها لدى كثير من الدارسين البلاغة العربية بالبلاغة اليونانية، وتُعقَدُ فيها الصلة بين النقد العربي والنقد اليوناني. فقد أراد حازم أن يُحقِّقَ حلْمَ ابن سينا وذلك بأن يضعَ تفاصيل الصنعة الشعرية؛ لتكون منهاجاً يسيرُ على هَدْيِه الأدباء. فكان له طموح في وضع قوانين كلية لعلم الشعر عند العرب؛ يفوق بها ما وَضَعَتْهُ الأوائل على حدّ قوله! فلذلك وجبَ أن توضع لها من القوانين أكثر مما وضعت الأوائل!

وحازم لم يتجاوز ما فهمه الفلاسفة المسلمون من كتاب الشعر، ولكنه يختلف عنهم في كونه تَطَلَّعَ إلى التكلّم في كثير من خفايا الصنعة البلاغية ودقائقها؛ أي أنه أراد أن يُفلسف البلاغة، ويَضَعَ لها قوانين كلّية تُعرَفُ بها أحوال الجزئيات في الخطاب.

أرسطو يُعالجُ موضوعَ التشخيص المسرحي، وحازم يجهل كلَّ شيء عنه! وهكذا أصبح ذلك التشخيصُ عنه محاكاةً وتشبيهاً؛ إذ لم يكن بين أيدي العرب النماذج الأدبية التي استخلّصَ منها أرسطو قواعده.

ولعل استفحال ظاهرة التبعية للفكر الغربي في العصر الحديث، أعطتْ لمسألة التأثير في الثلث الأخير من القرن العشرين أبعاداً جديدة. وممّا أساء إلى «منهاج البلغاء» أن أكثر الباحثين قد ربطوا مجهوده بالتأثير اليوناني، وراحوا يتتبَّعون التأثيرات اليونانية في منهاجه. ويبدو أن نظرية حازم تظل بعيدةً عن التحقٌُّق في تاريخ النقد العربي ما لم تستمدّ أصولَها من التراث العربي.

هذه الجماعة التي تنتمي إلى الغرب الإسلامي اطّلعتْ على المنطق والفلسفة، وكان لبعض أفرادها شغَفٌ بالمنطق الأرسطي من خلال ما تعارفتْ عليه المرحلة من ترجمات وشروح وتعليقات. وقد سعى كلٌّ من حازم والسلجماسي وابن البناء إلى وضع قوانين كلية لصناعة البيان؛ كلٌّ على طريقته: فقد اجتهدوا في وضع كلّيات في ضوء ما استوعبوه من دراستهم للمنطق. وحشدوا لذلك مصطلحات حاصروا بها الصناعة البيانية، وكأنَّهُم يضعون ترسيمات لقوانين الأساليب في البيان العربي؛ يستطيع الباحث من خلالها أن يستوفيَ جزئيات البلاغة:      أرادوا إحصاء الظواهر الأسلوبية بطريقة علمية صارمة!

وما تميّزت به المدرسة المغربية أنها حاولت أن تستوعب ما تركه المتفلسفة من شروح، وخاصة ابن سينا، مع الاستمداد المباشر من كتب المنطق، كما هو شأنُ السلجمّاسي بشكل خاص. وعموماً استفادت هذه المدرسة من المنطق من خلال تقسيماته وتفريعاته، ولكنها بقيَتْ بعيدة عن روح أرسطو النقدية والبلاغية.

سؤال:

 ما هي القراءات المعاصرة للبلاغة العربية، وما هي خلفياتُها الفكرية والفلسفية؟

جواب:

شهِد القرن العشرون إحياء بلاغة عبد القاهر الجرجاني – 471 هـ - في مطلع النهضة العربية. وفي الثلاثينيات منه بدأ البحث عن بلاغة جديدة، وأعاد بعضُهم شروح التلخيص حتى أضحت من المقررات الدراسية، وتوالتْ خلال هذه المرحلة تحقيقات للنصوص العربية القديمة إلى جانب العديد من الدراسات حول التراث النقدي والبلاغي، ولكن منذ بداية الخمسينيات بدأتْ مظاهرُ الحداثة مجالات الفكر والإبداع، وتوالت الترجمات، وتفاقمت التبعية للحضارة الغربية في فترات التنمية، وتساقطتْ آراء جديدة حول البلاغة العربية من خلال الأسلوبيات والنصيات والبنيويات والتفكيكيات... وتعدّدتْ مفاهيم البيان حتى أصحتْ مجاهيلَ للبيان. وتركمتْ الأقاويل من خلال المقالات والترجمات والتعليقات؛ فما زادتنا معرفةً بالبيان العربي، وإنما أقامت بيننا وبينه حواجز، وتاهتْ في سديم الحداثة. عن أية بلاغة نتحدّثُ اليوم؟ أقلام الحداثة انكسر جلُّها، غرِقتْ في التبعية فاختنقَتْ، وانتهتْ التقاليع فانتهَتْ.

اليوم اتجهت أنظارُ طُلاب الحداثة إلى الاستفادة من آراء الغربيين المعاصرين في قراءة النصوص وتحليل أنماط الخطاب. اتَّجهوا للبحث عن بلاغة جديدة: بلاغة تضعُ بيننا وبين بلاغتنا القديمة هوة سحيقة، وبمضي الأيام لا نعثُرُ على هذه البلاغة الجديدة، وبمضي الأيام تنقطع عن البلاغة العربية، وتنشأ بيننا وبينها القطائع والانقطاعات...

سؤال:

ما هي مقاصد البلاغة العربية ومقاصد البلاغة الغربية؟

جواب:

مقاصد البلاغة العربية تتمثل في ثلاثة مقاصد:

أولها: المقصد الديني، حين يُحقِّقُ تَعَلُّمُ البلاغة هدَفاً دينياً يُمكِّنُ من إدراك الإعجاز. فتكون البلاغةُ هنا أداةً ووسيلةً لفهم أوامر الله ونواهيه، وفهم أسرار الإعجاز في كتابه. ومن هنا اعتُبِرَ علمُ البلاغة أحقَّ العلوم بالتعلّم؛ إذ به يُستدّلُّ على صدق رسالة النيّ صلى الله عليه وسلم.

وثانيهما: المقصد الإبداعي الذي يهيئ الأديب للإبداع حين يوقفُهُ على مكامن الجودة في فن القول من خلال النماذج الراقية.

وثالثها: المقصد النقدي،  وهو مقصد يُمَكِّنُ الناقد المتذوِّق من التمييز بين فنون القول في الخطاب البياني العربي، ويُمكِّنُه من المفاضلة بين الأساليب.

ومن أجل تحقيق هذه المقاصد طمح أهل البلاغة في العالم الإسلامي برمته إلى ما قبل النهضة العربية في العصر الحديث، أن يتأملوا هندسة الجملة القرآنية، ويكشفوا عن أسرار الإعجاز فيها، وسعَوْا إلى وضْع قوانين كلية للبلاغة العربية.

فالبلاغة العربية يرتبطُ وجودُها بنص مُعجز لا تنتهي عجائبُه وجمالياته، ووجودُ الإنسان المسلم مرتبطٌ بوجود ذلك النص.

أما مقاصد البلاغة الغربية فهي محاولة لمحاصرة أشكال الخطاب وفق ما يُستحدَثُ من المناهج ومن التصورات.

سؤال:

 ما هي الحجج التي قامت عليها الأطروحة؟

جواب:

هناك أدلة تاريخية حضارية وأخرى نصية نابعة من مفاهيم وقضايا بيانية ونقدية.

حضارة الإسلام حقيقة مقرّرة في تاريخ البشر، حقيقتُها ارتبطت بالوحي. وتغافلت الدراسات عن حقيقة مقررة وهي أن الأمة العربية تميّزتْ بين بقية الأمم بالبيان.

ولم يكن لحضارة الإسلام نزوع نحو اليونانية؛ إذ لم تكن اليونانية شيئا مذكوراً، ولم يكن دورُ الحضارة الإسلامية مجرّد تكريس للتراث القديم، بل كانت استيعاباً وتفسيراً ونقداً وخلْقاً جديداً لجوانب يسيرة من ذلك التراث. وعالمية الإسلام اقتضت أن تستوعب حضارتُه الحضارات السابقة، كما هيمن الدين الإسلامي على الديانات السابقة.

 ومسألة التأثير من نتائج غرور المركزية الأوربية وإعجابها المُسْبَق بالأعجوبة اليونانية، في لحظة كان العالم الإسلامي في تخلُّف وركود. ولا ينبغي أن نقيس حاضرنا بماضينا، وأن ننظر إلى ماضينا في نطاق التبعية للغرب الحديث.

 إذا كان الغربُ اليوم فرَضَ علينا أفكارَه وتقنياتِه، وأصبحنا ننصهر في كونيته، ونتماهى مع مناهجه وتصوراته؛ فإن الثقافة العربية لم تتأثر بالثقافة اليونانية كما يحدُثُ اليوم في علاقتنا بالثقافة الغربية.

وهل كان الفكر العربي فارغاً حين عرفت فئة قليلة جداً شيئاً من الفكر اليوناني؟

أكانت حضارةُ الإسلام آنذاك تقرأ شيئاً خارج ثوابتها؟ ألمَ يجدْ ذلك الشيء اليسير من التراث اليونانيّ مقاومةً عنيفةً من المجتمع الإسلامي؟

وهل كان الإسلام في موقف ضَعْفٍ يستسلم كما نستسلمُ نحن اليوم؟

 نحن اليوم نستمدّ كلَّ شيء من الغرب، يسكُن حياتَنا، ويُوجِّه أفكارَنا. ويُلاحظُ أننا لم نعد اليوم نُثيرُ مسألة التأثُّر والتأثير؛ لأننا دخلنا في مرحلة التقليد الأعمى والذوبان. إذا كنا نحن اليوم ننخرطُ في العولمة الجديدة لتبرير وضعيتنا الحالية، فهذا لا يُبرر أن نَقْبَلَ أن يكون تاريخُنا الثقافيّ ذَيْلاً للثقافة اليونانية.

 ولعل هذا الإحساس بأن لا نستسلم اليوم، وألاَّ نَنْقادَ مع القطيع، كان وراء هذا البحث.

 ويكفي أن أقول إن النصوص الإغريقية التي يُعتَقَدُ أنها كانت هي محطات التأثير، قد تلقاها متفلسفة الإسلام على أنها من الأقيسة المنطقية، ومن هنا ظلت بعيدة عما أراده أرسطو. وقد لاحظ المستشرق الإيطالي جابريلّي أن ترجمة كتاب الشعر في العربية إلى جانب شرحيْ كل من ابن سينا وابن رشد ظلت في الثقافة العربية « حروفاُ مَيِّتَةً مُكفَّنَةً في المكتبات».

فحديث أرسطو عن البطل الترجيدي خَنَقَتْهُ الترجمةُ السريانية، وانتقل منها إلى العربية فازداد اختناقاً؛ فاندحرت مصطلجاته ومفاهيمُه وغابتْ معالمُها؛ لأنها زُرِعَتْ في بيئة لا يُمكن تصوُّر البطل الترجيدي فيها؛ بطل يصرعُه القدرُ الأعمى! وتحتاج معه النفوسُ العربية أن تَتَطَهَّرَ من عنصريْ الخوف والشفقة!

 الذين أشاعوا مقولةً التأثير في العصر الحديث، واعتقدوا أن أرسطو من أُسس النهضة الأوربية الحديثة،، أرادوا أن يجعلوه منطلقاً لنهضتهم الحديثة؛ فما كان منهم إلاَّ أنهم سَعَوا – بوَعْيٍ أو بدونه - إلى مسْخِ ماضيهم وحاضرهم!

 

ملاحظة: هذا حوار ورد في جريدة الوثيقة، أجراهُ معي الأستاذان: أحمد الوازي وعبد العزيز الحويدق، إثر صدور كتابي« الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري - 1999 - وصدر الحوار في عددين من جريدة الوثيقة، العدد 22: )1 – 14 دجنبر 1999(،والعدد 23:) 15 -31 دجنبر 1999(، وأردتُ أن يُحْفَظَ هنا.

 

 

 

 

 

(0) تعليقات
كلمة د. عبد الجليل هنوش إثر صدور كتاب: البحوث الإعجازية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عباس أرحيلة وكتاب: البحوث الإعجازبة والنقد الأدبي

         الدكتور عبد الجليل هنوش

        1- عرفت أستاذي وأخي الدكتور عباس أرحيلة أول ما عرفته عام 1982، بعد مناقشته لهذا البحث :البحوث الإعجازية والنقد الأدبي ، وكنت حينئذ طالبا بكلية الآداب بمراكش في السنة الثالثة من سلك الإجازة . وكان الدكتور عباس أرحيلة يدرسنا مادة النقد الأدبي. ومن أول الأمر بدا لي تميزه عن غيره واختلافه عن سواه بصفات وسمات جعلتني يومئذ أسعى إلى التقرب منه، وكم كانت سعادتي غامرة عندما وجدته يعاملني معاملة حانية وهو يقطر رقة وتواضعا، وهي معاملة لا تصدر إلا عن نفس كريمة وقلب نبيل وشخص شريف. وقد كنت يومها أظن أن معين هذه المعاني قد نضب، وأعلامها قد درسوا، وعلاماتها قد سفتها الرياح. وهكذا وجدت فيه المثال الذي كنت أطلب والنموذج الذي كنت أتخيل. وصار عندي بينا واضحا، وجليا ظاهرا أن هذا الأستاذ نور في عتمة مدلهمة كنت شخصيا أخوض فيها. فازداد تعلقي به ونشأت أواصر المحبة بيني وبينه وزادت مع الأيام.

        وهكذا بينما كنت أجد نفورا لا حد له واستشعر ازورارا لا نظير له من أولئك الذين شابت ألسنتهم لكنة العُجمة، وخالطت قلوبهم شبهة الشك والاستخفاف بتراث الأمة، ومازجت عقولهم لوثة الجدل بغير حق والمراء بغير بينة، كنت في الوقت نفسه أجد روحا لطيفة تشدني إلى أستاذي عباس، فقد وجدته عربي اليد واللسان، شديد الحرص على البيان العربي، عميق الإيمان بالانتماء العربي الإسلامي. لقد وجدت فيه لسانا منطلقا بالعربية على عكس ما وجدته في غيره ممن يستهينون بالعربية، ووجدت فيه قلبا مستقيم الحجة مستنير الغاية، مطمئنا إلى حجته وغايته، ووجدت فيه عقلا راجحا وفكرا واضحا وتاملا صحيحا يجعل الحق الصريح مبدأه، والخير النافع غايته، وقد كانت الدنيا حولي بحرا لجيا من الشبهات والعداوات لا يكاد ينجو منه أحد.

        لقد كان للأستاذ عباس أرحيلة علي فضل لا ينسى ويد لا تبلى، فقد دلني على أول الطريق، وأبى عليه فضله وكرمه إلا أن يتابعني بنصحه وتشجيعه.

        تاملت ما كان يميز الأستاذ الفاضل عباس أرحيلة عن غيره، وما كان يجعله في عيني نقيض أقرانه، فوجدت هذا التميز يرجع إلى أمور ثلاثة: حقائق فكرية وخصائص علمية وقيم خلقية أو عملية.

         أما الحقائق الفكرية، فهما حقيقتان بارزتان:

        الحقيقة الأولى: هي إيمانه العميق بالهوية العربية الإسلامية، وقد صبغت هذه الحقيقة مجمل تفكيره بحيث يستحيل فهم فكره وشخصيته دون إدراك هذه الحقيقة الجوهرية. وقد تجلت هذه الحقيقة في صورتين:

-         صورة الدعوة إلى الارتباط بتراث الأمة الذي يمثل هويتها ومجدها بإحيائه وإبراز الجوانب المضيئة منه والدفاع عنه ومواجهة كل من يخاصمه أو يعاديه أو يتهجم عليه. وقد توجه هو نفسه إلى قراءة هذا التراث والنهل منه ووجه تلاميذه إلى البحث فيه ودراسته.

-         والصورة الثانية هي تصوره أن لا مستقبل لهذه الأمة إلا إذا استلهمت تراثها، بمعنى ان كل ما يأتينا من الغير باسم الحداثة والتجديد يجب أن يعرض على عيار التراث فما قبله فهو واف مفيد، وما مجه ونفاه فهو ناقص لا يفيد. وبعبارة أخرى فإن أي مستقبل للامة يجب أن يكون عربي اللسان إسلامي الهوية . ويجب علينا أن نرفض أي هوية اجنبية يراد فرضها على الأمة .

والحقيقة الفكرية الثانية هي : الاعتدال والتوسط في الأمور، وهي قيمة فكرية أصيلة لكنها كانت في تلك الفترة غريبة، فقد كان اكثر الناس من الغلاة المائلين إلى أقصى هذا الطرف أو ذاك. وهذه الحقيقة نتجت عن أمرين اثنين:

-         أولهما: اتساع التجربة، ذلك أن اتساع التجربة يولد المعرفة العميقة بمآلات الأمور وأدبار الأحداث، فيكون حكم المرء فيها عميقا نافذا لا يشوبه تعصب الأغمار وتشنج الأحداث وتسرع الأدعياء، وتطاول السفهاء. وقد أبان الأستاذ عباس عن اتساع في التجربة جعل حكمه صادقا متوازنا معتدلا بلا إفراط ولا تفريط. وقد كان كما عرفته وعلى الرغم من شدة إيمانه بالهوية العربية الإسلامية معتدلا في آرائه كارها للتطرف والغلو.

-         والأمر الثاني الذي يتولد عنه الاعتدال هو : انفتاح الفكر. وهذه فضيلة لا يبلغها إلا من بلغ في يقينه مرتبة تجعله واثقا من استيعاب شبهات الغير، فهو لا يخشى المحاورة والمناظرة وإنما يطلبهما، ولا يهاب الأفكار المغايرة وإنما يواجهها بثقة واطمئنان. ومن كان على هذه الصفة لم يكن متسرعا في حكمه ولا متجنيا على خصمه، ولا ضيق الصدر برأي يخالفه.

هذا عن الحقائق الفكرية، أما الخصائص العلمية فهما خاصيتان:

-         أولاهما هي الاتساع في الرواية، ولها أيضا صورتان: الصورة الأولى: الإيمان بأن العلم هو الاطلاع الواسع، وهي خاصية مستمدة من تراث الأمة الذي يجعل الأدب هو الأخذ من كل فن بطرف، ويجعل العلم الحق هو الذي يمتد إلى معارف متنوعة ومجالات متعددة. وقد يتولد عن هذه الخاصية غلبة تقنية الاستطراد التي تعكس الاتساع وتساهم في عرضه وتبليغه. كما تنشا عنها الرغبة الدائمة في التتبع والاستقصاء، والحرص على كشف التفاصيل والوقوف على الدقائق، واستخراج الجزئيات، والتحري عن الطرائف.

-         والصورة الثانية: أن الاطلاع الواسع لا يكون نافعا ما لم يرافقه حسن البيان ووضوح العبارة. ولهذا كان الأستاذ عباس دائم النفور من الغموض ومن التعقيد ومن الكلام الملتبس دائم التأكيد على الوضوح والبيان. فالوضوح عنده دليل صفاء العقل وسلامة التفكير وحسن النية، إذ لا يلجأ إلى الغموض والألغاز إلا مُكَدَّر الذهن أو معوج التفكير أو سيء النية.

-         أما الخاصية الثانية فهي الروح الساخرة في العرض، وهي طريقة خاصة به تميز بها في عرض أفكاره ومعارفه، وقد استمد هذه الطريقة الخاصة من تأثيرين اثنين:

-         الأول: هو مجال المسرح الذي يحمل له عشقا خاصا دفينا، وإن لم يصرح به. وأهم ما استفاده من المسرح هو تقنيات شد انتباه المتلقي والسامع، وتجسيد المعاني والأفكار في صورة تنفذ إلى أعماق السامع وتستقر في مخيلته.

-         والتأثير الثاني، جاءه من الجاحظ، وهو شخصية يكن لها الأستاذ عباس حبا خاصا وإعجابا شديدا، فقد أخذ عنه تقنية برع فيها الجاحظ براعة كبيرة وهي تقنية المزج بين الجد والهزل، وهي تقنية متسقة مع الاتساع في المعرفة إذ تساهم في التغلب على السيل المتدافع من المعارف، وتدفع عن السامع السآمة، وتنشط قدرته على المتابعة والفهم.

-         أما الحديث عن القيم الأخلاقية التي تميز بها أستاذي الفاضل عباس أرحيلة، فإن الحديث عنها لا يكاد ينتهي، ولكن حسبي أن أوجزها في قيمتين جوهريتين هما:

-         قيمة التواضع: وهي قيمة لا يقدر على الوفاء بها إلا من كان سامي النفس، إذ إنها تنشأ عن أمرين اثنين:

-         أولهما: الثقة بالنفس ومعرفة حدودها وإدراك أن الرفعة في التواضع والقوة في الزهد والرغبة عن الظهور. فلم يسع الأستاذ عباس يوما إلى ظهور كاذب، ولا إلى منصب خادع، ولامالت به نفسه إلى طلب مصلحة خاصة بوسيلة من وسائل الطلب التي يتقنها الكثيرون ممن يتسلقون ويتملقون.

-         وثاني الأمرين هو احترام الغير، كائنا ما كان هذا الغير. وتلك فضيلة من فضائل النفوس الكريمة التي لا تستصغر الخلق ولا تستهين بهم ولا تحقد عليهم، بل على العكس من ذلك تبغي لهم الخير، وتبذل لهم العون وتبدي لهم الود.

-         أما القيمة الثانية فهي قيمة الصدق، وهي قيمة نبيلة لا تنشأ إلا عن أمرين جليلين:

-         أولهما: اليقين الذي لا يداخله الشك، إذ لا يصدق إلا من كان يقينه عميقا وجنانه تابثا، لا يتردد ولا يتلجلج، ماضيا في عمل الخير.

-         وثانيهما: الشجاعة التي لا يخالطها الوهن، فإنه لا يصدق إلا من كان شجاعا لا يتهيب. ولا يكذب إلا من كان جبانا. فالصدق ثمرة الشجاعة في الحق ونتيجة إبثار الصراحة على المراوغة والاقناع على المخادعة.

هذه هي جملة الأوصاف والسمات التي بدت لي مميزة لأستاذي عباس أرحيلة عن غيره ممن عرفت من أقرانه. وقد نحوت في ذكرها منحى الإجمال دون التفصيل ومنحى التمثيل دون الاستقصاء.

 

-         2- أما كتاب : "البحوث الإعجازية والنقد الأدبي" الذي نجتمع اليوم للاحتفاء بصدوره، فإن ما ذكرته من صفات مؤلفه مدخل أساسي لفهمه وإدراك مقاصده.

-             إذ لا يمكن فهم هذا الكتاب إلا بالوقوف على بواعث تأليفه، ومقاصد المؤلف فيه، وحتى نتبين هذه المقاصد أرى أن نميز بين ضربين من المقاصد: مقاصد فكرية ومقاصد أدبية.

        أما المقاصد الفكرية فتتلخص في التأكيد على جملة من الحقائق الفكرية التي يؤمن بها المؤلف، ويسعى إلى إقناع قرائه بها، وهذه الحقائق هي:

        أولا- التأكيد على ان العودة إلى النص القرآني خيار استراتيجي للأمة في ضوء ما تعرفه الساحة الفكرية من اتجاهات ونحل ومذاهب عمقت الحيرة والاضطراب في نفوس الناس.

        فالباحث كما قال د. أمجد الطرابلسي في تصديره: « شاب عربي مغربي مسلم، صلب العقيدة، راسخ الإيمان، وهو لم يحاول قط في بحثه أن يخفي عنا، باسم الحياد المصطنع، هذا الجانب القوي من شخصيته.»

        فالقرآن في تصور د. عباس أرحيلة هو رمز قوة هذه الأمة ومصدر ثرائها الفكري، يقول: « وأصبح من الثابت أن هذا الخطاب السماوي أحدث ثورة غيرت معالم المجتمع، أيقظت مشاعر الإنسان فيه، وطورت مضمونه الفكري العقدي والعملي والتشريعي، ونبهت ملكاته ووجهت نوازعه وسلوكه. وهذا الخطاب السماوي سيبقى كما كان دائما مصدر الحياة الفكرية، وكتاب الحضارة، ومنبع الرؤية في المجتمع الإسلامي.» [ص 13]

         ومن هنا ينبغي إحياء قضية الإعجاز لأنها قضية حضارية ملازمة لتفكيرنا، يقول: « وإذا كانت قضية الإعجاز حجر الزاوية في العقيدة الإسلامية، فإن صاحب هذا البحث، يرى أنها كانت وما زالت، من الرموز التي تعطي لوجودنا التاريخي بعده الحضاري المستمر والمتجدد. » [ ص 28]

ثانيا: أما الحقيقة الثانية فهي التأكيد على أن مواجهة الغزو الفكري في هذا العصر تستلزم ضرورة العودة إلى التراث الكلامي الدائر حول قضية إعجاز القرآن.

فقد تعرض الوجود الحضاري للأمة قديما لهجوم فكري شرس يراد به هدم كل عناصر السيادة العربية الإسلامية. يقول: « ويهدف هذا البحث أن يثبت ان محاولات نفي الإعجاز عن النص القرآني إنما كان يستهدف تقويض السيادة العربية، باتبار القرآن الأساس الحضاري لذلك الشعب. وأن يقرر أن إثبات الإعجاز كلاميا وبلاغيا من طرف علماء الإسلام يمثل قيمة الصمود الذي بذلوه في سبيل دفع كل غزو زاحف.» [ص 28]

وقد أدى العلماء المتقدمون واجبهم في الدفاع عن القرآن، يقول: « وقد لاحظنا عند القدماء كيف اندفع علماء المسلمين من لغويين وبلاغيين ومفسرين ومتكلمين يدافعون عن القرآن بعد أن تزودوا بالثقافات الأجنبية المختلفة التي تمكنهم من أسلحة المعركة الحضارية الضاربة، فاستطاعوا تمثل المناخ الفكري العام، واستعانوا بقدرتهم على الجدل والثقة بالنفس، والتأمل في أسرار دينهم، أن يؤدوا المسؤولية الحضارية، فحطموا الادعاءات المزيفة المغرضة، وجعلوا كلمة الله هي العليا.» [ ص 279]

وهنا تأتي الحقيقة الثالثة، وهي متفرعة عما سبق، ومفادها: أن الرد على مطاعن المعاصرين في القرآن وتزييف تشكيكهم في إعجازه لا تحتاج إلى اكثر من إحياء التراث الإعجازي ووضعه أمام أنظار الأمة. وهذا أمر ينبغي النهوض به لأن المعركة الحضارية ضارية والغزو الفكري يزداد شراسة، وقد عاصر الأستاذ الكريم مرحلة كشفت فيها هذه المعركة عن أنيابها وأسن فيها الغزو مخالبه لتمزيق تراث الأمة.

يقول: « يبدو من معالجة قضية الإعجاز، أنها كانت من أخطر القضايا التي جابهت الإسلام، إذ تمثل فيها أكبر تحد للفكر العربي الإسلامي، حين دلف منها المغرضون يبغون قطع الصلة بين السماء وقدسية الوحي، بنفيهم الإعجاز عن النص القرآني. وذلك ليتسنى لهم تحطيم العقيدة الإسلامية، وبالتالي يتحقق الرهان الحضاري لصالح الشعوب المعادية للإسلام والمسلمين.

        واليوم تتبع الخطة نفسها، لنسف ظاهرة الوحي من الفكر المعاصر الذي تابى عليه " علميته" و " موضوعيته" و " جدليته" أن يهضم قضية غيبية ذات طبيعة ميتافيزيقية، تعلو على التحقق التجريبي وتسمو على البرهان المنطقي المستمد من حقائق الواقع كما نتصوره. » [ص 278]

        كيف نستفيد من هذا التراث الفكري الإعجازي في مواجهة أزمة اليوم؟ يقول المؤلف: « إذا كانت الخلفية الحضارية لدراسة الإعجاز هي الدفاع عن الوجود العربي الإسلامي، في سيرورته التاريخية، فإن تراث الإعجاز في القرن الرابع يؤكد غلبة الدين واللغة واعتبارهما أساس الوجود الروحي والجمالي للامة العربية الإسلامية. فمعالجة الإعجاز في تلك الحقبة المتقدمة، يمكن ان تستلهم منها الرؤية الحضارية اليوم لنواجه مشاكلنا بعقولنا وحلولنان على ضوء ما جد في عالمنا المعاصر، الذي جرفته " عقلانيته" و " علمانيته" وتهميشه للجانب الروحي في حياته. وإن دراسة الإعجاز تشكل تلك اليقظة الفكرية التي أبان عنها الفكر العربي الإسلامي في حواره الحضاري مع تراث الشعوب، كما تمثل تلك الحركة الدفاعية للإبقاء على الهوية والانفتاح المستنير الشجاع على العالم.»  [ص365].

        فالأستاذ الفاضل عباس أرحيلة يريد إذن أن يجعل التراث الإعجازي أساسا للمواجهة الحضارية في هذا العصر، وأساسا لتأكيد الهوية العربية الإسلامية، وعيارا في التعامل مع منقولات الشعوب والثقافات الأخرى .

        أما المقاصد النقدية الأدبية، فهي الأخرى تسعى إلى تأكيد جملة من الحقائق تتكامل مع الحقائق السابقة وتتلاءم معها.

أول هذه الحقائق: هي التأكيد على أهمية الثقافة القرآنية في ثقافة الناقد الأدبي.

يقول: « إن مدارسة النص القرىني كانت تشكل قديما حجر الزاوية في ثقافة الناقد، إذ كان ذلك النص المنار الذي يستضاء به في أساليب البيان، بل هو المنبع الصافي الذي ينهل الناس منه في تذوق أفانين التعبير، ويقيسون به سمو طاقات البيان البشري.»  [ ص356].

فإن من شأن تمثل الناقد للنص القرآني أن يقوي قدراته النقدية ويصقل ملكاته في تمييز الأساليب وفهمها . يقول: « إن القرآن نص أدبي جميل، والناقد الأدبي يميز ما هو جميل من ما هو رديء. وهكذا واجهت دراسة إعجاز القرآن بمحاذاة دراسة نقد الشعر في القرن الرابع كل انحراف عن أنماط التعبير العربي، يقصد به طمس خصائص الأساليب المؤدية إلى كشف أسرار التعبير في كلام الخالق والمخلوق... ولعل أول خطوة في دراسة الإعجاز كانت محاولة إثبات عربية القرآن، ومحاذاته للانماط الأسلوبية المأثورة عن العرب، فكانت العودة إلى تقاليد الشعر واللغة مبدأ ثابتا عند المفسرين والمحدثين والنقاد والبلاغيين ودارسي الإعجاز. » [ ص 292]

أما الحقيقة الثانية: فهي التأكيد على أن الدراسات الإعجازية أتْرَثْ مباحث النقد الأدبي وعمقتها. فأهم نظريتين نقديتين عند العرب وهما نظرية النظم ونظرية عمود الشعر ساهمت الدراسات الإعجازية في ترسيخ عناصرهما وتأكيد تفاصيلهما. كما أن الدرس الإعجازي ركز في النقد الأدبي فكرة الانشغال بالصناعة الجمالية الشكلية، كما ركز فيه فكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

وقد أجاد الباحث في تبين وجوه هذه العناصر إجادة لا يسمح الوقت بتفصيلها.

نأتي إلى الحقيقة الثالثة والأخيرة، وهي تأكيد أن تطعيم النقد الأدبي بالبحوث الإعجازية هو الذي ساهم مساهمة فعالة في تثبيت الهوية العربية الإسلامية.

فالبحوث الإعجازية تلتقي مع الدراسات النقدية الناضجة، كما يقول الباحث: « لتشكل رصيد الثقافة العربية الرامية إلى دفع الكيان العربي إلى الأمام بدوره الحضاري .» [ ص 300-30.]

وقد قاد التفاعل بين هذين المجالين إلى تأكيد خصوصية النقد العربي، يقول الباحث: « إن هذا التفاعل كان في حد ذاته ثورة في وجه الاتجاه إلى الفكر اليوناني في استنباط مقاييس نقدية، ودعوة إلى التزام " طريقة العرب" حفاظا على مقومات الذات العربية والانفراد بالطابع الحضاري المميز.» [ ص 30]

و " طريقة العرب" هذه هي التي أفاض الأستاذ الباحث في الحديث عنها وبين دور كل من الآمدي والقاضي الجرجاني في ترسيخها، يقول: « وهي تلك الطريقة التي صمدت  في وجه التيارات الأجنبية التي حاولت طمس خصائص الأسلوب العربي، ودافعت عن سنن العرب في مجالات القول، مستلهمة القدوة من الخطاب السماوي، ومن بلاغة الفحول الذين عايشوا العربية في أوج عنفوانها وصفائها. » [ ص 35]

ويذهب الأستاذ الباحث مذهبا أبعد من ذلك في تأكيد خصوصية الدرس الأدبي العربي قائلا: « فالأدب العربي له خصوصيته ورسومه ، ومواضعاته النابعة من معطياته الحضارية، وليس من السهل ترويضه وإذلاله، وإخضاع خصوصيته للثقافات الدخيلة.» [ ص 328]

هذه هي الحقائق الأساسية التي تقوم عليها مقاصد الكتاب، وهي كلها ترتد إلى الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية ورفض أي ذوبان أو تبعية أو خضوع أو استسلام للثقافات والهويات الأجنبية المتربصة.

فمؤلف الكتاب شديد الإيمان بانتمائه العربي الإسلامي، شديد الحرص على الاعتزاز به، شديد النفور من مظاهر الذل والتبعية والاستسلام الأعمى التي يبديها الكثيرون لأعداء الأمة العربية الإسلامية.

ولا أجد ما اختم حديثي به خيرا مما قاله أستاذي عباس أرحيلة في نهاية كتابه، يقول : « إن تضخيم الجانب المادي في الفكر الإنساني الحديث ، واعتبار العلم المادي الأداة الوحيدة لمعرفة الحقيقة، والنظر إلى الدين الإسلامي بمنظار الميتافيزيقا، كما يتصورها الغرب، ومرور الأمة العربية الإسلامية بمرحلة تجزئة وتخلف ولهاث وراء حصيلة الفكر الغربي...كلها عوامل تساهم في ضمور الحس الديني في النفوس، وتغريب حقيقة الوحي بين اهله، وإطفاء نور الله بين خلقه. فهل يستطيع عقل الحضارة الإسلامية اليوم أن يذيب معطيات الحضارة الحالية، وأن يجد حلولا للمعضلات التي تبدت في صورة التحدي الحضاري؟ هل يستطيع الشرق اليوم أن يدير الحوار الحضاري في مستوى بغداد في القرن الرابع؟ هل يظل عصرنا يتحكم فيه النزوع نحو الغرب والخوف من الأخطار المصاحبة للاستمداد الثقافي؟»

 

 

   [ملحوظة: ألقيت هذه الكلمة احتفاء بصدور كتاب الدكتور عباس أرحيلة، بمندوبية وزارة الثقافة بمراكش-المغرب، يوم 26/02/1997]


(0) تعليقات
كلمة حول كتاب الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربييْن

 
الكتاب عبارة عن بحث في المتون التي أنشأت بينها الدراسات تقاطعات نقديا وبلاغيا بين التراثيْن الأرسطي والعربي؛ بوضعها في سياقها العام لحضارة الإسلام.

        والكتاب يقع في خمسة أقسام، جاء الأول منها لتحديد إشكالات البحث؛ تُؤطِّرُ البحثَ وتُصحِّحُ مسارَه العلمي.

        وخُصِّصّ القسم الثاني للتعرف على الحضارة اليونانية وجماليتها، وعلى مُعلِّمِه الأول في النقد والبلاغة. 

        وفي القسم الثالث تمَّ التعرُّف على المعلم الأول في المجال الثقافي الإسلامي العربي حتى نهاية القرن الهجري الثالث، حيث تحقق الاطلاع على «الأورغانون». وهو قرن تأَسَّسَ فيه البيان العربي في البيئات العربية، وسعى بعضُ الليبراليين إغراقه في الهيلِّينية عن طريق حركة الاعتزال.

        وجاءتَ معالحة مسألة التأثير في النقد والبلاغة خلال القرنيْن الهجريين الرابع والخامس، لدى كل من الفارابي وابن سينا من خلال قراءاتها شرحا وتلخيصا لكتابيْ «الشعر» و«الخطابة»؛ ضمن رؤيتهما للفن داخل أنظومتهما الفلسفية، ولدى نقاد وبلاغيي العرب خلال المرحلة.

        وفي القسم الخامس تمَّ تتبُّع مسألة التأثير الأرسطي في العالم الإسلامي من القرن السادس إلى نهاية القرن الثامن الهجري، مع التوقف عند ابن رشد باعتباره الشارح الأكبر، وعند المدرسة المغربية.

 

         ومن الخلاصات التي انتهى إليها الكتاب:

 

-               الأعجوبة اليونانية التي ضخَّمتْها المركزية الأوربية، وكانت متنفَّسَها على الحياة؛ لم تكن أُعجوبة لدى الذهنية العربية، ولم تُصب العقلية العربية إزاءها بالانبهار والشلل.

-               إذا كان كتاب «الشعر» قد زاحمَ «الكتابَ المقدَّسَ» في أوربا من حيثُ الاهتمام به تحقيقاً وطبعاً وشرحاً ودراسةً؛ فإنه ظل في المناخ العربي غامضا منبوذاً، وظلت التراجيديا - مادّة الكتاب - مجهولة لدى المبدعين العرب، والمُحاكاة – التي هي التشخيص المسرحي – أصبحتْ تشبيهاً وتخييلاً في إطار الأدب الغنائي.

-               قراءات الفلاسفة المسلمين لكتابيْ «الشعر» و«الخطابة» جاءت متلبِّسة بأنظومتهم الفكرية، تحمل وجهات نظرهم، وما فهموه من الكتابيْن، في إطار ملابساتهم الثقافية والقومية.

-               تُرجم الكتابات في نهاية القرن الثالث للهجرة بهدف التعرف على الآلية المنطقية، وما يُستدَلُّ به على التقاطعات بين بلاغة العرب وبلاغة أرسطو لا تُقدم - كَمّأً ولا كيْفاً – دليلا علمياً على مسألة التأثير.

-               حصيلة المقارنات التي أشاعها أصحاب« الغارة الهيلِّينية» ظلت حبيسة التخمينات والظنون والاحتمالات.

-               أما المادة المنطقية فظلت أرسطية في مجملها، وتركتْ آثارَها في تحديد الماهيات؛ ممّا أسهم في تقسيم الظواهر وتشقيقها، وتفهيم الدلالة بأنواعها.

-               ظلت الأمة مشدودة إلى القرآن والشعر العربي القديم، وظلت البلاغة العربية تحتكم إلى الذوق العربي وتتطلَّعُ إلى كشف أسرار إعجاز القرآن ودلائله.

-               ومنذ القرن السادس، عُنيت المدرسة المشرقية بالمقاييس العقلية في علم المعاني خاصة، ورصد الظواهر الفنية في الحطاب الأدبي عامة.

-               وفي الغرب الإسلامي، مع حازم القرطاجني والسلجماسي وابن البناء، كانت محاولة استقصاء القوانين الكلية للخطاب، مع الاستفادة المباشرة من أعمال الفلاسفة المسلمين في قراءتهم للتراث الفلسفي. وظلت، مع هذا، جهود المدرسة المغربية مرتبطةً بأهداف البلاغة العربية الخالصة من خلال نماذجها ومقاييسها وتصوراتها.

 

(0) تعليقات
كيف نقرأ تراثنا وتراث الآخر؟

كيف نقرأ ترثنا وتراث الآخر؟

ملاحظة:

 حوار أجراه معي الأستاذ حسن المودن، بعنوان: كيف نقرأ تراثنا وتراث الآخر؟ ونُشر بالملحق الثقافي لجريدة العلم – السنة 31، السبت 14 شعبان 1421 الموافق 11 نوفمبر 2000 ، واستهلَّه الأستاذ حسن المودن بالتمهيد الآتي:

« ما زال المثقف العربي حبيس قراءات مبتسرة ومُشوّشة للتراث الإنساني، عموماً، وللتراث العربي الإسلامي بوجه خاص.

 كيف السبيل إلى التفاعل العميق مع تراثنا وتراث غيرنا، من غير أن نُلغي أسئلة الراهن والمستقبل؟

حول هذا الموضوع كان حوارُنا مع الباحث المغربي د. عباس أرحيلة الأستاذ بكلية آداب مراكش».

سؤال حسن المودن:

صدر لك في السنة الماضية كتاب « البحوث الإعجازية والنقد الأدبي»، وصدر لكم مؤخراً كتاب « الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري»1

        ويتضح بعد القراءة أن الكتابين تَحْكُمُهُما أطروحةٌ تستحق الانتباه، اعتمدتَ في إثباتها على منهجية علمية سعتْ من جهة أولى إلى إبراز الأخطاء العلمية والمغالطات الواضحة التي قامت على أساسها الكثير من القراءات الإيديولوجية للتراث، وسعتْ من جهة ثانية إلى بناء تصوّر مغاير؛ يرى أن تراثنا لم يكن وليد حضارة أخرى، بل هو نفسُه وليدُ تراثه ونصوصه وشروطه التاريخية. وانفتاحُه على حضارات أخرى لم يكن نسْخاً بل إعادة إنتاج لها. فهلا تفضلتَ بتفصيل القول عن أطروحتك وتصورك للتراث؟

جواب:

دعني أضع هذا في إطار عام، فأقول: اجتاح المدّ الإمبريالي العالم الإسلامي في المرحلة الاستعمارية، فنهب خيراته، ومزّق مجالاته الجغرافية بوضعه لحدود مصطنعة؛ تُعَرِّضُ شعوبَنا للتفتيت والتجزيء، وبدَّد مكوِّناتِه الحضارية والبيئية والثقافية، فبدأت مرحلة التغريب أي بدأ الإنسان يصبح غريباً عن ذاته، غريباً في وطنه، تابعاً للغرب مُتغَرِّباً فيه، يلهَثُ وراءه، يستلذُّ غربتَه  وغرابتَه ويَنْفُرُ من شرقه ليَغرُب في غيره.

        وفرض الغرب الحديث على العالم الإسلامي حضارتَه قسْراً، وفرض عليه مفاهيمه، وبدأ – وما يزال – يتعلم منه كيف يفكر، وكيف يُخطط، وكيف يتغير ويتطوّر ليسلك سبُلَ الحداثة.

        ولم يستطع الغرب بعصور أنواره، وثوراته الصناعية والتكنولوجية، وثوراته في مجالات المعرفة، وتعدّد مجامعه العلمية، واتصاله بالتراث الإسلامي تحقيقاً ودراسةً – بعد أن استولى على مخطوطاته ونقل الكثير منها إلى دياره وخزاناته -؛ لم يستطع أن يقترب من حقيقة الإسلام، بل نجد أن طفرة الغرب في مجالات المعرفة، وهيمنته على المعمور؛ ممّا زاده استكباراً وغروراً، وشعوراً مرضياً بمركزية الكون. فظلت دراساته مرتعاً للمكبوتات المركزية الأوربية؛ تنفُثُ فيها أحقادَه وكراهيتَه للدين الإسلامي؛ فتجده مع أنواره المعرفية يزداد ظلاميةً وجهلاً بالإسلام. ونحن نراه من خلال مواقفه خلال القرن العشرين ومطالع القرن الواحد والعشرين سجين أفكاره المُسْبَقَة الثاوية في لاَوَعْيِه الجماعيّ؛ يزداد غطرسةً وغروراً وتحكُّماً في بلاد الإسلام، خاصة حين اختُزل ذلك الغرب في الولايات المتحدة الأمريكية.

        وقد ترسَّخَ العداء الغربي للإسلام من خلال جهود دهاقنة المستشرقين في دراساتهم للقرآن والسيرة النبوية، واللغة العربية وحضارة الإسلام. أظلمَتْ أنوار عقولهم في استيعاب نورانية الوحي، فجهلوا حقيقة الوحي، وتجاهلوها، وصدّوا عنها صدوداً.

        ومع ادعاء الغرب الحديث أنه يمتلك المنهجيات العلمية الموضوعية؛ فإنه ظل يقرأ حضارة الإسلام من خلال منطق حضارته، وتجربته ونماذجه؛ أي أنه ظل يقرأ الإسلام من خراج الإسلام.

        وهو لا يكتفي باستغلال الإمكانات المادية والمعنوية لبلاد الإسلام، ويبسُط سيطرَتَه عليها، ويشعل فيها الحروب تلو الحروب، ويزرعها بالقنابل الموقوتة، ولا يكتفي بأن يرمينا بالهمجية والعنف والتعصب، لا يكتفي بأن يُهيمن على أقواتِنا إمبريالياً تحت أقنعة مختلفة، ولا يكتفي بكل ذلك حتى أصبحت إسرائيل  في النصف الثاني من القرن العشرين طِفْلَةً مُدلَّلَةً لا يَمَلُّ الناسُ من رؤيتها عبر الشاشات الفضائية، طفلة تتهافت الأقوام من كل الأجناس على التقرب منها والتذلل إليها، والركوع لرغباتها وأوهامها وحماقاتها. لم يكتف الغرب أن يجعل إسرائيل تمحو ما تبقّى من الأنفة العربية، بل هو الغرب اليوم ينفي ما عداه، ويُصبح كونية بمفرده؛ كونية تستغلّ ما عداها وتُهَجِّنُه؛ كونية لا يَهُمُّها أن تتحيّز، وأن تكشف عن ازدواجية المواقف، وأن تعمَلَ على إذلال المسلمين.

 وما رأيك في كونية لا تتحرّك المؤسسات الدولية – صاحبة الحلّ والعّقد - إلى لحماية مصالحها؟ والغريب حقّاً أن الغرب الحديث لا يكتفي أن نستمدّ وجودنا الحضاري اليوم من ثقافته، لا يكتفي بأن نصير له اليوم إمَّعات؛ بل أراد أن يُقنعَنا أننا كنّا في ماضينا الحضاري على أصوله اليونانية؛ فهو يرى أننا بالأمس قلَّدْنا الأجداد واليوم نُقلِّدُ الأحفاد.

         وحين اصطدمتْ المركزية الأوربية بالحضارة الإسلامية، في المرحلة الاستعمارية، نظرتْ إلى تلك الحضارة في ضوء افتتانها بـ« بالمعجزة اليونانية»، وفي ضوء غرورها وصَلَفِها وكبريائها؛ ادَّعى أغلبُ مفكريها؛ ممن درسوا تراث الإسلام؛ أن الإبداع الفكري للعالم الإسلامي كان بفضل ما نقله العربُ عن اليونان في القديم، وما اقتبسوه من نظريات وأفكار. والقول بأن الحضارة الإسلامية كانت عالة على ما أسموْه بـ « المعجزة اليونانية»؛ قولٌ أُريدَ به التشكيك في أصالة الحضارة الإسلامية، والتخلّي عن هويتنا بالاستمداد من ثقافة الغرب الحديث، والاستسلام لتقليده والانبهار الدائم بمنجزاته والإحساس بالدّونية إزاءَها.

        حضارة الإسلام حقيقة ستمدُّ منطلقاتها من الوحي. وهيمَنَتُها على الحضارات السابقة يقتضي الانفتاح على باقي الحضارات الأخرى؛ لاستخلاص جوهر التجربة الإنسانية على الأرض. وحضارة الإسلام القائمة على التوحيد لم تأتِ لتركَعَ لوثنية الثقافة الإغريقية، في وقت لا وجود فيه للإغريق.

        لقد سبق أن قلتُ: لا ينبغي أن نقيس حاضرَنا بماضينا، وأن ننظر إلى ماضينا بمنظار التقليد الذي اعتدنا عليه اليوم. أكنا بالأمس في حالة من العجز والفشل كما نحن اليوم؟ أكنا بالأمس « نبلَعُ» كل شيء نعثُر عليه أو يُلقى إلينا؟ أكنا نتهافت على أوهام الآخرين لنجعل منها منطلقات ومصادر لمجالات فكرنا؟ إذا كانتْ هذه هي وضعيتُنا اليوم من التبعية والاستسلام والانبهار بكل ما هو غربي، إذا كُنّا اليوم نبحثُ عن ذواتِنا في مرجعيات الآخرين، إذا كنا اليوم نتلاشى في أديات خرافية يتلهّى بها الغرب في أطوار حداثته؛ ونجعلها منطلقات لمناهجنا وأفكارنا؛ فما كان ذلك شأن المثقفين المسلمين في القديم.

        نحن اليوم ننصهر في كونية الغرب الحديث، ونتماهى مع تصوراته، وقد جرّبنا أدبياته خلال القرن العشرين، شعر، مسرح، قصة، رواية، وما رافق هذه الجناس من مناهج وأفكار نقدية، فما هي الانقلابات التي حدثتْ في حياتنا؟ أصبحنا بدون لون وبدون طعم. أدياتُنا يُترجمُ شيءٌ يسير منها إلى بعض لغات الغرب لمعرفة مدى عبقريتنا في التقليد والتبعية، وحين وجدْنا الغرب داخل مرحلة التجريب في أدبياته؛ دخلْنا نحن أيضاً مرحلة التجريب.

        والقراءات الإيديولوجية للتراث إسهامات ) أي ضربات بسهام مسمومة( أهمُّها: التشكيك في أصالة الحضارة الإسلامية العربية، ومحاولات بتر كل صلة بها، تبرير التبعية لحضارة الغرب الحديث، إشاعة هرطقات حديثة مستمَدَّة من الفكر الأوربي الحديث، باسم إعادة قراءة التراث، ووضع مشاريع لإنقاذ الفكر العربي تارة والعقل العربي تارة أخرى . فلم يُنْقَدْ عن ذلك شيء: وغَرِقَ كثير من أهل الإنقاذ.

        سؤال:

 كيف نقرأ تراثّنا؟ كيف نقرأ تراث غيرنا؟ سؤلان يشكّلان الإشكالية التي لم يستطع الفكر العربي الإسلامي  تجاوزها. كيف التعامل مع هذه الإشكالية في نظركم؟ ألا ترى أنه حان الوقت لتجاوز المنظور التقديسي أو التدنيسي الذي حَكَمَ نظرةَ الباحثين في تراثهم وفي تراث غيرهم؟ ألا تعتقد أنه قد حان الوقت لبناء منظور  تقويمي اجتهادي لتراثتنا وتراث غيرنا على غرار ما نجده عند قلة من أساتذتنا الباحثين ) د. طه عبد الرحمن، د. محمد مفتاح، د. محمد العمري، د. سعيد يقطين...(.

        الجواب:

أولا: أن نقرأ بالفعل هذا التراث، وأن نستطيع أن نُحدِّد ما ينبغي أن نقرأ منه، أن يكون محط أنظارنا وأسماعنا، أن يكون جوهر مقرراتنا التعليمية منذ نعومة أظفارنا، أن نتربّى على فهمه وتذوُّقه، وأن تنطبع مفاهيمه في سلوكنا، وأن لا نقرأه بأذهان غيرنا، وبمرجعيات غيرنا.

        ماذا يقرأ المتعلم منا من تراثه من بداية فَكِّهِ للحروف إلى أن « يَستكمِلَ دروسَه» و» يتعَمَّقَها» حسب منطوق شهاداتنا؟

         ماذا يقرأ من تراث يمتَدُّ أكثر من خمسة عشر قرناً، وعبْرَ فضاءات جغرافية متناهية، ومن إنجاز أجناس وذهنيات مختلفة؟

        وماذا يقرأ التلميذ المسلم العربي اليوم، وهو مُحاصَرٌ في تعليمه الأساسي والثانوي بتراث الآخر، وموزَّع بين موادّ تتجاوز طاقته الاستيعابية، في زمن يتقلَّبُ فيه بصرُهُ بين وسائل الإعلام بكل ما تحمله من إغراء وترفيه ومعلومات، ودغدغة لعقله وعواطفه وهواجسه؟

        ثانيا: أن نقرأ هذا التراث بأدواته وبآلياته، لا بآليات مجلوبة من آفاق بعيدة عن طبيعته وتصوراته ومنطلقاته ومقاصده.

        أن نتحرَّرَ من الأفكار المُسْبَقَةِ عنه، ونتحرّر من الادعاء بضرورة التسلُّح بترسانة منهجية، ننتصر بها على أوهام دَخَلْنا في دوامتها باسم الانفتاح. كانت المفاتيح غريبة، فلم ننفتح على شيء. وما انفتَحَ ظلَّ يُطِلُّ على متاهات. عرفنا شيئاً يسيراً جدَاً من نصوص الثقافة العربية، ولم يكن ما عَرَفْناهُ منها يُمثّل أجودَ النصوص وأجدرَها بالدراسة، فقرأنها ونحن نتَبَجَّحُ باستلهام المناهج والمقاربات، والتنقُّل بين أهل الرأي والنظر في الفكر الغربي الحديث؛ مِمَّن كانت لهم مناهج ورُؤىً؛ فأضعنا الطريق وفقدنا الرؤية والرؤيا. ولم نقترب إلاَّ من السَّراب. وماذا بقيَ من كل ما قيل؟ تاريخ حافل بالسفسطة والخواء. شيءٌ أضحى يتلاشى عند أهله أولاَ، وعندنا بالتبعية ثانياُ.

         ألا تلاحظ معي – مثلا – أن الشعرية العربية قد بدأتْ تتبخْتَرُ منذ ستينيات القرن العشرين في أوهام الحداثة، وحلَّ فيها التيهُ مكان الإبداع؟ ما مصير الشعرية العربية؟ يوم عالميّ نحتفل فيه بالشعر في كل سنة.

        ثالثا: أن نتعلّمَ اللغة العربيَّة من مصادرها، ومن خلال نصوصها، وأن نأخذَ منها ما يتلاءَمُ مع ظروفنا وتحولاتنا وتطلعاتنا، وألاَّ ندرسَ بها العلوم ونتخلّى عنها في التعليم العالي، ولا يُحرِّكُ أحدٌ لهذا ساكناً. وغزتً اللسانيات الحديثة بتشجيرات وضعت للغات أخرى، تشجيرات تركتنا بدون لسان. ضاعت وسائل الفهم والبيان بين اتجاهات وادّعاءات، وفي هذا أتتْ مترجمات جمعتْ بين ركاكة الفكرة وركاكة العبارة.

         رابعا: أن نتحصَّن من كل قابلية للتبعية والذوبان في الآخر، أن نرفض أن تكون لدينا عقلية القطيع، وأن نُصبح كائنات تائهة في كونيات الآخرين، نعيش بدون كيان.

         لماذا نجعل مرجعيتنا في كل جزئية مرجعيةَ غيرنا، ونحن نعلم أنه لا علاقةَ لها بحقيقتنا وكينونتنا وتصوراتنا؟

        لماذا نُضفي عليها مقولةَ الكونية؟ لأننا بدون كيان...

        لماذا ظللنا نقتبس طيلة العصور الحديثة من الآداب الأخرى؟ لماذا نبحث عن القََبَس عند غيرنا؟ أَمَا لنا مِن نور فنبحث عنه عند غيرنا؟ وما زلنا نقتبس، فما وجدنا لنا نوراً؛ بل نحن «نتفحَّمُ» أي نصير فحْماً.

         خامساً: حينما نُحدِّدُ مَن نكون، وما نُريد، ونعمل على تخطيطه بتخطيطنا وتوجيهنا، وأن تكون لنا مرجعياتُنا في كل ما نأتي وما نَدَعُ، حين نسعى لأن نكون لغيرنا أنداداً، حين ندأَبُ على البحث العلمي في كل ما يتعلّقُ بحياتنا، حين تُصبح أكاديمياتُنا أوراشاً للبحوث الميدانية، وتصبح جامعاتنا أوراشاً لمتابعات التطورات العلمية، وتصبح حياتُنا العامة أوراشاً للعمل؛ حينئذ نتحرَّرُ من كثير من أوهامنا، ونعرف طريقَنا.

         ذكرتَ المنظور التقديسي أو التدنيسي، وهما لفظتان صاغهما مؤرخو الديانات من المسيحيين ومن أهل الأنتبولوجيا.

        لا يُقدَّسُ من تراث الإسلام إلا الوحي: كتاب الله عز وجل، وما صح من حديث نبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه. ولم يثْبُت أن أحداً من المسلمين، قديماً وحديثاً، قدَّسَ غيرَ هذيْن. وما عداهما تراث بشري شأن غيره؛ يحمل أفكار المجموعات البشرية على الأرض، ويُعبِّرُ عن همومها وأفكارها. والخلاف الجوهري بين الشرق والغرب يكمُنُ في مسألة الإيمان بالوحي.

        ولا ينبغي أن تفهم من كلامي هذا أني أنفي مسألة التفاعل بين الحضارات. التفاعل بين الحضارات البشرية حقيقة مقررة ثابتة. خلَقَنا الله تعالى شعوباً وقبائلً لنتعارف، ولم يخلقنا ليذوب يعضُنا في بعض، ويُقلِّدُ بعضُنا بعضاَ، وتلاشى بعضُنا في كونية الآخر. لن نُخلَقْ لنكونَ نُسَخاً كاربونية للآخرين.

        كيف نتعارف؟ حين نُرسِّخُ الثوابت ونُطوِّر المتغيِّرات؛ ما لم تتناقض هذه المتغيرات مع تلك الثوابت. نحن الآن نستعير كلَّ شيء من مدنية الغرب. ونتباهى أمام الملأ بما نستعيره. وقد وجدتُ أن حياتَنا أصبحت استعارة رديئة مُستكرَهَة؛ أي جاءت كرْهاً وقَسْراً، وأن هذه الإعارة قد أصبَحَتْ عاراً. وهذا ينقُصُ من آدَميَّتِنا ويضعُنا في مرتبة العجماوات.

        سادسا:  أن نتحرّر من أوهام أهل التقليد من مفكرينا المعاصرين؛ لأنهم يعيشون عصور غيرهم، ويلبسون لكل حال لبوسَها؛ يتشكَّلون بما ينقلون، ويتباهَوْنَ بما يُقلِّدون.

        والملاحظ أنه منذ بداية ما أُطلق عليه نهضة عربية حديثة إلى يومنا هذا، وأهل الفكر من العرب والمسلمين يقترحون حُلولاً؛ يُظَنُّ أنها تُحقّقُ لعالمنا نهضة حقيقيةً، وتحررا حقيقياً، وظلت الدعوةسائدة إلى إعادة قراءة التراث، ومنذ أوائل ستينيات القرن العشرين، ركِبَ كثيرٌ من المفكرين مُتونَ الأيديولجيات، وقدّمَ بعضُهم مشاريع قراءات للتراث الإسلامي العربي؛ قراءات تعدَّدَتْ فيها المرجعيات، واختلطت فيها المشارب والأهواء، واصطُنِعَتْ فيها المناهج والتصورات، وتراكمتْ فيها مٌساءلة التراث، ومساءلة العقل العربي. فماذا كانت حصيلة تلك الجهود، وتلك الفتوحات والانفتاحات على العوالم الممكنة؟

        ماهي حصيلة تلك الرهانات؟ وما نتج عن تلك التراكمات؟ حدَثَ تأَزُّمٌ حضاريٌّ، وتواطُؤٌ على حضارة الإسلام. تواطؤٌ أسهمَ فيه أبناء يعرب بأشكال ماثلة اليوم في أصقاع المعمور الإسلامي العربي. طلبنا المناهج وتشعَّبْنا في شِعابها؛ فازْدَدْنا تِيهاً، وأردنا أن نصطلح بالاحتكام إلى المصطلحات؛ فازدَدْنا تنازُعاً وخصاما، وأوقعنا الانبهار في النسخ والمسخ، وأوقعنا الانبهار في الشلل الكُلِّي. والكشف عن زيف تلك القراءات وأوهامها التي شهدنا الثلث الأخير من القرن العشرين قام به د. طه عبد الرحمن؛ فقد توالت أعمالُه لتصحيح المسار الحضاري، ومحاصرة مشاريع الانقطاع عن التراث حين توسَّلَ أصحابُها بآليات عقلانية وإيديولوجية من خارج التراث الإسلامي.

        المنظور التقويمي الذي يطبعه الاجتهاد لا أراه حاضراً بالصورة التي أرتضيها إلا في أعمال د. طه عبد الرحمن؛ لأنه قدَّمَ نظرية تستمدّ وجودَها من طبيعة التراث الإسلامي أي من مجاله التداولي، ومن الآليات التي أنتجتْه؛ ومن أجل هذا زَيَّفَ مشاريع باحثين توسَّلوا بمناهج اصطنعَها غيرُهم، وأخضعوا التراث لها. وقد كرَّسَ د. طه أعمالَه لهدْمِ آفة التقليد والتبعية للغير، وأدانتْ أعمالُه شيوعَ الباطل الذي استشرى باسم الأيديولوجيات في الثلث الأخير من القرن العشرين. والقيمة الحقيقية لأعمال هذا الباحث أنه قدَّمَ البدائلَ، وقدَّمَ الكَيْفيات التي تتحقّق بها تلك البدائل؛ وبذلك فتحتْ أعمالُه آفاقاً للاجتهاد. وأظن أن أعمالَه تحتاج إلى وقت ليتمَّ استيعابُها واستثمارُها، وإني أعتبرُها فريدةً في بابها.

        سؤال:

 كتابك الأخير ردٌّ علميّ يُفنِّدُ بحجج علمية أطروحة المستشرقين وأتباعهم الذين لم يكن هدفُهم تقديمَ دراسات علمية لتراثنا قدرَ ما كان هدفُهم تجريدَ هذا الأخير من كل قيمة وإقناع العرب والمسلمين بأن الغربَ هو النموذجُ الأوحدُ والمثلُ الأصلحُ؛ لكن ألا تعتقد أن مهمّّةَ العلماء المسلمين اليوم أضحتْ أشدَّ وأصعبَ؛ فالتيار الإمبريالي لم يعد قانعاً بالحركة الاستشراقية في أشكالها الفكرية التقليدية؛ بل إنه اليومَ أعدَّ تصوّراً شمولياً خطيراً )  الكونية أو العولمة ( وجنّدّ لذلك كلَّ مؤسساته العلمية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والتقنية – في نظرك – كيف سنتعامل مع هذا التيار الإمبريالي الزاحف؟ هل سنكتفي مرة أخرى بالخطابات التي تهاجم قولا مخاطر العولمة، لكنها عملاً لا تُقدِّمُ ولا تؤسِّسُ لأيَّ مشروع عمليّ يُبرزُ شخصيَتَنا وإمكاناتها وقدراتها على المنافسة والإبداع والاستمرار؟

        الجواب:

صحيح أن الحضارة الغربية تُخْتَزَل اليوم في مقولة العوْلمة بواقعها العلمي الاقتصادي والسياسي، والعالم المعاصر يقعُ اليوم في قبضة المدنية الغربية التي تُختَزَلُ اليوم بدورها في أمريكا؛ التي تُديرُ دواليب عالمنا المعاصر، ولا يَهُمُّها من بلاد الإسلام إلا أن تكون سوقاً لبضائعها، ومجالا حيويا لقوتها، ومجالا حيويا للطفلة / العجوز المدلَّلة: إسرائيل.

        لقد اشتدَّتْ قبضةُ الغرب على العالم الإسلامي، واشتد تفتيتُه واستغلالُ واختراقُه اقتصادياُ وثقافيا؛ فشِلَت المشاريع القومية والتقدمية في عالمنا العربي والإسلامي، وانحرف بعضُ قادة الصحوة الإسلامية، وتفاقم التفاوت بين الشمال والجنوب، وجرفتْنا أنماطُ الحداثة وأشكال التغريب، وازداد العرب تخاذلاً، وازداد الغربُ غطرسةً. وخطورة الغرب الحالي أنه أصبح اليوم يُعَلِّمُ الناسَ حقوقَ الإنسان، وأساليب الديمقراطية، وأصبح قبلةً للذين ضاق بهم العيش في بلدانهم، وصار له أنصارٌ من أهل العرب والإسلام؛ أنصارٌ يُدفعون عن قِيَمِه في جميع المحافل وينشرون مبادئه، ويمتثلون لتوجيهاته، ويردِّدون مقولات مُفكِّريه ومُنْحَرفيه. والغرب الحديث يُصفِّقُ لظاهرة التغريب فينا، وننفعل بتصفيقاته فنُصفِّقُ معه لما حلَّ بنا. لقد تجاوز بعضنا مرحلةَ والاحتذاء إلى مرحلة العبقرية في إتقان فنون التبعية. مظاهر التبعية للحضارة الغربية تجتاح المعمور، وعالمنا يتهافت على حضارة الأوربيين، وحين نتهافت نقول بكبرياء إنها حضارة إنسانية أسهمنا قديماً في بنائها.

        الدورة الحضارية الحالية ليست في صالحنا منذ حوالي خمسة قرون. لا يُمكن في الظروف الراهنة، وأمام جبروت التكنولوجية الغربية، مقابلَ خنوع الشعوب الثالثية المُستسلمة لأوهامها؛ إلا أن تكون مجتمعات فقيرة، أي مفقورة، بدون عمود فِقَريّ، تزحف في السفوح. وندَّعي أننا نفكِّر ونُخطِّط، وما نفعل في واقع الأمر؛ إلاَّ ما يستجيب لشروط تلك العولمة. الآليات اليوم تُغرق الأرض أدوات وتقنيات، وأصحابُها يبحثون عن المُستهلكين لها، ويُغرقون المَفقورين بالديون تارة، ويُرجعونها لهم تارة أخرى؛ ليسرقوا ما تراكم عندهم في المخازن.

         لا نملك أنفاساً للمنافسة، ولا نملك شيئاً نفيساً يُمكن أن نُنافس به. والنفيس عندنا ألغيْناه من حياتنا. انتهى عهدُ الاستشراق الكلاسيكي، ولم يترك هذا الاستشراق بكل عبقرياته إلا العداء لغير الكونية الغربية. ومخلفاته هي الصورة التي يتمثل بها الغرب الحديث عالم الشرق. لا يهم الآن أن نرثي لحالنا، أو نبكي على أطلالنا، أو نتكفَّفَ غيرنا، أو ندعي أننا نُخطِّط للخروج من النفق، لا يكفي أن نندب حظنا، ونلهث وراء ما يُرضي غيرَنا. نسينا في مسيرتنا الحضارية توجيهيْن، صَدَعَ بهما الوحيُ منذ آلاف السنين:

الأول: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا...

الثاني: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾.

         وفي ضوء هذين التوجيهين، وفي إطار منهج الله تعالى؛ تكون العزة في الأرض، أما من اختار الذلّة والمسكنة فذلك من شأنه، والنتيجة لا أملَ في كرامة على الأرض إلا بالعلم والعمل. ومن أجل تحقيق هذا تحتاج الشعوب أن تُصبح القرارات المصيرية بيدها، وهذا يتطلب منها وعياً وتضحيةً ومعاناةً ومواجهةً لأشكال التوسط والظلم والقهر والجَور والفساد...، وأن تُحارَبََ أشكال النفاق والانتهازية واستغلال النفوذ. تحتاج هذه الشعوب أن تستردَّ إحساسَها بإنسانيتها، أن تخرج من غفلتها وضياعها. لا وجود لكينونة في الوجود بدون صراع، بدون مدافعة في معترك الحياة، بدون قوة. ومن اختار أن يستسلم أو يموت فله ما اختار. من لا يملك قوة للصراع؛ قوة يكون عمادُها العلم والعمل؛ يدخل في مرحلة الموت البطيء. إمكانات المنافسة أساسُها البحث العلمي، أساسُها إنسان عامل بإخلاص ونزاهة وتفانٍ وصدق. مَن يتحدثُ عن التحديات وهو لا يستطيع أن يتحدّى؛ يتلمظ بالتخلّف وينهار.

         وإن الشعوب التي لا تعتبر المختبرات العلمية، لما تعاني منه وتتطلّع إليه، شرْطَ وجود؛ تدخل سديمية الضياع والعدم. والمسلمون لا يكون لهم كيان ما لم يلتزموا بمنهج الله في كل شيء في حياتهم؛ لأنه منه استمدّوا منه كلَّ شيء ثم أضاعوه. وإذا عجز هؤلاء المسلمون أن يلتزموا بذلك المنهج فإن مآلَهم الانقراضُ؛ ليأتيَ الله بمن هم أولى بتحمُّل المسؤولية وتطبيق شريعة الله. وحين يأتي هؤلاء سيُعَوْلِمون العالمَ بعالمية الإسلام؛ لأنهم يحملون رسالةَ آخر نبي جاء للناس كافة، وجاء ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وجاء يدعو الناسَ إلى طلب العلم من المهد إلى اللحد، وطلب العزة في الأرض، وجاء ليُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق.

         سؤال:

أعود إلى كتابك الأول حول البحوث الإعجازية والنقد الأدبي، لأتساءل ما إذا كان ممكناً أن نُعيد طرح السؤال الأساسي، كيف نقرأ القرآن؟ ذلك أن إعادة طرح هذا السؤال سيكون مفتاحاً به ستواصل البلاغة العربية مهمَّتَها بعيداً عن التكرار والاجترار. وبناء على التقويم والاجتهاد، فالكثير من الدراسات القديمة يمكن تقويمُها وتطويرُها بالاستفادة من علوم الغير في ضوء مقاييس ثابتة وواضحة، وقد بيَّنْتَ في كتابك أن هناك دراسات نصية للقرآن، وأخرى تناولت جانب التلقي والأثر النفسي، وأخرى اهتمّت بتصنيف الخطابات.

        ألا تعتقد أن كل هذه الدراسات يمكن تطويرُها وتقويمُها. فأدبيةُ القرآن ما زالت تختزن إمكانات بكْراً ولذَة القراءة ولذة الاستماع وخصائص الأسلوب الصوتي وأساليب الإقناع في القرآن... أعمال مهمة إذا ما تمَّ إنجازُه يمكن أن تساعد على تطوير بلاغتنا؛ هذه التي نريدُها أيضاً أن تواصل مهمتَها العلمية بدراسة ما يحفل به مجتمعُنا من خطابات: الشعر، الرواية، المسرح.

        الجواب:

القرآن لا تنتهي عجائبُه، كما قيل، وجمالياتُه وأسرارُه لا تُدرَكُ إلاَّ بفقه اللسان العربي؛ لأن القرآن نزل بلسان عربيّ مبين. وكيف نعرف حقيقة القرآن ونحن في غفْلة دائمة عنه؟ كيف ونحن نتجاهل أن اللغةَ في الثقافة العربية؛ ليست أداةً بل هي جوهر الثقافة؟ نحن لا نتدبَّرُ القرآنَ، فقلوبُنا عليها أقفالٌ صَدِئةٌ؛ مصداقاً لقول الله تعالى﴿ أَفَلاَ يَتدََبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ﴾: [ سورة: محمد:24]، شُغِلَ أغلب طُلاّبنا، وأغلبُ باحثينا بأدبيات بعيدة عن أجواء القرآن، ومعانيه وروحانيته ومقاصده. ومنذ أواسط القرن العشرين، أرادتْ شعوبنا أن تتحرّر من الاستعمار وتحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن تستفيد من حداثة الغرب؛ فوجدتْ نفسَها مُسَيَّجَةً بأشكال من أنواع الاستعمار. وفي تلك الأثناء، أي في لحظات التنمية؛ تفاقمت التبعية للفكر الأوربي؛ فأصبحتْ أدبياتُ الغرب أدبياتٍ لنا، وتسقطتْ مناهجُهم وآراؤهم في بلاغتهم على تصوُّراتنا، فأردنا أن نقرأ بلاغتَنا؛ فتعدّدتْ مفاهيمُنا للبيان وأصبحت مجاهيل للبيان. وتراكمت الترجمات فأصبحتْ رُكاماً يُخفي البيان العربي. وبحثاً عن الحداثة، اتجهت الأنظار إلى الاستفادة من جهود الأوربيين المعاصرين في قراءة النصوص وتحليل الخطاب وتفكيكه. بدأنا نبحثُ عن بلاغة جديدة فلم يعد بين أيدينا بلاغة جديدة ولا بلاغة قديمة. أساليب التحليل المزعومة، والتي تمَّ هضمُها وتطبيقُها أقامت حواجز بينها وبين قارئها. وكان مجملُ نتائج التحليل لا يُقدم ولا يُؤخر، لا نستفيد من الآخرين إذا كنَّا نَرْسُفُ في قيودهم، ونقلِّدُهم حّذْوّكّ النعلَ بالنعل. لا تستفيدُ من الآخر إلاَّ إذا امتَلأَتَ بثقافتك، وأدركْتَ حقيقتَها وقيمَتَها؛ وحين تَقرأُ غيرَ ثقافتك تستطيع أن ترى ما يَحملُ الفائدةَ إلى تجربتك، وتُلهِمُكَ ثقافتُكَ الطريقةَ التي بها تستفيدُ حقّاً من أفكار غيرك؛ تُوجِّهُكَ وِجْهَةَ التفاعلَ الحقيقيَّ الذي ينبغي أن يكون عليه أهلُ الأرض. وهذا من معاني ﴿ لِتَعارَفوا﴾ إذا كانت مقاصد البلاغة الغربية أن تدرُسَ الخطاب البشري لاستغلال الإنسان، ومعرفة طواياه؛ فإن مقاصد البلاغة العربية أن يعرف الإنسان حقيقة وجوده وحقيقة مصيره. وأقول لك في الأخير لا يمكن أن تتطور بلاغتُنا ونحن لا نعيش في رحاب القرآن، ولا نقوم بما يتطلَّبُه فهمُ القرآن. ابتعدْنا عن العربية، وابتعدنا عن القرآن، أو قلْ حُرِمْنا من فهم القرآن وتدبُّره. أما فنون البلاغة في القرآن فهي تمتدُّ إلى ما لا نهاية.

 

 

 

(0) تعليقات
حوار مع عباس أرحيلة

- نشر هذا الحوار بالملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي – الأحد 22 نونبر 1992 العدد 426 –

 

سؤال: بعد أن دافعتم عن أطروحتكم سنة 1991 والتي عنوانها:« التأثير الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري»، ما هي أهمية طرح هذا الإشكال؟
 

جواب: عندما كنتُ بصدد دراسة البحوث الإعجازية وانعكاساتها في الدراسات البلاغية والنقدية، واجهني قول د. طه حسين أن أرسطو هو المعلم الأول للمسلمين في البيان، وأن عبد القاهر الجرجاني، صاحب «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» وصاحب نظرية النظم التي نشأت وترعرعت في أحضان البحوث الإعجازية؛ لم يكن إلا فيلسوفاً يُجيد شرح أرسطو والتعليق عليه. وتساءلت آنذاك هل خرج البيان العربي حقاً من جُبَّة أرسطو؟ وهل الأمة العربية، وهي أمة البيان، علَّمَها أرسطو كيف تنفعل بعبارة الوحي، وأرشدها إلى الكيفية التي التي تتذوق بها طعومَه ومجانيَه، وتُدركُ أحكامه ومقاصده؟

ومنذ أواسط القرن التاسع عشر بدأ نزوع العالم المستضعَف نحو الغرب، وراح الاستمداد من ثقافة الغرب يزداد في مجالات الفكر الإسلامي العري الحديث. وبدأ الفكر  الأوربي يفرض أفكاره وأدبياته كما يفرض تقنياته. وأصبحت حداثَتُنا هي الانغماس في حداثة أوربا. ولم نَعُدْ نخاف لا من التقليد ولا من التبعية لحداثة الأوربيين، بل من الذوبان والتلاشي فيها.

 ومع مطالع العصور الحديثة تحركت النزعة الاستعمارية وفي ركابها التبشير والاستشراق. وتضخمت المركزية الأوربية فجعلت الإنسان الأوربي محوراً للتاريخ. وغُيِّبت أصالة كل فكر خارج تلك المركزية. وعَمِلَ المدُّ الاستشراقيُّ على ترسيخ المعجزة اليونانية؛ باعتبارها مصدرَ كل حضارة، وأن سوها ظلّ ويظلّ ذَيْلاً لها؛ إن لم يكن صورة شائهة منها.

فالغرب لم يقنع في العصور الحديثة أن نتلاشى في كونيته، ونذوب فيما يدَّعيه من عالمية، بل أراد أن يُقنعنا بأننا لم تكن لنا حضارة في الماضي أيضا؛ وكأننا كنا بالأمس خاضعين لأرومته اليونانية شأننا اليوم مع حَفَدَةِ تلك الأرومة.

هذا الطرح المرتبط بالمركزية الأوربية لا يريد التشكيك في أصالة الحضارة الإسلامية العربية فقط، بل من مقاصده تحسيس أصحاب تلك الحضارة يضآلة شأنهم ماضيا وحاضراً، وتهيئهم نفسيا للانفتاح على حداثة الغرب بدون روية.
 
سؤال: ولماذا أرسطو؟
 

جواب:لأن أرسطو هو الأصل الثابت في مرجعية المركزية الأوربية. ولأن أرسطو من الأدمغة البشرية التي أدهشتْ وما تزال تُدهش نوابغ الفكر البشري على مدى العصور. وقد دعاه الفلاسفة المسلمون بالمعلم الأول، والحكيم؛ لأنهم وجدوه قطب الفلسفة اليونانية وصاحب المنطق. ثم لا يُنكر أحد أن الفكر الأرسطي قد هيمن على العصور المتلاحقة.

ومنذ رأى الخليفة المامون أرسطو في الحُلْم اتضح أن الحاجة تدعو إلى الاستعانة بمنطق أرسطو لمكافحة القوى المعادية للإسلام دينيا وسياسيا.

وفي مطالع القرن العشرين نجد لطفي السيد – أستاذ الجيل – يدعو إلى اتخاذ الفكر الأرسطي دعامة أساسية في النهضة العربية الحديثة. وجاء تلامذته وأتباعه من الليبراليين المصريين فروَّجوا للهلِّينية بأساليب متعددة.
 
سؤال: لكن إلى أيّ حدّ استطاعت الثقافة اليونانية التأثير في الثقافة العربية؟
 

جواب: لا يمكن لأية حضارة أن تستكمل دورها في الوجود إلا إذا تمثلَتْ حضارة الآخر، وحاورتْها، وتفاعلتْ معها. والحضارة  الإسلامية كانت بمثابة قناة عظمى مَرَّتْ من خلالها الحضاراتُ القديمةُ بمِلَلِها ونِحَلِها وفلسفاتها، وقد تفاعلت مع تلك الحضارات - عند الاقتضاء – في ضوء عقيدتها، وفي ضوء المسؤولية التي أُنيطت بها، بِغَضِّ النظر عن هوية تلك الحضارات.

صحيح أن المسلمين قاموا بأضخم حركة ترجمة في التاريخ القديم، وأن الثقافة اليونانية كانت بين أيدي مجموعة منهم، ولكن تلك الثقافة صادفت أمة لها هويَّةٌ شكَّلَها الوَحْيُ، أمة لها تصوراتها وضوابطها المعرفية، أمة لم تتخذ اليونان قِبْلَةً لها، ولا جعلت لفكر اليونان سلطانا على وجدانها.

وصحيح أيضاً أن الثقافة اليونانية قدمت إلى الفكر العربي مادة علمية في الطب والكيمياء والرياضيات والفلسفة والمنطق، وأغنت الجدل الكلامي في المناظرات. وإذا كان المسلمون قد أنقذوا التراث اليوناني من فناء محقق، فقد استطاعوا بعد ترجمته أن يُعيدوا قراءته في ضوء مشاغلهم الفكرية، وشروطهم الحضارية العامة.

وعلى أي، لم يكن من غايتي أن أنفي عبقرية اليونان، أو أن أقلِّل من شأن الفكر اليوناني عامة. فظلاله وارفة في تاريخ الفكر الإنساني.
 
سؤال: وماذا عن التأثير الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين؟
 

جواب: من المعلوم أن أرسطو خصّص للفن حيزاً في تفكيره الفلسفي، وقدم مجهوداً رائداً في تاريخ نظرية الأدب، واحتلّ كتابه « الشعر» مكانة خاصة في تاريخ النقد العالمي.

ومن المعلوم أيضا أن بعض الفلاسفة المسلمين قد عُنوا بكتابيْ « الشعر» و« الخطابة» الأرسطييْن شرحاُ وتلخيصاً؛ باعتبارهما جُزأين من المنطق. وبالرغم من أن مقولة التأثير الأرسطي في التراث العربي ظلت راسخة في أذهان المستشرقين، إلا أنهم لم يجدوا لكتاب « الشعر» أثراً يُذكر في الثقافة العربية.

وجاء د. طه حسين فأقرَّهم على عدم تأثير كتاب « الشعر» في النقد العربي، إلا أنه حاول أن يُثبت في مؤتمر المستشرقين بليدن – هولاندا - سنة 1931م أن أرسطو كان المعلم الأول للمسلمين في علم البيان، وأن الباحث عن ذلك التأثير لا يجده في كتاب « الشعر»، وإنما يُلتَمَسُ التأثير في القسم الثالث من كتاب «الخطابة».

وقبله بأشهر قدَّر أمين الخولي أن البلاغة العربية شبَّت تحت رعاية رجال الفلسفة، وأن ما جاء في خطابة أرسطو كان بين أيدي العرب يتدارسونه باسم المنطق في أواخر القرن الهجري الثاني. وقد رسم هذان الباحثان الخطوط العامة للتقاطعات بين بلاغة أرسطو وبلاغة العرب، وكرّاسا مسألة التأثير اليوناني في مجاليْ النقد والبلاغة لدى مؤرخي النقد والبلاغة العربييْن.

وتوالت جهود الباحثين المعاصرين في توسيع ما اعتُبر تقاطعات وتشابهات، على أن المقارنات لم تحقق قناعات راسخة يُعتدُّ بها في مجال النقد المقارن.
 
سؤال: ما هو مستقبل البلاغة العربية في الوقت الحاضر؟ وكيف يمكن الاستدلال عليها بظواهر نقدية حديثة؟
 

جواب: عرفت مراحل النهضة العربية الحديثة عدة محاولات لبَعْثِ البلاغة العربية وتجديدها. ومع هذا ظل الدرس البلاغي في المجال التعليمي يستوحي مباحث البلاغة القديمة بقضاياها ونماذجها.

 ومع امتداد الفتوحات اللسانية في مجالات العلوم الإنسانية، وانشغال الغربيين بتحليل الخطاب، عاد بعض الباحثين إلى البلاغة العربية يريدون تجديدها ومقرنتها بما جد في عالم الدرس اللغوي. ومحاولات هؤلاء مسكونة بهاجس الحداثة، وتضطرب بما يضطرب به الفكر العربي الحديث.

تسألني عن مستقبل البلاغة العربية أقول لك هو مستقل الإنسان العربي. ولما أصبح الإنسان العربي يريد أن يستدل على وجوده بقضايا من الفكر الغربي الحديث بظواهر من الفكر الغربي الحديث، فلا مندوحة من أن يستدل على وجود البلاغة العربية كذلك بظواهر نقدية حديثة على حد تعبيرك.

ويوم يعرف الإنسان العربي موقعه من الإعراب الدولي، يوم يكون له دور في المعمور، يوم يعرف من يكون، يوم يُقرر هويته وينفعل بأبجديتها، يوم ذاك تبدأ حياته وتتجدّد بلاغته.
 
سؤال: كيف تنظرون إلى مستقبل التعليم الجامعي بالمغرب؟
 

جواب: يبدو لي أن التعليم بالمؤسسات الجامعية، وبالمعاهد العلمية، يخطو خطوات جديرة بالتقدير، وأن مشاريع البحث المقدمة في كليات العلوم تدعو إلى التفاؤل والاطمئنان. وأرى أن القيمة الفعلية للتعليم العالي في المغرب ستتحقق في التخصصات العلمية التي اختارَها. وكليات الآداب تحتاج مقرارتها إلى توسيع مجالات العلوم الإنسانية، بل أرى أن هذه المقررات تحتاج إلى لجنة علمية عليا تُعيد النظر فيما يُدرَّسُ في هذه الكليات، وذلك في ضوء فلسفة تعليمية تستجيب لتطلعات المغرب الحديث وطموحاته.

والتعليم الجامعي بالمغرب يختزن اليوم طاقات جبارة؛ إذا تمّ استثمارُها وتوجيهها؛ فإنها ستعطي للمغرب مكانة متميزة خلال مطالع القرن الواحد والعشرين. وإني متفائل جدا بما ستحققه كليات العلوم خاصة، بما سيتخرَّجُ منها من أطر، وما سينتُجُ عنها من نتائج لتعزيز البناء الاقتصادي للمغرب.
 

ملاحظة: أنجز هذا الحوار  عبد الواحد معروفي - رحمه الله تعالى- ولعل في نقل هذا الحوار هنا بعض الفائدة.

 

(0) تعليقات
الأثر الأرسطي

الأثر الأرسطي
حمّلها rhilaabas يوم الخميس, 14 صفر 29, 8:35 م (توقيت القدس)
قراءة في كتاب : الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن للهجرة للدكتور عباس أرحيلة

                           د.محمد همام


        أصل الكتاب أطروحة لنيل دكتوراه الدولة عام 1991م. والكتاب يقع في (700 صفحة)، قدم له العلامة الدكتور أمجد الطرابلسي حيث تناول بعض الإشكالات النقدية والمعرفية الملتصقة بالبحث وقضاياه؛ فأوضح أن كتابي "الشعر" و "الخطابة" لأرسطو لم ينقلا للعربية على أنهما من كتب النقد والبلاغة، بل بوصفهما من مجموعة كتب أرسطو المنطقية المسماة بـ "الأورغانون" ؛ أي الآلة. وتكلم عن ظروف ترجمة كتب أرسطو من قبل السريان، في وقت احتاج فيه المسلمون في جدلهم وتناظرهم بينهم وبين العقائد الأخرى إلى حدود الكتاب وحججه. كما دفع ادعاء بعض النقاد أن كتاب "الشعر" لأرسطو يقدم نظرية كاملة للأدب والشعر، في وقت هو يتحدث عن نظرية المأساة كما عرفها الشعر والمسرح اليونانيان. ومن ثَمَّ لم يكن بإمكان الأوساط العربية الشارة التي نقل إليها الكتاب أن تفهمه، لأن يحدثها عن موضوع لم تكن تعرفه. والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب "الخطابة" وإن كان موضوعة أقرب إلى المدركات العربية.

      أما السريان فإنهم كانوا ينقلون كتباً لا يفهمون موضوعها إلى لغة لا يتقنونها (ص16)، كما أشاد بأطروحة الباحث وأعلن اتفاقه مع معظم النتائج التي انكشف عنها البحث،؛ بل استفاد منه وصحح من خلاله مجموعة الأفكار التي تقلقه. وخالفه في عنفه وجدله! وبارك له شعوره الإسلامي العربي الفياض
    وفي مقدمة الكتاب أظهر المؤلف انه برغم الاتفاق بين الناس حول ظاهرة التفاعل بن الحضارات إلا أن القوم اختلفوا في أصول المعارف وطرق تشابكها وتفاعلها بين الأمم والشعوب (ص21). كما أن ظاهرة التأثير تسربت إلى العالم العربي تحت مظلة المستشرقين، ومتوازية مع المد الإمبريالي في العصور الحديثة، لتهيئ الإنسان العربي المسلم للذوبان في الحارة الأوربية المعاصرة (ص22) . وتبني الفكرة نفسها ثلة من المفكرين العرب لتبرير التبعية للفكر الغربي في العصر الحديث؛ بل أعطوا "المشيخة" لأرسطو على الثقافة العربية.


       أما موضوع الكتاب فهو تتبع دقيق وشمولي لرحلة الثقافة الأرسطية في بعديها النقدي والبلاغي، ومراجعة لكيفية تفاعل الفكر العربي الإسلامي مع الفكر الأرسطي (ص22). وقد حفز المؤلف للبحث في هذا الموضوع ذلك السؤال: هل كان أرسطو بحق معلم العرب في البيان؟ كما ادعى تلامذة المستشرقين!! وكيف يكون هذا بالنسبة إلى أمة امتازت هويتها بالبيان وتحققت خصوصيتها له؟ وإذا كان أرسطو معلمها! فهل أخضعت الأمة العربية جوهر وجودها لمقاييس خارج ذاتها وطبيعتها؟.وهل علمها أرسطو أن تنفعل بالوحي وتستجيب له، وتدرك مراد الله فيه، وتتذوقه، وتستلهم منه بناء حضارتها؟

والتزم الباحث منهجًا تاريخيًا وصفيًا تحليليًا. وعمل على دحض بعض المسملات المزيفة والمحيرة في أثناء تناول قضية التأثر والتأثير؛ من نحو: جعل أوربة محور التاريخ البشري، وادعاء أن الثقافة اليونانية أصل من أصول الثقافة العربية، ومن ثَمَّ السعي إلى تزييف الدور الحضاري الذي نهض به العرب المسلمون في التاريخ. وسعى إلى إثبات أن الحضارة الإسلامية كانت تماس قراءة تراق الآخرين، في ضوء قناعتها وتصوراتها المستمدة من النصين المؤسسين لهويتها: القرآن والسنة، قراءة نابعة من مقومات الذات من مركز قوة، دون عجز أو انبهار أو استلاب...
   وقد اعتمد الكاتب في مؤلفه على وراقية غنية ومتنوعة وواسعة، عبرت عن قدرة كبيرة على الاطلاع والحشد والتمحيص في الجزئيات، في إطار تصور معرفي متكامل ومنهج نقدي فعال. مما وفر له من المعطيات والحجج، ما جعله يطمئن إلى أن "الذوق العربي قد تربى في أحضان القصيدة العربية وتحدد ت قسمات النقد العربي بل معرفة أرسطو" (ص27).


     الحضارة العربية .. قناة عظمى للحضارات القديمة
    وفي القسم الأول من الكتاب قدم المؤلف مجموعة من المداخل المنهجية؛ مثبتًا أن الحضارة العربية الإسلامية شكلت قناة عظمى مرت خلالها الحضارات القديمة بمللها ونحلها، وأنها تفاعلت معها في ضوء عقيدتها وتصوراتها للوجود. غير أن البحوث الاستشراقية، بخليفاتها المتحيزة، أشاعت عكس ذلك، مرسخة "المعجزة اليونانية" باعتبارها مصدر كل حضارة (ص 33)، والإنسان الأوربي محوراً للتاريخ.

    إن الحضارة الإسلامية بنظر المؤلف تستقي وجودها وضوابطها المعرفية من النصين المؤسسين لها: القرآن والسنة. ولما كان الدين الإسلامي قد استوعب الديانات السابقة وهيمن عليها؛ إذ جعل التوحيد جوهرها وسعادة الإنسان في الأرض غايتها، تطلعت الحضارة العربية الإسلامية إلى استيعاب معطيات الحضارة السابقة، أيّا كان مصدرها: هندياً كان أم فارسيًا أم يونانيًا أم غير ذلك، إنها تَعُدُّ الحقيقة مطلباً إنسانياً مشاعاً للخلق، وفوق كل الاعتبارات (ص34). ومن الثوابت الأخرى التي أسس عليها المؤلف كتابه أن الغرب الحديث هو فيد لليونان، وأن حضارة اليونان تشكل وما زالت مرجعية الفكر الغربي عموماً؛ فمن تلك الحضارة استقى الغرب كثيراً من معارفه وتصوراته وفنونه. بل عن الميثولوجيا الإغريقة لا تزال إلى اليوم تسري في شرايين الإنسان الأوربي، من خلال شروحه وتأويلاته لقضايـا الإنسـان في الكون. هذه المعطيات جميعها ولدت وعياً غريباً بالحضارات الأخرى عامةً، والإسلامية خاصةً . أساسه الأنانية والتعصب والتشويه. وهو ما تنبه له بعض الغربيين أنفقسهم كروزنتال في كتابه: "مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي" وكان أشهر مؤرخي الحضارة الغربية "سبنجار" Spengler الذي رفض تقسيم التاريخ إلى فترات وعصور جامدة؛ أي إلى تاريخ قديم ووسيط وتاريخ حديث، وركز في تحليله على ثماني ثقافات عظمة متمايزة هي: ثقافة مصر والهند وبلابل والصين والعصور الكلاسيكية القديمة وثقافة الإسلام وثقافة الغرب ثم ثقافة المكسيك. وانتهى إلى أن لكل ثقافة من هذه الثقافات القوية طابعها الخاص الذي أفلحت في أن تفرضه على الجنس البشري (ص37). ومما زاد في تشويه الغربيين للحضارة الإسلامية ارتباطها بدين سماوي؛ والفكر الغربي في تكوينه التاريخي، لا يهم مقولة الوحي في الإسلام. كما انه يختزل مفهوم الحضارة في التقدم المادي للإنسان!.
والحضارة الإسلامية بقدر عمقها في ذاتيتها تستطيع مواجهة التحديثات والتغلب عليها، في إطار من التجدد والتطور بناء على انفتاحيتها فكرياً ونفسياً ومادياً على حضارات الأمم، وانفتاحاً تشكَّلَ في ضوء مقاييس ثابتة تحق الحق وتزهق الباطل، وتنشر الخير وتقمع الشر.وبرغم هذه المعالم المضيئة في الحضارة الإسلامية فإن الدراسات الغربية كانت تحكمها نزوعات متحيزة أجملها الكاتب في الآتي:
· نزوع صليبي مترسب يحمل كراهية للظاهرة الإسلامية.
· نزوع تبشيري يهيء النفوس للاستغلال، ويضع حداً لانتشار الإسلام.
· نزوع استشراقي يدرس تراث الشرق ويساهم في المسح المعرفي للمناطق المستعمرة قصد اكتشاف مكوناتها وخصائصها.
· نزوع إمبريالي لاستخلاص خيرات الأرض وإشاعة الفكر الغربي في المعمور (ص42).

وكانت أغلب الدراسات الغربية تجعل غايتها من البحث في الفلسفة الإسلامية، ولاسيما في العصر الوسيط هي مقابلة رأي المفكر الإسلامي بنظرية الحكيم اليوناني، من منطلق أن كل شيء قد قرره الأوائل من أهل اليونان. ولا يعني الباحث سوى الانتباه إلى الثوب العربي أو الإسلامي الذي يلبسه القول المتقدم، فظهرت مقولة التأثير والتأثر! فتم التغاضي عن حقيقة الحضارة الإسلامية بضوابطها المعرفية وشروطها التاريخية ومشاغلها الفكرية وقدراتها على قراءة تراث الآخرين.
والقول المنصف بنظر المؤلف هو أن الثقافة الإسلامية أعادت إنتاج الثقافة اليونانية وجذبتها من وثنيتها وحسها الديني الطفولي؛ أي عملت على إعادة النظر في جل مسلماتها العقدية التي يلخص سامي النشار تجلياتها في :قداسة النظر، سادة/عبيد، الوثنية المطلقة، قدم المادة، إليه باهت أو غير موجود...انعدام النظرة في الخلق، والنظرة التشاؤمية التي تشيع في التراجيديا اليونانية، وعبادة الجنس والنوع (ص44).
والكتاب ينهض بمسؤولية تصحي الرؤية الغربية لمفهوم العصور الوسطى، بحيث توضع الدورة الحضارية التي أنجزها المسلمون في سياقها التاريخي؛ إذ يمارس تصور الغرب المتحيز "إمبريالية" على التاريخ، تتجاهل حضارة واصلت أشواط مسيرة الحضارات. وهو موقف تمليه المركزية الأوربية. أما علاقة العقل الإسلامي بالتراث اليوناني، فكانت عبارة عن قراءات مستقلة للفلسفة اليونانية. ومن المفروض، علمياً، فهم هذه القراءات حتى لا يكون تصورنا لتاريخنا مشوهاً. استثمر المؤلف مفهوم "القراءة" كما تبلور في الدراسات الحديثة؛ باعتبار أن القارئ أو التلقي يمثل طرفاً في عملية لإنتاج النص. فالكاتب يحمل تصوراً ويقدم وجهة نظر ؛ فهو إذاً ينتج خطاباً. والقارئ يسعى إلى تلقيه هذا الخطاب وفهمه، واستخلاص وجهة نظر يعيد بها خطاب الكاتب فهماً وتأويلاً أو قل : "قراءة" (ص 49).
وبرغم ما قدمه المؤلف من تحديد منهجي دقيق لمفهوم القراءة، فإن المصطلح تتداخل فيه حقول كثيرة؛ كالبحث النظري، والنقد والمنهج، والأيديولوجيا عامةً، وتحليل النصوص الإبداعية خاصةً. وقدم المؤلف أنواعاً من القراءات للتراث العربي، أو في علاقته باليوناني، تتـوزع بين القـراءات الاستشراقية أو السلفية أو القومية أو الليبرالية أو اليسارية، كلها توجهها نماذج سابقة وشواغل أيديولوجية ظرفية، لا تهتم إلا بما تريد كشفه أو البرهنة عليه.

(0) تعليقات
مقدمة الكتاب

مقدمة الكتاب
حمّلها rhilaabas يوم الخميس, 14 صفر 29, 8:35 م (توقيت القدس)
قراءة في كتاب د. عباس أرحيلة


مـقـدمـة الـكـتـاب فـي الــتـراث الإســلامـي





                      د.حـسـن الـمـودن



1 ــ أصدر الدكتور عــبــاس ارحـــيـلـة سنة 2003 كـتـابـا تحت عنوان: " مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع" . وهو عبارة عن دراسة لمقدمة الكتاب في التراث الإسلامي " من بداية التأليف في تاريخ الإسلام إلى بداية النهضة العربية الحديثة"(ص 7). ويقدّم نفسه باعتباره محاولة في تحديد مفهوم المقدمة وابراز مكوناتها، " مع التركيز على جزئية واحدة من هذه المكونات، وهي التي تتعلق بحديث المؤلّف عن موضوعه" (ص 7)، وهذا المكون هو الذي يراه الباحث جوهريا في كل مـقـدمـة عـلـمـيـة، سواء كان ذلك في الـقـديم أو في الحديث( ص 7).
وغاية الباحث من هذه الدراسة " الكشف عمّا يتميز به خطاب المقدمات في كتب التراث الإسلامي العربي، وما يطرحه ذلك الخطاب من قضايا، وما تعرب عنه تلك المقدمات من تصورات منهجية تخصّ التأليف في حضارة الإسلام، وتبيّن منحنيات الإبداع فيه" (ص7).

ومن أهداف هذا البحث أن يجد فيه القاريء " شهادة إثبات بوجود تصور واضح للتأليف في مقدمات الكتب في حضارة الإسلام، وأن ذلك التصور أصبح واضحا منذ القرن الثالث للهجرة" (ص8). وأن يجد فيه " معالجة بعض مشكلات البحث العلمي في التراث الإسلامي، من خلال أشكال الخطاب في مقدمة التأليف، وذلك بالوقوف عند دعاوى المؤلفين في تراث الإسلام حين يقولون انهم أتوا بما لم يسبقوا إليه، وانهم اجتهدوا وتجاوزوا السابقين، فتحقق في آثارهم الإبداع" (ص8). وبالنسبة إلى الباحث، هذه الدعاوى " هي الهواجس التي ينبغي أن ترافق الأبحاث العلمية التي يعتدّ بها في تاريخ تطور المعرفة" (ص8). ومن أهدافه أن يكشف كذلك " أن مقدمات الدراسات في العصور الحديثة لا تضيف جديدا إلى أهمّ مكونات المقدمة في كتب التراث ..." (ص 8).

ويقول الأستاذ عباس ارحيلة إن الاهتمام بالمقدمات موجود منذ زمن بعيد، وقد خصّها العلماء بالشروح في القديم، وصارت من اهتمامات النقد الحديث. ويسجل أن له في هذا البحث " وجهة مغايرة لهذه الاهتمامات، إذ أن موضوع هذا البحث أن يقرأ مع متلقيه مقدمة الكتاب في تراث الإسلام، مع التركيز على إحساس المؤلف ـ مؤلف المقدمة ـ بنوع التأليف الذي أتى به، من حيث جدّته وما حقّق فيه من سبق في مجاله المعرفي الخاصّ" (ص 8).







وفي نظره، يمكن تقسيم الأعمال السابقة في موضوع المقدمة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول ويتعلق بما ورد من إشارات إلى مفهوم المقدمة في مقدمات كتب التراث، وما ورد عنها في بعض الكتب التي تؤرخ لفنّ الترسّل في الأدب العربي، وما يوجد في الشروح والحواشي التي تناولت كتب السابقين ... ويسجل الباحث أنه " لا يوجد تراث إنساني شرح فيه خطاب المقدمات كما شرح في التراث الإسلامي العربي" (ص 9).

ويتعلق القسم الثاني بالبحوث التي تناولت المقدمة في التراث العربي من لدن المعاصرين. ومن أهمهم المستشرق الألماني فريمارك في كتاب أصدره سنة 1967، وتناول فيه المقدمة باعتبارها شكلا أدبيا في التراث العربي. وتناول أحمد جاسم النجدي في الفصل التاسع والأخير من كـتـابه الصادر سنة 1978 تـحـت عـنــوان : " منهج البحث الأدبي عند العرب" ما أطلق عليه مصطلح " المكملات" وهي: الخطبة(المقدمة)، التوطئة(التمهيد)، الخاتمة، الفهارس. ومن هذه البحوث رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا من إنجاز الباحث عبد الرزاق بلال تحت عنوان: المقدمة في التأليف النقدي القديم في القرنين الثالث والرابع الهجريين" ( 1990). وقد نشر الباحث قسما من رسالته بعنوان: " مدخل إلى عتبات النص، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم".

ويتعلق القسم الثالث بما أنجزه بعض النقاد الفرنسيين خلال الثلث الأخير من القرن العشرين من دراسات حول ما سمي بالنصوص الموازية أو العتبات. ويسجل الباحث أن مجمل المعلومات المتوافرة اليوم عن المقدمات " تستمدّ مرجعيتها من نقاد فرنسيين، يأتي في طليعتهم اسم جيرار جنيت(Gerard Genete) الذي قدّم جهازا مفاهيميا متكاملا لدراسة ما أسماه بالعتبات أو النصوص الموازية في الآثار الإبداعية، والروائية منها بشكل خاص، لدى الغربيين." (ص 10). ويضيف أن هذا الجهاز المفاهيمي الغربي في الدراسات النقدية الحديثة هو الذي استفاد منه مجموعة الباحثين العرب ومنهم المغاربة بشكل خاص(ص ص 10 ـ 11).

ويسجل الدكتور عباس ارحيلة ملاحظات في ضوء ما تقدمه الدراسات الحديثة، منها أن مفهوم النصوص الموازية أو العتبات باصطلاح جيرار جنيت " لم يتبلور بعد بصورة نهائية"(ص 12). ومنها أن هذا الجهاز النظري حول النصوص الموازية " منطلقه ومرجعيته الأدب الروائي الأوربي بشكل خاصّ، وتصوراته نابعة من مناهج دراسات الخطاب في الآداب الأوربية، وغاية مدارستها اكتشاف الروابط الممكنة بينها وبين النصوص الأصلية، في ضوء ما يعرف بالتفاعلات النصية." (ص 12). ومنها أن المقدمة لا تشكّل " إلا جزئية واحدة ضمن مجموعة من الخطابات المواكبة للنص، والتي ينظر إلى كيفية اشتغالها، وتأثيرها في المتلقي." (ص12). ومنها أن "هذه النصوص الموازية، ومن ضمنها المقدمة، لها استقلاليتها عن النصوص" (ص12).









وبالنسبة إلى الباحث، هناك خلاف جوهري بين النصوص الموازية في الدراسات الحديثة والمقدمة في التراث العربي، فهذه الأخيرة " تنتمي إلى مجال البحث والتصنيف، لا مجال الإبداع، وهي لا تشكّل نصّا موازيا مستقلا بذاته، بل هي جزء لا يتجزأ من الكتاب ... تمثّـل الرأس من جسد الكتاب" (ص12). ويضيف أن المقدمة في التراث العربي " تنتمي إلى فضاء مغاير، وترتبط بتصورات من حضارة قوامها دين ينظم حركة وجودها، ولغة يقوم عليها خطاب الوحي، وتشكل أساس الثقافة في حضارة الإسلام، وعلى طرائقها يتحقق الأداء الفني في أصناف القول في تلك الثقافة، وهي ثقافة لها سياقها الديني الخاصّ، واشكالاتها المعرفية، ولها رسوخ في مجال التأليف يتجاوز كل التقديرات." (ص12).

ويضيف الأستاذ عباس ارحيلة أن ما يميز بحثه هذا أنه " يعنى بشكل خاصّ بالمقدمة التي وضعها المؤلف المسلم العربي لمصنّفه، و... الكشف عمّا تميّزت به، من حيث مفهومها ووظيفتها ومكوناتها ومقاصد أصحابها وأبعادها التداولية، في ضوء منهج تاريخي وصفي لا يدّعي الاستقراء كلية، ولكنه يحاول أن ينفتح على حقول معرفية مختلفة، مع التركيز على هاجس الإبداع لدى المؤلف، أي على إحساسه بطبيعة ما أتى به..." (ص 13).



2 ــ قسّم الدكتور عباس ارحيلة مؤلفه إلى ثلاثة فصول. تناول في الفصل الأول المقدمة في حركة التأليف في الإسلام، موضّـحا أهمية التأليف عامة وفي حضارة الإسلام خاصة، ومنبّها إلى أن استفتاح الكتب توجيه إسلامي، ومستحضرا مطالع القصيدة العربية. وعالج في الفصل مفهوم المقدمة لغة واصطلاحا مع ما ينوب عنها من مصطلحات، مبيّـنا أهمية المقدمة ووظيفتها وأنواعها، ومقارنا بين مقدمة الكتاب ومقدمة العلم.

وقام في الفصل الثاني بفحص مكونات مقدمة الكتاب، ناظرا في ثوابتها ومتغيراتها، مقسّـما إياها إلى سبعة أنواع من الخطاب: 1ـ خطاب تطبعه ديباجة الكتاب الإسلامي، 2 ـ خطاب موضوعي عناصره ثابتة في أغلب الأحيان، 3 ـ خطاب موضوعي عناصره متغيرة، 4 ـ خطاب يختلط فيه الموضوعي بالذاتي، 5 ـ خطاب ذاتي تكشف فيه الذات عن هواجسها وتطلعاتها، 6 ـ خطاب يسعى أن يشرك القاريء في المسؤولية المعرفية، 7 ـ خطاب عام تندرج فيه كثير من الحقائق والإفادات.

وانتهى في خاتمة بحثه إلى أن القدماء قد أدركوا أهمية مـقـدمـة الكتاب، " وتنبهوا إلى ضرورة وجودها، واعتبروها لحظة إبداع تبوح فيها الذات بمعاناتها، وتكشف عن تصوراتها للموضوع، ومدى إحاطتها به." (ص 249). ويضيف أن المقدمة في التأليف العربي قد تحقّـقت " بالصورة العلمية التي هي عليها الآن في مجالات البحث العلمي عامة" (ص 249).

وخلص إلى أن الإحساس بالسبق هو الذي كان هاجس المؤلف في مقدمة كتابه، ومن هنا " كان رصد هذا الإحساس مما يكشف عن مظاهر التجديد في تاريخ التأليف العربي، ومما يساعد على معرفة التحولات الفكرية والتصورات الحاصلة في مجالات الإبداع. ففي مقدمات التأليف تلتمس لحظات العطاء والتقدم، وفترات التراجع والشرح والجمع والاجترار." (ص 249).

لقد اتضح مع هذا البحث أن " المقدمة لحظة ينكشف فيها الإحساس بقدر المشاركة في إثراء التجربة الإنسانية. وتظل لحظة البوح بهذا المعطى لأهمّ لحظة في المقدمة" (ص 249). ووجد الباحث أن هاجس الإبداع ظلّ يرافق المبدعين عامة، ومن هنا يرى " أن المقدمات في كتب تراثنا العربي ترسم منحنيات الإبداع في ذلك التراث، إذ يبوح فيها المؤلفون ... بالإضافات التي أحسّـوا أنهم أسهموا بها في إثراء التجربة الإنسانية العربية" (ص 250).



3 ــ من الخلاصات العامة لهذا البحث " أن دراسة مقدمة الكتاب تكشف عن حضور مسألة المنهج، منذ المراحل الأولى للتأليف في الثقافة الإسلامية." (ص 250). ومن أهم سمات المنهج العلمي الذي تعرب عنه مقدمات الكتب في التراث الإسلامي أنها تستند إلى قيم الحقّ والصدق والنزاهة، وتنطلق من تجربة حياتية وعلمية، فالمؤلف يقيم قضيته على أساس ملاحظة ما تمّ إنجازه من أعمال سابقة، ويقوم بعملية استقراء في ضوء تلك الأعمال، فيصف ويوازن ويقارن ويحلل. ومن أهمّ هذه السمات أيضا أن المؤلف يضع تصميما لبحثه يستجيب لمنهجيته في تحقيق نتيجة راهن عليها في المقدمة.



والخلاصة أن دراسة المقدمة في التراث الإسلامي عمل مفيد وضروري، والدراسة التي قدّمها الدكتور عباس ارحيلة تكشف خصائص علمية جوهرية في مقدمة الكتب والبحوث العلمية، وتدفع إلى الاستفادة من مقدمات الأسلاف والسابقين، وخاصة فيما يتعلق بهاجس الإبداع الذي من دونه لا يستقيم البحث العلمي.

(0) تعليقات
مقدمة الكتاب

مقدمة الكتاب
حمّلها rhilaabas يوم الخميس, 14 صفر 29, 8:35 م (توقيت القدس)
                    يوسف الإدريسي



الخطاب المقدماتي عند العرب

قراءة في كتاب الأستاذ: د. عباس أرحيلة







         يندرج كتاب : مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ضمن مشروع علمي هام وكبير استهله الأستاذ: الدكتور عباس ارحيلة بكتاب : البحوث الإعجازية والنقد الأدبي إلى نهاية القرن الهجري الرابع، وأعقبه بكتاب : الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري، ثم كتاب : مسألة التاثير الأرسطي لدى مؤرخي النقد والبلاغة ، فضلا عن العديد من المقالات التي دأب على نشرها في المجلات والدوريات العربية منذ ما يزيد على عشرين سنة.

        ويطمح هذا المشروع العلمي إلى استقراء العلوم العربية الإسلامية، وتتبع مختلف التحولات النظرية والمنهجية التي طرأت عليها عبر سيرورتها التاريخية والمعرفية، ومن ثمة، إبراز التصورات والمفاهيم العربية الأصيلة وتمييزها عن تلك المستمدة من العلوم الدخيلة، والتي نتجت عن تفاعل الثقافة العربية الإسلامية مع ثقافات الامم الأخرى التي دخلت حظيرة الإسلام.

         وإذا كان الأستاذ الفاضل: د. عباس ارحيلة قد أوضح في كتابيه الأولين أن الخطابين النقدي والبلاغي عند العرب يمتلكان حصانة ذاتية تجعلهما في مأمن من كل أثر خارجي، كما تجعلهما ينعطفان على الماضي ، ويستلهمان مفاهيمهما من طبيعة مادة الشعر الجاهلي، ومن خصائص التعبير البياني للقرآن الكريم، ومن المباحث اللغوية والدينية التي ظهرت خلال القرنين الهجريين الأولين، فإنه يريد أن يبين في هذا العمل العلمي الجديد ، الذي نحن الآن بصدد الاحتفاء والاحتفال به أنه مثلما كانت القضايا العلمية والتصورات النظرية والاليات المفهومية التي صاغها العلماء والنقاد العرب لتحليل الخطاب ، وضمنوها في كتبهم مستمدة من صميم الثقافة العربية الإسلامية ، ولم تتاثر في العمق بالموروث الثقافي للأمم الأخرى، فكذلك المر بالنسبة إلى طريقة ترتيت مواد الكتاب وكيفية إنتاج خطاب لغوي واصف لمتنه ومقصوده، ومقدِّم له بين يدي القارئ.

        لقد أدى شيوع الكتابة ، وتنامي حركة التأليف المنظم في الثقافة العربية الإسلامية منذ منتصف القرن الهجري الثاني إلى وعي العلماء العرب بضرورة تحديد ضوابط الكتابة، ووضع قواعد التأليف لتكون عمادا للأدباء والكتاب والناشئين في إنتاج مؤلفاتهم. وقد عملت العديد من الكتب منذ القرن الهجري الثالث –وهي لحظة تاريخية حاسمة ودقيقة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية- على تحديد بعض تلك الضوابط والقواعد.

      ويستشف من الأحكام والتصورات التي تضمنتها تلك الكتب، والتي تروم التقعيد لأفانين الكتابة وطرائق صناعة المؤلفات وتقديمها للقراء أن العرب قد ميزوا –في وقت مبكر من ثقافتهم- بين مستويين من الخطاب في البنية النصية لكل مُؤَلَّف: أحدهما أساس، والآخر تمهيدي أو تصديري بلغتهم ، كما سيتضح لاحقا.

     فأما الأول ، فيمثله متن الخطاب الذي يروم المؤلِّف إبلاغه للقراء المستهدفين؛ واما الثاني فتجسده مجموع العناصر التي ترافقه وتسبقه غالبا – حسب تقاليد صناعة المؤلفات قديما- والتي تتقدم باعتبارها خطابا واصفا للاول ومقدما له بين يدي القارئ.

    فقبل الشروع في عرض مضامين الكتاب وإبلاغ الخطاب المقصود ، كان الكاتب العربي يعي – نظريا على الأقل- أن عليه أن ينتج نصا موازيا لنصه الأصلي، يهيء فيه قارئه المفترض – ذهنيا ونفسيا ومعرفيا- ليتلقى خطابه على النحو الأفضل، وذلك من خلال التصريح باسمه، وتحديد طبيعة موضوعه، وتعيين مجاله المعرفي، وكشف الدواعي الذاتية والموضوعية لتأليفه له، والإحالة على المنطلقات النظرية التي تةجه تصوراته واحكامه، والضوابط المنهجية التي تتحكم في طرائق عرضها وتحليلها والدفاع عنها.

    ويتحدد نسق هذه العناصر فيما توافق القدامى على تسميته "الرؤوس الثمانية" ، وفي هذا الإطار يقول تقي الدين المقريزي (ت 845هـ) : "اعلم أن عادة القدماء من المعلمين قد جرت أن يأتوا بالرؤوس الثمانية قبل افتتاح كل كتاب، وهي الغرض والعنوان والمنفعة والمرتبة وصحة الكتاب ومن أي صناعة هو وكم فيه من أجزاء وأي أنحاء التعاليم المستعملة فيه." [1]، وفي السياق نفسه يقول محمد علي التهانوي (ت 1158هـ):" الواجب على من شرع في شرح كتاب ما أن يتعرض في صدره لأشياء قبل الشروع في المقصود يسميها قدماء الحكماء الرؤوس الثمانية. أحدها الغرض(...) وثانيها المنفعة (...) وثالثها السمة (...) ورابعها المؤلف (...) وخامسها من أي علم هو (...) وسادسها أنه من أي مرتبة هو (...) وسابعها القسمة (...) وثامنها النحاء التعليمية (...) ."[2]

      ف"فاتحة الكتاب" حسب المقريزي، أو " صدر النص" بعبارة التهانوي غير مقصوده، لأن كل واحد منهما له وقعه الخاص في فضاء النص، كما يوحي بذلك الظرف في قولهما: " قبل افتتاح كل كتاب"، و "قبل الشروع في المقصود"، والذي يشمل الزمان والمكان (أي زمن الكتابة وموقع المكتوب بالنسبة إلى البنية الكلية للخطاب).

     ويتجلى الاختلاف بين الاستفتاح أو الصدر والمقصود في كون الأول لا يعدو أن يكون وسيلة لرسم صورة عامة ومركزة عن موضوع المتن، إلا أنها وسيلة "ضرورية" ، لأنه لا يمكن تصور نص –بالمعنى المفهومي للنص حسب تقاليد التأليف عند العرب- دون عناصر التصدير، وهذا ما تنم عنه كلمتا "اعلم" و " الواجب" في مستهل النصين السالفين.

     ولاشك أن الفضل في التنبيه على القيمة الوظيفية للرؤوس الثمانية يعود إلى اليونان، وإذا كان ذلك يستشف منعبارتي " القدماء من المعلمين" و "قدماء الحكماء" الواردتين في النصين السابقين ، فإنه يتضح بجلاء عند أبي عثمان الجاحظ (ت255 هـ) الذي أرجع ذلك إلى الفيلسوف اليوناني ديموقريطس، حيث يقول : " وأما ديمقراط فإنه قال: ينبغي أن يُعرف أنه لابد من أن يكون لكل كتاب علم وضعه أحد من الحكماء ، ثمانية أوجه: منها الهمة، والمنفعة، والنسبة، والصحة، والصنف، والتأليف ، والإسناد ، والتدبير، فاولها ان تكون لصاحبه همة، وأن يكون فيما وضع منفعة، وأن يكون له نسبة يُنسب إليها، وأن يكون صحيحا، وأن يكون على صنف من أصناف الكتب معروفا به، وأن يكون مؤتلفا من أجزاء خمسة، وأن يكون مسندا إلى وجه من وجوه الحكمة، وأن يكون له تدبير موصوف"[3].

    لقد دخل هذا النص أجواء الثقافة العربية الإسلامية في لحظة حاسمة تميزت أساسا- كما سبق القول- بتنامي حركة التاليف عند العرب، من جهة أولى، وبظهور كتب تقعد لعملية تأليف الكتب، وتحدد العناصر الواجب ذكرها في مستهل كل كتاب،من جهة ثانية. وإضافة غلى هذا وذاك ، فقد صادف دخوله نضجَ تصورِ الكتاب العرب للتأليف في مقدمات الكتب في حضارة الإسلام، إذ أصبح ذلك التصور واضحا ومكتملا –كما يقول ذ.عباس ارحيلة- منذ القرن الثالث للهجرة.

    فهل معنى ذلك أن وعي الكتاب العرب المسلمين بأهمية مكونات الخطاب المقدماتي وبوظيفتها التوجيهية بالنسبة إلى عملية قراءة متن الكتاب ،إنما تم في ضوء تأثرهم بهذا النص وبغيره من النصوص التوجيهية المشابهة؟ أم أن تصورات الأمم الخرى –وخاصة اليونان- لطريقة بناء مقدمة الكتاب وترتيب عناصرها لم يكن لها أي تأثير يذكر؟

      في رأي الأستاذ: د.عباس ارحيلة أن نص ديموقريطس الذي أورده الجاحظ : " لم يتردد عند أهل التأليف في الثقافة العربية"، ومن ثمة لم يجد سبيلا لتطبيقه في منهج تقديم الكتب عندهم (ص 195). وليس في هذا الحكم أي ادعاء أومجانبة للصواب، لأن دراسة مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وتتبع التحولات التي طرأت على بنياتها والعناصر المكونة لها من بداية التأليف في تاريخ الإسلام إلى بداية النهضة العربية الحديثة –وهي الفترة التاريخية التي يتناولها الكتاب- تبين بما لايدع مجالا للشك أن الخطاب المقدماتي عند العرب قديما كان يستمد مقوماته من صميم الثقافة العربية الإسلامية، وظل يهتدي بالخطاب القرآني ويحذو حذوه في طريقة استهلال فعل القول وافتتاح عملية الكتابة، يقول الأستاذ : د.عباس ارحيلة في هذا السياق:" وهكذا أصبح مفتتح الكتب في تاريخ التأليف عند المسلمين يقوم على ثلاثة عناصر قلما يخلو منها كتاب: البسملة والحمدلة والتصلية، وذلك اقتداء بكتاب الله تعالى، وعملا بسنةنبيه هلى الله عليه وسلم."(ص 84)

     وإذا كانت هذه العناصر من ثوابت الكتاب الإسلامي، فلم يكن ينشد المؤلف من ورائها –فحسب-الامتثال لأمر الله ، والاقتداء بكتابه في الافتتاح بالحمد، ومطلق الثناء، بل يستهدف بها أيضا التنلميح إلى أن كتابه جاء بفضل الله وكرمه، وأنه من المور ذوات البال، ومن ثمة، إعداد القارئ نفسيا وإدراكيا لقراءة الكتاب بشكل جيد.

      ذلك أن ديباجة الكتاب الإسلامي كانت تختلف مضامينها وأساليبها بالنظر إلى طبيعة موضوع المتن وحقله المعرفي ، فصيغ الحمدلة والتصلية في كتب التفسير تتميز – شكلا ومحتوى- عن تلك التي توجد في كتب اللغة أو النقد والبلاغة أو الجغرافيا. وإذا كان هذا الأمر من الأشياء الهامة والجديدة التي توصل إليها الأستاذ الجليل: د. عباس ارحيلة وكشف عنها ، فإن قيمتها العلمية تكمن أساسا في كونها تبرز أن مقدمة الكتاب في التراث العربي الإسلامي كانت تحرص منذ الكلمات والأسطر الأولى التي تستهل بها خطابها على وضع القارئ في المدار العلمي للكتاب، وتقدم إليه بعض العناصر الأولية التي تشي بموضوعه وتلمح إليه بصورة تثير في نفس القارئ رغبة جامحة في الاطلاع عليه وقراءته.

     ولا تنحصر قيمة ديباجة الكتاب في التراث الإسلامي في كونها تعمل – من خلال طريقة انتظامها وأسلوب صياغتها- على برمجة فعل القراءة وتوجيهه فحسب، ولكنها تروم أيضا وأساسا تطهير نفس القارئ وتخليص فكره وخياله من الشوائب المادية والانشغالات اليومية التي تتعارض مع قدسية العلم، والتي قد تحول دون تمثل مضامين الكتاب ، فالعلم عبادة، وشرط تمثله على النحو الأمثل يتم عبر إخلاص النية والتوجه إلى الله بصادق الدعاء والاستخارة.

      وقد يقول قائل إن تأصيل العرب للخطاب المقدماتي ينحصر فقط في ديباجة الكتاب في التراث الإسلامي، ولا يعدوه إلى العناصر الأخرى، وأن وعي العرب بأهمية الرؤوس الثمانية وضرورة تصدير الكتب بها ، إنما تم في ضوء تأثرهم بالثقافات الدخيلة، وفي رأي الأستاذ الفاضل : د.عباس ارحيلة فهذا لأمر مجرد ادعاء لا أساس له من الصحة، وتفنده شواهد مادية وحجج منطقية عديدة ، لعل أبرزها أن مقدمة الكتاب لم تكن شيئا طارئا في الثقافة العربية ،ولكنها اتخذت ملامح جنينية أولى في الخطب والأشعار العربية منذ الجاهلية، وتطورت بعد ذلك بفضل تنامي حركة التأليف في الإسلام. ولتأكيد ذلك وقف ذ. ارحيلة عند المصنفات العربية الأولى التي ألفت قبل القرن الهجري الثالث، فكشف عما سماه بذور المقدمات التي كانت واضحة في مطالع شعر الجاهليين وبدايات خطبهم، وفي بعض كتب اللغويين والمحدثين، يقول في هذا الإطار : " ومع كل ما يمكن أن يقال عن واقع المقدمات في مصنفات القرن الهجري الثاني، فإننا نلاحظ بذورا للمقدمات كانت تمهد للكتب ، وظلت تتنامى لتتشكل منها المقدمات عامة في هذه المرحلة من التأليف. " (ص191) .

      إن هذه البذور التي يتحدث عنها ذ. عباس ارحيلة ويتابع ابثاقها ونموها هي التي ستنضج وتتطور لتزهر في الأخير خطابا موازيا للنصوص المركزية يتقدمها ليعرف بها، ويقترح طريقة ملائمة لقراءتها.

    أخيرا ، لقد وجدت في هذا الكتاب ، كما وجدت في الكتب السابقة لأستاذي الفاضل عباس ارحيلة فكرا موسوعيا يحيط بكليات الكتاب في التراث العربي الإسلامي و جزئياته، ويتابع مختلف التحولات والتطورات التي طرأت على بنياته النصية ووظائفه التداولية ، ويبين بما لا يدع مجالا للشك أن كينونة الكتاب في التراث الإسلامي ظلت عربية أصيلة سواء في مجمل القضايا والتصورات ، أم في طريقة تقديمها إلى القراء.











--------------------------------------------------------------------------------

تقي الدين المقريزي : [1]

التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون،[2]

[3] الجاحظ: الحيو

(0) تعليقات


<<Home