موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
كلمة حول إشكال تدريس الأدب القديم

                                عباس أرحيلة            

 

ملاحظة: هذه خلاصة الكلمة التي ألقيت في جلسة علمية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة ابن طفيل – القنيطرة، المغرب، بتاريخ: الجمعة 19 فبراير 1993، نظمتها شعبة اللغة العربية. وكان رئيسها آنذاك الأستاذ حسن لشكر.

 

        تمهيد:

الأدب العربي القديم تراثٌ إبداعيٌّ كشفَ عن الكينونة العربية عير مسارها الحضاري، يوم كانت كونية تسود جزءاً واسعاً من المعمور. وما بقيَ من ذلك التراث تتشكَّل منه تجربة إنسانية سُجِّلتْ باللسان العربي، وأعربتْ عن هُوية أمة في تفاعلاتها مع الوجود. وظل الأدب العربي القديم هو مستودع التجربة الحضارية للإنسان العربي قبل الإسلام.

والإشكال يأتي من كون الطالب المغربي اليوم، وهو في نهاية القرن العشرين  ) كان ذلك سنة 1993 (،محققة تحقيقا علميا تنشأ بينه وبين الأدب القديم حواجز، وكأنه أصبح غريباً عنه فكراً ووجداناً؛ فعلاقته به تعقَّدتْ وأصبحت تحول دونها إشكالات حضارية معرفية منهجية، نابعة من الحداثة التي يعيشها الطالب.. 

أولا: عن علاقتنا بالأدب القديم

كان الأدب منذ العهد الجاهلي، تشخيصاً لتجربة إبداعية، بيانية، لغوية تألقت في فضاء عربي، بلغ شأواً من الرقي، أصبح استقبال الوحي متناغماُ معه ومتحدياً له، ومن هنا أضحى الأدب الجاهلي مما يُستعان به إلى الدخول في رحاب اللسان العربي، وفي فهم النصّيْن المؤسسيْن للهوية الإسلامية: القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

فعلاقتنا بالأدب القديم إلى جانب كونه مستودعاً للتجربة الحضارية للإنسان العربي؛ فإنه مُكَوِّنٌ من مكوِّنات طاقاته الإبداعية، ومن خلاله يَتَحقّقُ الانتماء، وتتشكّل الذاكرة والوجدان، فما زال الإنسان العربي يُبدع بلغة الأدب القديم ويمتح من رصيده في الأداء البياني. وكان ذلك الأدب منطلقاً للنهضة العربية؛ فهو رصيدُ الأمة في نهضتنا الحديثة، ودخولها إلى معترك العصر الحديث.

ثانيا: تكوين الطالب الجامعي المغربي

يواجه الطالب الجامعي تحدِِّيَيْن:

التحدّي الأول: تراث عربي، يمتدّ في الزمان، وتتعدّد أشكاله، وتتوزع عبر أطواره، ويحتاج إلى استعداد لتمثُّله ومحاورته في ضوء ما جد من مناهج وظهر من دراسات.

التحدّي الثاني: تراث غربي، دخل معترك الثقافة العربية الحديثة، بقضاياه ومناهجه، وكانت لها تأثيراته وإشكالاته في ضوء تفاعلات أساتذة الجامعات مع حمولته الفكرية والمنهجية.

والملاحظ أن العلوم الإنسانية تضافرت لقراءة النصوص الأدبية، وتعددت المناهج لتحليلها. وكان للنقد الغربي الحديث أثره الواضح في توجيه القراءات، وتقويم النصوص، حتى أصبحنا نعاني مما يمكن تسميته بأزمة المناهج وتعدد القراءات. وواضح اليوم أن الحداثة طغت في الجامعة المغربية، ولكن الاهتمام بالأدب القديم ما يزال قائما، كما هو واضح من عدد الرسائل الجامعية.

ثالثا:  وجود خلل  في بنية التعليم

ما يطبع المرحلة هو غياب فلسفة تعليمية محددة المعالم؛ مما جعل المقررات وحصصها ومناهجها تتأرجح بين القديم والحديث. ويلاحظ أن المناهج رافقتْها دعاوى عريضة، وادعاءات واسعة وتظل نتائجها ضئيلة جداً في التطبيق دون ما يدعيه لها أصحابُها من فتوحات واختراقات لخفايا النصوص.

يظل إشكال التواصل بيننا وبين الأدب القديم قائماً لأسباب منهجية تقتضي تحليل النصوص في ضوء مناهج حديثة؛ لا تُغرق النص في جعجعة نظرية، ولا تجعله أشلاء تائهة في مصطلحات. ولأسباب تتعلق بتكوين الطالب الجامعي؛ فهو حين يأتي من التعليم الثانوي لا يكون قادراً على اقتحام الأدب القديم، وخاصة أنه يشرع في السنة الأولى عندنا في دراسة الشعر الجاهلي. وطبيعة  هذا الأدب تحتاج إلى تكوين متين في علوم العربية.

ثم إن مكتبات الكليات لا توجد بها النصوص المحققة من الأدب القديم، والجاهلي خاصة، بالقدر الكافي.

رابعا: ما يمكن اقتراحه

- خلق توازن بين القديم والحديث في التكوين العام للطالب، والتفكير في ذلك بصورة جدية.

- إعادة النظر في مقررات الأدب القديم، مع عرضها محققةً تحقيقا علميا، مع عناية خاصة بمادة المصادر في السنتيْن الأخيرتيْن من الإجازة.

- لا يُستدعى من المعارف إلا ما يَخدُم تحليل النص، مع تبيُّن طبيعة النص وخصائصه وقيمته، في ضوء ما يقتضيه تحليله، وما يُقربه من ذوق قارئه ومستكشفه.

- عناية بالنحو العربي بالصورة التي يُستمد بها من النصوص.

- ضرورة عقد أيام دراسية حول تحليل نماذج من الأدب القديم.

- مع العناية بظروف الطالب، والنظر في تكوينه، وفي المؤثِّرات من حوله.

 

 

 

 

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home