موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
الحمدلة في ديباجة مقدمة الكتاب في الثقافة الإسلامية


                                   
        
 عباس أرحيلة

تمهيد:

 

ديباجة مقدمة الكتاب في الثقافة الإسلامية تتكَوَّن في العادة من العناصر الآتية: البسملة ( أن يقول المؤلِّف بسم الله)، والحمدلة ( أن يقول الحمد لله)، والصلاة على النبي ( أن يُصلّيَ على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام) [ وتأتي بعدها الصلاة على آله وصحبه في الأغلب، كما تأتي الشهادة بعد الصلاة في أحيان كثيرة]، ثم البعدية (ولتناول الموضوع يقول: أما بعد). وكتاب الله تعالى مفتتحٌ بالبسملة والحمدلة كما هو معروف. وخمس سور من القرآن المجيد مفتَتَحَةٌ بالحمد: الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر.

والديباجة في مفتتح الكتب في حضارة الإسلام، امتثال لتوجيه إسلاميّ، وتعبيرٌ عن صلة العلماء في هذه الحضارة بالله تعالى، بالوهاب الذي أنعم بالموهبة، وكان منه العون على البحث والتأليف، وكان منه السداد في استنباط المعاني والقدرة على صياغتها وتبليغها، واستكشاف الحقائق ونشرها وإذاعتها. فالديباجة بمختلف تلويناتها وإبداعات أصحابها، تدل في مجملها على صلة الباحثين بخالقهم، وشدة شغفهم بالعلم، فلا عجب أن يكون رصيد الحضارة الإسلامية من حركة التأليف ما يدعو إلى الاستغراب والدهشة.

ولمّا كانت الحمدلة في الإسلام يُبتدأ بها في كل أمر ذي بال؛ أصبحت تُفتتح بها الخُطَبُ والرسائل والتصانيف في تاريخ الحضارة الإسلامية.

أولا: حقيقة الحمدلة في ديباجة الكتاب

 يراد من إثبات الحمد اللغوي في ديباجة الكتاب في ثقافة المسلمين الثناءُ عليه بما هو أهله: بما فيه من أوصاف الجلال والكمال، ويكون شكراً لنِعَمِه التي شمِلتْ الكل، والحمد أعمُّ من الشكر؛ لأنه شكرٌ وزيادة. قال ابن عطية (546 هـ) في تفسيره:« الحمد معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد» [ 1/66 ].

وفي صبح الأعشى: قيل إن صيغة «الحمد لله» أبلغ من صيغة «أحمد الله» لما في«الحمد لله» من معنى الاستغراق والثبوت والاستمرار على ما هو مقرر في علم المعاني [ 6/225 ].

 وقيل: التعبير بالاسمية أوفى بالكمال، والتعبير بصيغة الفعل أقوى في الدلالة على الإنعام.

وفائدة رفع ﴿الحمدُ﴾ - عن سيبويه - أنه إذا قال  الرجل: الحمدُ لله ففيه من المعنى ما في قولك: حمِدتُ اللهَ حَمْداً، كما ورد في تفسير القرطبي [ 1/95].

والحميد: من صفات الله تعالى وتقدس بمعنى المحمود على كل حال؛ وهو من الأسماء الحسنى فعيل بمعنى مفعول.

والتحميد أبلغ من الحمد؛ لأن صيغة التفعيل تفيد التكثير والتِّكرار؛ فهو حَمْد الله مرة بعد مرة. ومنه: محمد؛ كأنه يحمد مرة بعد مرة. فالتحميد كثرة حمد الله سبحانه بالمحامد الحسنة، كما ورد في لسان العرب [ مادة: حمد ].

والحمدُ يكون على محاسن المحمود مع المحبة، كما قال ابن تيمية، وفي كتاب  مختصر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية (751هـ) «ومن محبته لحمده والثناء عليه؛ أنه جعل حَمْدَه مِفتاحَ كل كلامٍ ذي بال (...) وافتَتَحَ كتابَه بحمده (...) واشتقَّ لأحَبِّ خَلْقِه إليه (...) من الحمد اسمَيْنِ يَتضمَّنان كثرةَ حمْدِه وفضْلِه وهما: محمد وأحمد» [4/1479].

وقسَّم الجرجاني ( علي بن محمد: 816هـ) في كتابه: التعريفات الحمد إلى قسمين: الحمد القولي: وهو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به على نفسه على لسان أنبيائه. والحمد اللغوي: هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل باللسان وحده [ ص 125 ].

والتحميدات في أدب التأليف، المُنْطَلَقُ فيها القرآن الكريم، ثم أصبحت من تقاليد كتابة الرسائل مع عبد الحميد الكاتب (132هـ)، الذي أطال التحميدات ومن ذلك انتقلت إلى مقدمات الكتب عامة. فأصبح الحمدُ لله بدءَ كل مقال.

 ثانيا: فوائد الابتداء بالحمد في الديباجة

(أ) الحمد امتثال لأمر الله عز وجل:

حين يتجِّه العبدُ إلى خالقه بالدعاء، ويتضرّعُ إليه في الشدائد والمُلمّات، يكون الدعاء مشروعاً؛ إذْ لا ملجأ منه إلاَّ إليه، قال سبحانه وتعالى:﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تضَرُّعاً وخُفْيَةً﴾[الأعراف: 55]،  

ويكونُ افتتاحُ الأمور التي يُرامُ الشروعُ فيها بحمد الله، والتبرُّكِ بذكر اسمه مندوبا، كما وفي آيات كثيرة مُشتملة على الأمر بالدعاء، منها:

- ﴿وقلِ الحَمْدُ لله الذي لمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [ الإسراء: 111].

- ﴿قلْ الحمدُ لله وَسَلامٌ على عِبادهِ الذين اصْطَفَى﴾[ النمل: 59] – [ ينظر: شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي 717هـ:1/55]

فالله عز وجل أثنى بالحمد على نفسه، وافتتح كتابه بحمده، وضمَّنَه أمر عباده بالثناء عليه؛ فكأنه قال: قولوا الحمد لله. فـ  ﴿الحمدُ لله﴾ إخبارٌ بمعنى الأمر؛ لأن مثل هذا تعليم للعباد وتقوُّلٌ على ألسنتهم»، كما ورد عند أبي البقاء الكفوي (1094هـ) في الكليات [ ص 359 ].

(ب) والحمد مطلوب في أوائل الأمور:

فهو يأتي طلباً للتيمُّنِ والتبَرُّك، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث لأبي هريرة: «كل أمر ذي بال لا يُبدأُ فيه بالحمد فهو أقطع».

والابتداءُ بحمد الله يجعل النفوس تتشوَّف إلى الثناء على الله، فهو داعية للاستماع، كما يقول أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين [ ص 457 ].

(ج) التحميد واجب على المُنْعَم عليه:

إذا كانت الكتابة نعمة من نعم الله، فالتحميد من أوجب الواجبات في حق المُنْعِم، وبذلك  يُصبح التحميد جزءاً من الكتاب.

فالحمد في أوائل الكتب تعبيرٌ عن شكر النعمة التي أنعم بها المنعم على أحد عبيده. فهو شكر في مقابل نعمة تضمَن لصاحبها أن يُخرج زكاةَ العلم، ويضمن لصاحبه ألا ينقطع عمله بعد وفاته، كما ورد في الحديث الشريف. فالعلم نعمة من نِعَم الله على خلقه، وقد يكون مِن أسباب التأليف إظهار هذه النعمة.« والشكر مما يزيد النعمة، ومن الشكر إظهار العلم للأمة»، كما قال بدر الدين العيني (855 هـ) في مقدمة كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري [1/3].

(د) نعمة البيان وزكاة العلم:

يلاحظ أن الحمد ينصرف، في كثير من الأحيان، إلى نعمة البيان التي أنعم الله بها على عباده؛ حين أقدرهم على استنباط الحقائق من منهج الله عز وجل، وأعانهم على أنواع العلوم والمعارف مما تدعو الحاجةُ إليه، ومِمّا يَنْفَعُ الناس، ويمكُث في الأرض، وبمقتضى هذا يُعدُّون من أهل التأليف، لا من أهل تسويد الوَرَق!

جاء في مقدمة حياة الحيوان الكبرى للدميري ( 808 هـ):« الحمد لله الذي شرف الإنسان بالأصغرين: القلب واللسان، وفضله على سائر الحيوان بنعمتي المنطق والبيان» [ 1/3 ].

ويبدأ صلاح الدين الصفدي ( 764هـ) مقدمة كتابه الغيث المُسْجَم في شرح لامية العَجَم بقوله: «الحمد لله الذي شرح صدرَ مَن تأدَّب، ورفَعَ قَدْرَ مَن تأهَّلَ للعلم وتأهَّب، وجمَّلَ مَن تدَرَّع لباسَ الفضل وتدرَّب» [ 1/9 ].

وبعض عناوين الكتب تُُعرب عن هذه الحقيقة، كما في هذا العنوان: فيض القدير، شرح الجامع الصغير لعبد الرؤوف المناوي (1031هـ).

 ثالثا: الحمدلة تقليد إسلامي في الخطابة والرسالة والكتاب

(أ) البداية بالحمدلة توجيه إسلامي:

تأتي الحمدلة في أوائل مقدمات الكتب في الثقافة الإسلامية؛ اقتداءً بكتاب الله تعالى، وبسنة رسوله عليه السلام؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان  يبتدئ بالحمد في  خُطبه، كما أمر أن تُستفتح الكتب بالتحميد.

في تفسير القرطبي للآية 59 من سورة النمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر «أن يَُستفتح بتحميد الله والسلام على أنبيائه والمُصطفين من عباده. وفيه تعليم حَسَن، وتوقيفٌ على أدب جميل، وبَعْثٌ على التيَمُّن بالذكريْن والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يُلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلةَ التي يبتغيها المستمع.

ولقد توارثَ العلماء ُوالخطباءُ والوعاظُ كابراً عن كابر هذا الأدب، فحَمِدوا الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كلِّ علم مُفاد، وقبل كل عِظة، وفي مُفتَتَح كل خطبة، وتبعهم المُتَرَسِّلُونَ فأجْرَوْا عليه أوائلَ كُتُبِهِمْ في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن» [ 13/146].

(ب) الاستفتاح بالحمدلة في الخُطب والرسائل:

في مجال الخطابة، جرتْ عادة الخطباء « بافتتاح خطبهم بفنون محامد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم»، كما جاء في كتاب مواد البيان لعلي بن خلف [ ص120 ].

  وذكر أبو عثمان الجاحظ في كتابه البيان والتبيين أن خطباء السَّلف وأهل البيان من التابعين بإحسان، ما زالوا يُسَمُّون الخُطبةَ التي لم تُبتَدَأ بالتحميد، وتُستَفتَح بالتمجيد: البتراء [ 2/6].

 ولكُتَّاب الرسائل محامد أبانوا فيها عن براعتهم في صياغة المعاني، وقد أورد أبو هلال العسكري (395 هـ) في كتابه ديوان المعاني أمثلة للتحميد تحققت فيها البلاغة في الكتابة الفنية عند جماعة من كتاب الرسائل. وقال إن البلاغة في تلك الكتابة تتجلى أولا في التحميد. يقول:« أولها التحميد، ومن عادة العارفين أن يبتدئوا في الأمور بالحمد لله رب العالمين، يُقدمونه أمام طُلاَّبِها، كما بُدئ بالنعمة قبل استجلابها». وأتى بجملة من الأمثلة للتحميد [ 2/97].

(ج) توجيه من الكُتّاب:

أثبت صاحب زَهْر الآداب  شيئاً من المحاميد، وقال:« ورأيتُ أن أبتدئ مقدمات البلاغات بغُرَر التحاميد وأوصافها، وما يتعلق بأثنائها وأطرافها.

وقد قال سهل بن هرون في أول كتاب عمِله:

 يجب على كل مُبتدئ مقالةً أن يبتدئَ بحمد الله قبل استفتاحها، كما بُدئ بالنعمة قبل استحقاقها. ولأهل العصر: أولُ ما فَغَرَ به الناطقُ فَمَه، وافتتح به كَلِمَه، حمدُ الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه. حَمْدُ الله خير ما ابتُدئ  به القول وخُتِمَ، وافتُتِح به الخِطاب وتُمِّمَ» [ 138 ].

فالطبري (310هـ) يبدأ مقدمة تاريخه بقوله: «الحمد لله قبل الأول والآخر بعد كل آخر بلا زوال، والقائم على كل شيء بغير انتقال، والخالق من غير أصل ولا مثال» [ 1/11 ].

والقرطبي يبدأ  تفسيرَه بقوله:« الحمد لله المبتدئ بحمدِ نفسه قبلَ أن يحمَدَه حامدٌ».

(د) من مقاصد الحمد وأسراره

لماذا يلْجأُ الإنسان إلى الحمد وطلبِ العون من الله عز وجل؟ وهل يستطيع الإنسان أن يستقل بشيء من مراداته دون عَوْن من رب العزة؟

يرُدُّ نجم الدين الطوفي (717 هـ ) ذلك في كتابه: شرح مختصر الروضة إلى ما جُبِلَ عليه الإنسان من الضعف والعجز على ما أخبر عنه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً﴾ [النساء: 28]، وقوله: ﴿اللهُ الذي خَلَقَكُم مْن ضُعف﴾  [الروم: 54]؛ ولأن الإنسان لايَستقِلُّ بشيء من مُراداتِه بدون إعانة من الله سبحانه وتعالى، وتوفيق وعِصمة وتسديد. ومن هنا « كان دعاء الله سبحانه وتعالى، ونداؤُه في المُهمات وغيرها مشروعاً، وافتتاحُ الأمور التي يُرامُ الشروحُ فيها بحمد الله، والتبرّك به مندوباً [ 1/54 - 55 ].

 ولما كان الوضع الإنساني عل ما هو عليه من الضعف والحاجة إلى العون والسداد؛ كان لا بد أن يجأر العبد بحمد ربه الذي أنعمَ عليه بنعمة العلم والبيان؛ وقد رَفَعَ اللهُ قدرَ العلم وعظَّمّه، وخصَّ به مِن خلقهِ مَن كرَّمَه، كما قال ابن قدامة المقدسي (620 هـ) في مقدمة كتابه المغني [ 1/7 ].

يقول الشافعي (204 هـ ) في مقدمة كتابه الرسالة:« الحمد لله الذي لا يُؤَدَّى شكرُ نعمة مِن نِعمَه إلا  بنعمة منه (...) وأستعينه استعانة مَن لاحول له ولا قوة إلا به. وأستهديه بهداه الذي لا يضِل مَن أنعم به عليه. وأستغفره (...) استغفار مَن يُقِرُّ بعبوديته، ويعلم أنه لا يَغفِرُ ذنبَه ولا يُنجيه منه إلا هو» [ ص7 – 8 ].

وهذا مثال من مقاصد الحمد من مقدمة فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة للغزالي (505هـ):« أحمد الله تعالى استسلاما لعِزته، واستتماما لنعمته، واستغناءً لتوفيقه ومعونته، واستعصاماً من خذلانه ومعصيته، واستدراراً لسوابغ نعمه» [ ص47 ].

 رابعا: براعة الاستهلال في الحمدلة ونماذج منها

(1)  براعة الاستهلال: وارتباطُها بالموضوع

أصل الاستهلال من هلَّ الشهر إذا ظهر هلالُه. فالاستهلال هو البداية. والدقة في تناسب الحمد مع الموضوع: هو ما سُمِّيَ براعة الاستهلال؛ ومن هنا يكون الاستهلال جزءاً لا يتجزأ من الموضوع؛ فأول ما يُبدأُ به في الحمد، ماله علاقة مباشرة بالموضوع. وهذا الجانب مما يبغي التنَبُّهُ إليه في بداية كل حمد في كل تأليف في حضارة الإسلام فهو يكشف عن تفاعل الباحث مع بحثه من منطلق إسلامي.

وقد اهتم المؤلفون والمبدعون عامة بجمالية الابتداء وحرصوا على أن  يكون ذلك الابتداء مناسبا للمقصود، وجاريا على مقتضى البلاغة في التراث الإسلامي العربي، وإن كان هذا غير مطرد في المقدمات عامة.

وعرّف صاحب كتاب التعريفات براعة الاستهلال بقوله:« هي أن يشير المصنف في ابتداء تأليفه، قبل الشروع في المسائل، بعبارة تدل على المُرَتَّب عليه إجمالاً؛ وهي كون ابتداء الكلام مناسباً للمقصود، وهي تقع في ديباجات الكتب» [ ص637 ].

ذكر أبو حيان الأندلسي (محمد بن يوسف 745هـ) في البحر المحيط من أنواع بلاغة سورة  الفاتحة « حُسْنُ الافتتاح وبراعةُ المطلع؛ فإن كان أوَّلُها ( بسم الله الرحمن الرحيم)، على قول مَن عدَّها منها؛ فناهيك بذلك حسناً؛ إذ كان مطلعُها مُفتَتَحاً باسم الله. وإن كان أوَّلُها ( الحمد لله)؛ فحمدُ الله والثناء عليه بما هو أهله، ووصفُهُ بماله مِن الصفات العَلِيَّة؛ أحسنُ ما افتُتِحَ به كلامٌ، وقُدِّمَ بين النثر والنظام» [1/152].

وذكر ابن عاشور، في تفسيره التحرير والتنوير أن سورة الفاتحة لها منزلة الديباجة من الكتاب والمقدمة من الخطبة، وأن صناعة الأدب العربي استفادت من أسلوبها [1/152].

(2) نماذج من براعة الاستهلال

- يقول التنوخي ( الحسن بن علي 384هـ) في مقدمة كتابه الفرج بعد الشدة:« الحمد لله الذي جعل بعد الشدة فرجا، ومن الضر والضيق سَعَةً ومَخرجا، ولم يُخْلِ مِحْنةً من منحة ولا نِقمة من نِعمة» [ 1/51 ].

- يقول الغزالي (505هـ) في بداية إحياء علوم الدين:« الحمد لله الذي أحيا العلوم فأيِنَعت بعد اضمحلالها» [ 1/3].

- يقول السهيلي ( عبد الرحمن بن عبد الله 581هـ) في مقدمة كتابه الفرائض:«الحمد لله الذي له ميراث السموات والأرض» [ ص25 ].

- يقول ياقوت الحموي (626 هـ) مقدمة في بداية معجم البلدان قوله:« الحمد لله الذي جعل الأرض مِهاداً، والجبال أوتاداً، وصحارى وبلاداً، ثم فجر خلال ذلك أنهاراً، وأسال أوديةً وبحاراً» [1/5].

- وأول ما بدأ به ابن كثير 774هـ مقدمة البداية والنهاية:« الحمد لله الأول والآخر»، ومنطلقُه في التأريخ « من ذكر مبدإ المخلوقات... إلى زمننا»[1/5].

- وكقول الطيبي (743هـ) في كتاب التبيان في علم المعاني والبديع والبيان:« الحمد لله الذي أشرقت بسناء محامده في سماء المعاني من شموس البيان أنجُمٌ وبُدورٌ، وتلألأ بنعوت كماله في نحر البديع من قلائد التبيان منظومٌ ومنثور» [ ص 43].

- وكأن يبدأ بهاء الدين السبكي ( 763 هـ) عروس الأفراح بقوله:« الحمد لله الذي فَتَقَ عن بديع المعاني لسان أهل البيان، ورتَقَ عن بديع لسان أهل البيان» [1/4].

- وكأن يبدأ الصفدي ( صلاح الدين خليل 764 ت) كتابه الوافي بالوفيات، ( 12000 ترجمة) بقوله:« الحمد لله الذي قَهَرَ العباد بالموت، ونادى بالفَناء في فنائهم، فانهلَّ في كل بقعة صوْب ذلك الصوت» [1/25]. 

- وله في مقدمة كتابه توشيح التوشيح:« أما بعْدَ حمْدِ اللهِ تعالى على نـعَمٍ وشَّعَ بُرودَها، ووشَّحَ بالجواهر قُدودَها، ووشَّى رياضَها لما طبَعَ نُقوشَها ونُقودَها» [ ص 19 ].

- وقوله في مقدمة نَكْتِ الهِميان في نُكَتِ العُميان:« الحمد لله الذي لا تُدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار(...) نحمَدُه على نِعمه التي نوَّرَتْ بصائرَنا فرفعتنا إلى معالم الهُدى (...) ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي جعل رسالَتَه إلى الخلق نُعمى (...) وأنزل عليه في محكم الذكر ﴿عبَسَ وتولَّى أن جاءه الأعمى﴾ (...) صلاةً يتضوَّعُ منها الأرَج، وترفع بها لهم الدَّرَج؛ ما أفضى مَضيقٌ إلى فَضاء الفَرَج، وسقَط عن الأعمى ثْقَلُ الحَرَج» [ ص1 – 2 ].

- وكقول ابن عبد الملِك المراكشي ( محمد بن محمد703 هـ) في مقدمة كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، وهو كتاب استوعب تراجم الأعلام في الديار الأندلسية بشكل خاص: « الحمد لله الذي أعلى معالم العلم بأعلامِه، وأحلى مواردَ الفهم لأولي أحلامه» [1/5].

- وجاء في مقدمة غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ( محمد بن محمد 833هـ):« بعد حمد الله تعالى حمداً لا تُدرَكُ غايتُه، ولا تُعلَمُ نِهايَتُه».

 - وكأَن يقول ابن حجة الحموي (837 هـ) في مقدمة كتاب ثمرات الأوراق:«أما بعد، حمداً لله الذي فَكِهَنا بثمار أوراق العلماء، والصلاة والسلام على نبيه شجرة العلم التي أصلها ثابت وفرعها في السماء» [ ص3 ].

- وكأنْ يقول ابن حجر العسقلاني (852 هـ) في بدية مقدمته لكتاب لسان الميزان:« الحمد لله المحمود بكل لسان، المعروف بالجود والإحسان» [1/3].

- وكقول السيوطي (911هـ) في بداية كتابه الأشباه والنظائر في قواعد فروع فقه الشافعية:« نحمدك اللهم، يا مَن تنزَّه في كماله عن الأشباه والنظائر» [ص25].

- وكقول عبد الرؤوف المناوي ( 1031هـ ) في مقدمة فيض القدير، شرح الجامع الصغير:« الحمد لله الذي جعل الإنسان هو الجامع الصغير؛ فطوى فيه ما تضمنه العالم الأكبر الذي هو الجامع الكبير» [ 1-3 ].

- وقال محمد الدمنهوري (1288هـ) في حاشيته الكبرى على  متن الكافي في علمي العروض والقوافي للدسوقي:« الحمد الذي شرَّفنا بمن هاجر من العروض [ من أسماء مكة لاعتراضها وسط البلاد ] إلى المدينة، وجعل قافية أفكارنا ببسيط نعمة في وافر العلوم متصرفة »[ ص 2 ].

- وفي بداية حاشية العلامة ابن الحاج على شرح متن الأجرومية ( أبو العباس أحمد بن حمدون):« حمداً لمن نحا بنا نحو الرشاد والهدى، وألهمنا بالمنطق الفصيح للإعراب عما استكن في الضمير من الكلام، وهَدى ورفع من نَصَب نفسه للعباد وخفضها بالتواضع والخروج عن مألوف العادة، سبحانه من إله مُبتَدأٌ قبل الأكوان بلا ابتداء، يُخبر بأن الخاسر لا يَنفعه من العذاب افتداء» [ ص 3 ].

ومن الطريف هذه الفقرة من كتاب بعنوان: : الفوائد المستحدثات لمحمد بن إبراهيم بن خُضَيْر. وهو حاشية وضعها على كتابه: قُرة أعين أولي الرغبات في بيان أنواع المبنيات والمعربات ].

وهذه هي الفقرة من خطبة الكتاب أي مقدمته:

«الحمد لله الرافع رُتَبَ المُنتصبين لإعلاء كلمة الدين، الخافضين جناحهم لجميع الموحدين الجازمين بأن النصر من عند الله بالعز والتمكين، والصلاة والسلام على مَن أعطاه الله النصر والفتح المبين سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، الذي أعرب عما في ضميره بالكلام الفصيح، وبنى منار المجد على أساس التقوى المتين الصحيح، وعلى آله وأصحابه الذين سكنوا تحت جريان الأقدار، وكسروا بماضي العزم شوكة أهل الكفر الفُجَّار، صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين آناء الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي ضمَّ لهذه الأمة ما تفرَّق من الكمالات» [ 4- 10 ].

وهذا تعليقه على حاشيته:

« وقد اشتملتْ هذه الخُطبة على براعة الاستهلال في مواضع عديدة؛ لأنها أشارت إلى البناء والإعراب، وإلى جميع ألقاب الإعراب وجميع ألقاب البناء، كما يظهر ذلك بأدنى تأمل.

وقد قالوا: إن كل شارع في تأليف يجب عليه صناعة أربعة أشياء وهي: البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم والشهادة.

ويُسَنُّ أربعة أمور وهي: تسمية نفسه، وتسمية كتابه، والإتيان بـ "أما بعد"، وبراعة الاستهلال، وقد استُوِفَيتْ كلُّها في هذه الخطب» [ ص 5 ].

ويلاحظ أن هذه العناصر في المقدمة قد أصبحت فرائض وسُنَناً في صناعة التأليف عند المتأخرين.

  خامسا: لحظة كتابة الحمد لحظة إبداعية

فيها يتغنى المؤلِّفُ بعظمة الخالق وبتجلياته في أكوانه، ويبتهل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ويَحمَدُه بما هو أهلٌ له من الحمد على نعمه وآلائه على مخلوقاته. إنها لحظة إبداع تتوهج فيها عقيدة المؤمن. وممن وجدته من القدماء أفاض في تمجيد الله عز وجل أبا بكر الأنباري ( محمد بن القاسم 328هـ) في مقدمة كتابه الزاهر في معاني كلمات الناس، ومما جاء فيها:« الحمد لله القديم الدائم، الذي ليس لقدمه ابتداء، ولا لديمومته انتهاء، الذي حجَّت الألباب بدائعُ حِكَمِه، وخصمت العقولَ لطائفُ حُجَجِه، وقطعتْ عُذْرَ الملحدين عجائبُ صُنعه، وكلَّت الألسنُ عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن كنه معرفته» [1/1]. ولولا خوفي من التطويل لأتيت بها كاملة، فهي تكشف عن حقيقة العقيدة الإسلامية في نفس صاحبها.

 ونجد ابن عاصم الغرناطي ( أبو بكرمحمد بن محمد 829هـ)  يبدأ كتابه حدائق الأزاهار بقوله: «الحمد لله الذي نطقت بحمده صوادحُ الألسنة في رياض الأفكار، على أفنان الأقلام، ورمتْ بجواهر توحيده وتنزيهه وتمجيده بحار العقول والنفوس، إلى سواحل الطروس، فتحلَّت به صدور الكلام» ص65 ].

وممّا يحظى بالتحميد أثناء لحظة الحمد:

(1) مدح كتاب الله تعالى بماله من أهمية في تنظيم العلاقة بين المخلوق وخالقه وعلاقات المخلوق بغيره، وما له من قيمة في تنظيم الوجود عامة؛ مع عناية خاصة بالإعجاز البياني في كلام الله عز وجل. وهذا الحديث عن الإعجاز مما ينبغي أن يسترعيَ الانتباه في مقدمات الكتب عامة، من ذلك:

قول أبي حيان التوحيدي في مقدمة البصائر والذخائر:«كتاب الله تعالى الذي حارت العقول الناصعة في رصفه، وكلَّتِ الألسنُ البارعة في وصفه» [1/5].

وقول الزمخشري في مقدمة أساس البلاغة:« أنزل الله تعالى كتابَه مُختَصّاً من بين الكتب السماوية بصفة البلاغة التي تقطَّعتْ عليها أعناقُ العِتاقِ السُّبَّقِ» [ص.ي].

(2) مدح العلم وبيان أهميته، مع الاستدلال في كثير من الأحيان بالنقل والعقل على ما ورد في تبجيله والحثِّ عليه، وفي هذا مجالات للقول أصبحت فيها مقدمات طويلة ورسائل مشهورة. وتحدث المؤلفون عن خلود أهل العلم، كقول يوسف البديعي (1073 هـ) في بداية مقدمته لكتاب هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام:« الحمد لله الذي منح ذوي العِرفان عُمْراً ثانياً، فجعل لهم على كرور الزمام ذكراً باقياً، وحَبَّبَ لأولي الألباب نشْرَ أخبارهم، فلم تستطع أيد الأحقاب طَيَّ آثارهم» [ ص 7].

وفي الابتداء بالبسملة والحمدلة امتثالٌ لأمر الله، واقتداء بكتابه في الافتتاح بالحمد، وهناك تلميح بهذا البدْء من المؤلف إلى أمرين:

الأمر الأول: أن هذا التأليف جاء بفضل الله وكرمه؛ فهو من آلاء الله على خلقه. والابتداء بالحمد مما يوجب الشكر على هذا الكرم؛ ومن آثار شكر النِّعَم على الخلق تأليفُ الكتب.

الأمر الثاني: أن هذا التأليف من الأمور ذوات البال؛ أي مما يُعتَدُّ به في مجال الفكر والعقل.

 ومن هنا قيل لأحدهم وقد ترك البسملة في بداية كتابه إنه فعل ذلك تواضعاً: إشارةً إلى أن كتابه ليس من الأمور ذوات البال.

 فالحمد لله تعبير على ما علَّمه الله عبدَه من البيان، وما ألهمه من التِّبيان عن طريق التأليف، وهي نعمة مشاهدة جاءت نتيجة استعداد ومُعاناة وجهد. والإحساس بتجليات تلك النعمة على الكاتب، وشعوره العميق بها؛ يؤديان به في أغلب الحالات إلى الإفصاح عن أثر تلك النعمة في نفسه؛ فتنثال مظاهر البلاغة على لسانه بصورة مخالفة لأسلوب الكتاب. وكثيرا ما يختلف أسلوب المقدمة عن أسلوب بقية الكتاب عند أهل التأليف عامة.

 ومن هنا أرى أن ديباجة الكتاب تحمل إحساساً لدى العالم المسلم بقيمة الأثر الذي يُقدمه إلى الناس، إحساس مَن يُقدم أمراً ذا بال؛ ومما يُتَهَمَّمُ به ويُهتم به وتتعلق به الهِمَمُ، ويكون محط النظر والفكر والبال.

 

والخلاصة  أن التأليف نِعمة من نِعَم الله تعالى، وكل نعمة يجب أن يُحمَدَ عليها. والتحدث بالنعمة شكر. فديباجة الكتاب تحمل التغني بنعمة العلم وهي خير ما رُزِق الإنسان. والإنسان كما ورد في الأثر يتعاظم بالعلم دون أن يحتقر غيره أو يتكبر عليه. ولذا نجد كثيراً من المؤلفين يَحمَدون الله تعالى على ما ألهمَهم من البيان.

أورد الجاحظ في كتاب الحيوان قول الله تعالى مخاطبا نبيه عليه السلام: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾، وعلق على ذلك بقوله:« فوصف نفسه تبارك وتعالى، بأن علَّم بالقلم، كما وصف نفسه بالكرم ،واعتدَّ بذلك في نِعَمِه العِظام، وفي أياديه الجِسام» [ 1/42 ].

                                             

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home