موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
الناشئ الأكبر شاعراً وناقداً

 
 
عباس أرحيلة

 
أولا: حياته وعلمه:

 

1 – حياته (1):

 

       عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مالك، أبو العباس، الناشئ الأنباري، ويُعرف بابن شِرْشير، الناشئ الأكبر. ويتضح من ترجمته أن نشأته مجهولة، وأنه وُلد بالأنبار وأقام ببغداد مدة طويلة، ثم خرج إلى مصر فنزل بها إلى أن مات سنة 293هـ.

و شِرْشير بكسير الشينين معا في الأصل اسم طائر يصل إلى الديار المصرية في البحر زمن الشتاء، وهو أكبر من الحمام بقليل كثير الوجود بساحل دمياط، وباسمه سمي الرجل (2). ويقال له: الناشئ الكبير والناشئ الأكبر.

والناشئ الأكبر، لقبٌ غلب عليه. وذكر ابن النديم أن الناشئ حدثه في شأن سبب هذا اللقب، فذكر أنه دخل مجلسا فيه أهل الجدل، فتكلم فتىً حَدَثُ السن على مذهب المعتزلة فجَوَّدّ وقَطَعَ مَنْ ناظَرَهُ. فقام شيخٌ منهم فقبَّلَ رأسَه، وقال: لا أعْدَمَنَا مثلَ هذا الناشئ أن يكون فينا، ويَنْشأ في كل وقت مثلُه لنا. واستحسن أبو العباس هذا الاسم فلُقِّبَ به (3).

ويُعَلِّلُ الخطيب البغدادي انتقاله إلى مصر بكونه أخذ نفسه بالخلاف على أهل المنطق والشعراء والعروضيين وغيرهم، ورام أن يحدث لنفسه أقوالا ينقض بها ما هم عليه فسقط ببغداد، فلجأ إلى مصر، وأقام بها بقية عمره (4).

وذكر ياقوت الحموي(626هـ) أن سبب موته كان عجَباً، « وهو أنه كان في جماعة على شراب فجرى ذكرُ القرآن وعجيبُ نظمه، فقال ابن شرسير: كم تقولون؟ لو شئت... وتكلم بكلام عظيم فأنكروا عليه ذلك، فقال:ائتوني بقرطاس ومِحبرة، فأُحْضِرَ له ذلك، فقام ودخل بيتا فانتظروه، فلما طال انتظاره قاموا ودخلوا إليه فإذا القرطاس مبسوطا وإذا الناشئ فوقه مُمْتَدّاً، فحركوه فإذا هو ميت» (5).

 

2 - اعتزاليتة وتكوينه العلمي:

والناشئ من العلماء بالأدب والدين والمنطق، كان نحويا عروضيا متكلما.

ويبدو من الخبر الذي ساقه ابن النديم في سبب لقبه بالناشئ أنه نشأ في بيئة اعتزالية، وأنه كان يحضر مجالس الجدل وهو ما يزال في حداثة سنه.

وقد جعله ابن المرتضى (840هـ) في الطبقة الثامنة من كتابه طبقات المعتزلة، مع أبي علي الجبائي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم البلخي(6).

كما نجد ابن النديم يتشكك في معتقده، فيقول:« وقيل انه كان ثنويا» (7). واعتبره من المتكلمين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة.

وكان الناشئ متكلما شاعراً مترسلا، وكان متبحرا في عدة علوم من جملتها: النحو والعروض والمنطق وعلم الكلام.

« عَلِمَ النحوَ وأحكمه، ونظر في علله وهو متكلم، فتبينَ له بقوة الكلام نقضُ أصولِه، فنَقَضَها وصنف فيها. وكذلك العروض أدخل عليه شُبَهاً ناقضة لها، ومَثَّلَه بأمثلة غير أمثلة الخليل...وكذلك فعل بالكتب المنطقية» (8).

وذكر ابن خلكان أنه « كان متبحرا في عدة علوم من جملتها علم المنطق، وكان بقوة علم الكلام قد نَقَضَ عِلَلَ النحاة، وأدخل على قواعد العروض شُبَهاً، ومثلها بغير أمثلة الخليل، وكل ذلك بحذقه وقوة فطنته» (9).

ونسب إلى محمد بن داود بن الجراح أنه ذكر أن للناشئ كتبا ينقض بها المنطق (10).

وعن قدرته على نقض كتب المنطق نجد في المناظرة بين أبي بشر متى يونس القنائي(328هـ) وأبي سعيد السيرافي (367هـ)، أن أبا سعيد يستهين بمنطق اليونان ويرى أن من حَسُنَ تَمَيّزُه، ولَطُفَ نَظَرُهُ، وثَقُبَ رأيُه؛ استغنى عن المنطق. وقال:

« وما أعْرِفُ لاستطالتكم بالمنطق وجْهاً، وهذا الناشئ أبو العباس قد نَقَضَ عليكم، وتتبع طريقكم، وبَيَّنَ خطأكم، وأبرزَ ضَعْفَكُم، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما قال، وما زدتم على قولكم: لم يعرف أغراضنا ولا وقف على مرادنا، وإنما تكلم على وَهَم» (11).

وعن نقضه لكتب المنطق نجد ابن المرتضى يقول:« وله كتب كثيرة نقض بها المنطق»(12).

3 -  اختلاف آراء العلماء فيه:

قال المرزباني (محمد بن عمران:384هـ): « وكان أبو العباس الناشئ مُتَهَوِّسا شديدَ الهَوَس، وشعره كثير وهو من كثرته قليل الفائدة »(13).

وذكر الخطيب البغدادي (473هـ) أنه قرأَ بعض كتبه فدلتْهُ على هَوَسِه واختلاطه، « لأنه أخذ نفسه بالخلاف على أهل المنطق والشعراء والعروضيين وغيرهم، ورام أن يُحْدِثَ لنفسه أقوالا ينقض بها ما هم عليه، فسقط ببغداد. فلجأ إلى مصر... وأقام بها بقية عمره" (14).

أما القفطي فيرى أنه من غير الإنصاف أن ينسب الناشئ إلى التهوس، وأرجع ذلك إلى قوة فطنته، وقال:« وإذا وقف الواقف على تصانيفه وأنصف ظهر له أثر الاجتهاد والامتاع » (15).

أما الإمام الذهبي (748هـ) فقد اعتبره من كبار المتكلمين، وأعيان الشعراء، ورؤوس المنطق، ومن أذكياء العالم(16).

ومما يُقرينا من ثقافة الناشئ هذا النص الذي أورده ابن رشيق القيرواني (456هـ) في (باب فضل الشعر) – من كتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه - :« وقال بعضهم - وأظنه أبا العباس الناشئ – العلم عند الفلاسفة ثلاث طبقات:

       أعلى، وهو علم ما غاب عن الحواس، فأُدرك بالعقل والحواس.

 وأوسط، وهو علم الآداب النفسية التي أظهرها العقل من الأشياء الطبيعية؛ كالأعداد والمساحات وصناعة التنجيم وصناعة اللحون.

       وأسفل، وهو العلم بالأِشياء الجزئية، والأشخاص الجسمية.

 فواجب - إذا كانت العلوم أفضلها ما لم تشارك فيه الجسوم – أن يكون أفضل الصناعات ما لم تشارك فيه الآلات. وإذا كانت اللحون عند الفلاسفة أعظم أركان العمل الذي هو أحد قسمي الفلسفة وجدنا الشعر أقدم لحنه لا محالة؛ فكان أعظم من الذي هو أعظم أركان الفلسفة، والفلسفة عندهم علم وعمل».

يقول ابن رشيق:« هذا معنى كلام منقول عنه مختصرا، وليس نصا »(17).

ثانيا: الناشئ شاعراً:

ترجم له ابن المعتز (296هـ) في كتابه (طبقات الشعراء). وقال عنه أبو حيان التوحيدي (414هـ):« وله مذهب حلو، وشعر بديع، واحتفال عجيب»(18).

وقال عنه النديم:« كان متكلما شاعرا مترسلا، حسن الأدب، وله قصيدة أربعة آلاف بيت على رويّ واحد وقافية واحدة في الكلام، سلك فيها طريقة الفلسفة، فسقط عند أهل طبقته من المتكلمين» (19).

وعدّه ياقوت (626هـ) ضمن طبقة البحتري وابن الرومي، كما اعتبره ابن خلكان (681هـ) من الشعراء المجيدين، وجعله – أيضا - في طبقة ابن الرومي والبحتري وأنظارهما. وقال إن له قصيدة في فنون العلم على روي واحد تبلغ أربعة آلاف بيت، وله أشعار كثيرة في جوارح الصيد وآلاته، والصُّيُود وما يتعلق بها؛ كأنه كان صاحب صيد (...) ومنها قصائد ومنها طَرَديات على أسلوب أبي نواس، ومنها مقاطيع، وقد أجاد في الكل (20).

وورد في ( تاريخ بغداد ) أنه كان يقول في خلاف كل معنى قالت فيه الشعراء، وشعره كثير، وهو مع كثرته قليل الفائدة (21).

       وقال ابن القفطي في (إنباه الرواة): وله شعر كثير يتضمن فوائد (22).

وقد جمع شعره وحققه وعلق عليه هلال ناجي، ونشره تباعا في خمسة أعداد من مجلة المورد العراقية بين سنتي 1982 – 1983.

ولاحظ الباحث أنه لم يجد في المعاصرين من أفرد للناشئ كتابا درس فيه شعره دراسة نقد وتقويم، وأن المحاولة العلمية الأولى التي قام بها د. شوقي ضيف في كتابه ( العصر العباسي الثاني)؛ حيث اعتبره صاحب شاعرية خصبة، « وقد رفدها مبكرا بثقافته الكلامية التي أعدته ليحاور ويُداور أرسطو والخليل بن أحمد وعلماء النحو واللغة، ولا ريب في أنها وصَلَتْه بكل ينابيع الثقافة في عصره؛ يونانية وغير يونانية...

وفي الحق، إنه كان يعرف كيف يولد الصور، وكيف يستخرجها من مكامنها، وكيف ينظمها شعرا عذبا بكل ما يملأ النفس إعجابا به (23).

وقد تناول طردياته بالدراسة والتحليل د.عبد الرحمن رأفت باشا في كتابه ( شعر الطرد إلى نهاية القرن الثالث الهجري)، فكشف عن خصائصها اللفظية والمعنوية والإيقاعية. ولاحظ هلال ناجي أن اهتمام الناشئ بشعر الطرد ينم عن استجابته لدواعي الحضارة والتغييرات الجديدة في المجتمع العباسي (24).

وقدم هلال ناجي دراسة لشعره أبرز من خلالها أثر الاعتزال في شعره، وانتهى إلى أن الفكر الاعتزالي ومصطلحاته يبدو واضحا في شعر الناشئ، من خلال التعابير والأغراض والمعاني الكلامية، حتى إن القارئ ليحس أن روح الاعتزال تتبدى في طيات شعره. كما أظهر الباحث أثر صنعة الكتابة في شعره؛ إذ كان من طبقة جمعت بين فني الشعر والكتابة في القرن الهجري الثالث، وكانت له صلات وثيقة بعدد من رجالها (25).

ووجدتُ في كتاب ( نضرة الإغريض في نُصرة القريض) أن المتنبي أخذ قوله:

       كأن بناتِ نَعْشٍ في دجاها    خرائدُ سافراتٌ في حِدادِ

من قول أبي العباس الناشئ حيث يقول:

       كأن مُحَجَّلاَتِ الدُّهْم فيه      خرائدُ سافراتٌ في حِدادِ (26)

ومن شعره:

    تأمل بعينـك هذا الأنـامَ     فكُنْ بعضَ مَنْ صانَه عقلُهُ

             فَحِلْـيةُ كلِّ فتـــىً فضلُه    وقيمـــــــة ُكل امرئ نُبْلُهُ

            فلا تَتَّكِلْ في طِلاب العلا    على نســـب ثابت أصـلُهُ

            فما من فتىً زانَــه قولُه     بشيء يُخالفــــــــُه فعـلُه

ثالثا: الناشئ ناقدا:

 

1 - عن مكانته النقدية:

 

لعل أول إشارة للجانب النقدي عند الناشئ هي التي ذكرها أبو حيان التوحيدي في كتابه: (البصائر والذخائر حين قال:

« وما أصبتُ أحدا تكلم في نقد الشعر، وترصيفه أحسن مما أتى به الناشئ المتكلم، وان كلامه ليزيد على كلام قدامة وغيره...» (27).

وهو حكم من رجل تابع النشاط الفكري للقرن الرابع الهجري، حيث بلغ النقد العربي أوجه، فما وجد أحدا تكلم في نقد الشعر ما فعل الناشئ، بل وجد كلامه يزيد على كلام قدامة بن جعفر(337هـ) وغيره.

وقد ذكر له أبو حيان كتابا بعنوان:( نقد الشعر) وأسماه ابن رشيق في العمدة (تفضيل الشعر)، ولا يعرف أهو كتاب واحد أم كتابان. ولم يبق من آثاره سوى نصوص قليلة نجدها مبثوثة في (البصائر والذخائر، وفي العمدة لابن رشيق، وفي زهر الآداب، وفي ما يجوز للشاعر في الضرورة). ومما تميز به الناشئ أنه عبر عن كثير من الحقائق النقدية في شعره، وقدم صورة لصناعة الشعر، وأغراضه، كما سنرى.

ولعل أهم من توقف عند الجانب النقدي عند الناشئ:

- د.إحسان عباس في كتابه:( تاريخ النقد الأدبي عند العرب) - ط1،1971 - ص16،63 - 66.

- د.يوسف حسين بكار في مقالة بعنوان:( الناشئ الأكبر ناقدا) : مجلة الأديب اللبنانية حزيران،1974 ص 22 - 26 .

- د.مصطفى الجوزو في كتابه:( نظريات الشعر عند العرب) ، ص 176، (ط1، 1981).

- هلال ناجي في تقديمه للديوان:المورد عدد(2) المجلد 11 سنة 1982 ص 64-66.

يرى د.إحسان عباس « أن النقد الأدبي ولد في حضن الاعتزال (الجاحظ - بشر بن المعتمر- الناشئ الأكبر) والمتأثرين به»(28).

وبدا له أن الناشئ قد خص النقد الأدبي بالتأليف، فقد وجد من خلال النقول الواردة في كتاب ( البصائر والذخائر) أن الناشئ عرف الشعر ووصفه، وتناول موضوعات الشعر، وما يتصل منه بالغزل والنسيب، وذكر أن النصوص التي وصلتنا من الكتاب تدل على نزعة أدبية خاصة في الكلام على الشعر، وانتهى إلى القول:« ومهما تكون طبيعة هذه المحاولة، فان نسبتها إلى الناشئ الأكبر أمر هام؛ لأنها تؤكد أن الدوائر الاعتزالية كانت من أكثر المجالات اهتماما بالنقد سواء منه ما تناول الخطابة وما تناول الشعر» (29).

 

2 - مفهومه للشعر:

جاء في البصائر والذخائر:

« وقال الناشئ أبو العباس في "نقد الشعر": الشعر قيدُ الكلام، وعِقال الأدب، وسُور البلاغة، ومَحَلُ البراعة، ومَجَال الجَنان، ومَسْرح البيان، وذريعةُ المتوسِّل، ووسيلة المتوصَّل ، وذِمام الغريب، وحُرمة الأديب، وعِصمة الهارب، وعُذر الراهب، وفَرْحَة المتمثل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب» (30).

فالشعر عنده مقيد بوزن، وهو مجال للإبداع، ووسيلة بيان وتواصل بل هو وسيلة لغايات كثيرة. ومن مهماته أن يكون شاهد إثبات على كثير من الحقائق الإنسانية واللغوية والنحوية.

 

3 - موضوعات الشعر ومجالات القول فيه:

« قال الناشئ أبو العباس الكبير: أول الشعر إنما يكون بكاءً على دمن، أو تأسفاً على زمن، أو نُزوعاً لفراق، أو تلوعا لاشتياق، أو تطلعا لتلاق، أو أعذارا إلى سفيه، أو تغمدا لهفوة، أو تَنُصُّلا من زلة، أو تحضيضا على أخذ بثأر، أو تحريضا على طلب أوتار، أو تعديدا للمكارم، أو تعظيما لشريف مُقاوم، أو عتابا على طوية قلب، أو إعتابا من مُقارفة ذنب، أو تعهُّدا لمعاهد أحباب، أو تحسُّرا على مشاهدة أطراب، أو ضربا لأمثال سائرة، أو قرعا لقوارع غائرة، أو نظما لحِكَم بالغة، أو تزهيدا في حقير عاجل، أو ترغيبا في جليل آجل، أو حفظا لقديم نّسّب، أو تدوينا لبارع أدب» (31).

تناول الناشئ في هذا النص ما يتعلق موضوعات الشعر، ومجالات القول؛ مما تقرر في أغراض الشعر. ويبدو أنه لم يُسبق إلى مثل هذا.

كما تناول موضوعات الشعر في القصيدة الآتية، وبين صنعة الشعر وحدد موقفه منها. ومناسبة هذه القصيدة أنه تكلم أناس في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل [ تولى الوزارة للمعتمد العباسي، وقد مدحه البحتري وابن الرومي، وتوفي سنة 278هـ] من حيث لا يعلمون، فكتب إليه أبو العباس الناشئ هذه القصيدة من الخفيف (32):

لعن اللهُ صَنعةَ الشعر، مـــاذا         من صنوف الجُهال فيها لقينا؟

يُؤثرون الغريبَ منه على ما         كان سهلا للســامعين مبينا

ويرَوْنَ المُحالَ شيئا صحيحا        وخسيسَ المقال شيئا ثمينا

يجهلون الصواب منه ولا يَدْ        رون، للجـــهل، أنهم يَجهلونا

فهمُ عند مَن ســوانا يُلامــــو       نَ، وفي الحق عندنا يُعذرونا

إنما الشعرُ ما تناسبَ مع النظــــ        مِ، وإن كان في الصفات فنونا

فأتى بعضُه يُشــاكلُ بعضـــا        قد أقامـت له الصدور المتونا

كل معنى أتاك منه على مـــا       تتمــــنى لو لم يكن أن يكونا

فتناهى من البيان إلــــــى أن          كاد حسنا يبينُ للنــــاظرينا

فكأن الألـــــفاظَ منه وجـــــوهٌ          والمــعاني رُكِّبْنَ فيها عيونا

فائتاً في المَرام حسْبَ الأماني       فيُحلى بحسنه المُنشدينا

فإذا ما مدحتَ بالشعر حُـــــرّاً            رمتَ فيه مذاهب المُسهبينا

فجعلتَ النسيبَ سهـــــلا قريا         وجعلتَ المديحَ صدقا مُــــبينا

وتنكَّبْتَ ما يُهَجَّنُ في السمْـ        عِ، وإن كان لفظـــه مــــوزونا

وإذا ما قرضْـــتَه بهجــــــــاء          عِفْتَ فيه مذاهب المُرفثــينا

فجعلتَ التصــــريحَ منه دواءٌ          وجعلتَ التعـــريضَ داءً دفينا

وإذا ما بكيتَ فيه على الغا           دين يوما للبين والظاعـــنينا

حُلْتَ دون الأسى، وذلَّلتَ ما كا           نَ من الدمـع في العيون مَصونا

ثم إن كنتَ عاتبا شُْبْتَ في الوعْـ        دِ وعيدا، وبالصــــــــعوبة لينا

فتركتَ الذي عَتِبْــــــــتَه فيه          حَذِرا، آمـنا، عـزيزا، مهــــينا

وأصحُّ القريض ما فات في النظـم          وإن كان واضــــحا مستـبينا

فإذا قيل أطمــعَ الناسَ طُرا            وإذا ريم أعجـز المُعــــجزينا

 

وهو يرى أن الشعر ما تحقق فيه التناسب والمشاكلة في النظم، وجاء سهلا صحيحا يكشف عما في النفس، معانيه تأتيك كما تتمناها، وتتمثل شاخصة للبصر من شدة وضوحها، وحدد ما به يتميز كل غرض شعري. ورأى في نهاية القصيدة أن أصح القريض ما لا تناله القرائح؛ من سمعه يحس أن يستطيع أن ياتي بمثله، وحين يحاول يعجز عن إنجاز مثله.

 

وقال في القصيدة الثانية (33):

 

والشعر ما قوَّمْتَ زيْغً صـــدوره         وشدَدْتَ بالتهذيب أَسْرَ متونهِ

ورأبْتَ بالإطناب شعْبَ صدوره          وفتحتَ بالإيـــــجاز عُورَ عيونهِ

وجمـعتَ بين قريبه وبعيـــده            ووصلتَ بين مَجَمّــــِهِ ومَعينِهِ  

فإذا بكيْتَ به الديارَ وأهـــلَها            أجـريتَ للمخـزون ماءَ شؤونه

وإذا مدحتَ به جواداً ماجداً             وقضيـــــْتَه بالشكر حقَّ ديونِهِ

 أصفيْتَه بنفيـــسه ورصينه             وخصّصــْتَه بخــطيره وثمـــينِهِ

فيكونَ جزلا باتساق صنوفِهِ            ويكون سهلا في اتفاق فـــنونه

فإذا أردتَ كنايــــةً عن ريبِهِ             بايْنتَ بين ظــــهوره وبُطـــونِهِ

فجعلتَ سامعَه يشوبُ شكوكَهُ        ببيــــانه وظــــــنونه بيقــــينه

وإذا عتْــــتَ على أخٍ في زلة          أدمجْتَ شــِدَّتَه له في لينِهِ

فتركتَه مسأتنســــاً بدماثةٍ            مُستيئساً لوُعـــــوثِه وحُزونِهِ

وإذا نبَذْتَ إلى التي عُلِّقْتَها            إن صارمَتْكَ بفاتــنات شؤونه

تَيَّمْتَها بلطيـــــــفه ودقيقه            وشغَفْتَها بخبـيئهِ وكمــــينِه

وإذا اعتذرْتَ إلى أخ من زلةٍ          واشكْتَ بين مُحـــيله ومُبينه

 

وقد مهد ابن رشيق بهاتين القصيدتين للحديث في أغراض الشعر وصنوفه؛ ذلك أن الناشئ يقدم توجيهات لمن طلب الشعر في غرض من أغراضه؛ مُبينا حقيقة ذلك الغرض في نفسه ونفس متلقيه. ولا يشك أحدٌ في استفادة ابن رشيق من حديث الناشئ عن أغراض الشعر.

وفي ضوء ما ورد في القصيدتيْن لا حظ د. يوسف بكار أن الناشئ من الذين تحدثوا عن كيفية بناء الشعر ونسجه، وممن رأوْا التنقيحَ ضرورةً، وممن ربطوا بين اللفظ والمعنى ربطا مُحكماً، وأنه مهّد الطريق لمن بعده من النقاد في كيفية تناول كل فن من فنون الشعر.

يقول د. مصطفى الجوزو: يبدو أنه أول من عرف الشعر بالنظم؛ منكرا الغريب والمُحال فيه، وأنه من أنصار تثقيف الشعر(34).

ولعله بعد تناول الشعر جملة، وقف عند كل غرض غرض. ومما قاله في موضوع الغزل والنسيب هذا النص الذي ورد في ( البصائر والذخائر).

4 – المرأة والشعر:

ورد في كتاب (البصائر والذخائر) لأبي حيان التوحيدي:« قال الناشئ في كتاب ( نقد الشعر): ومخاطبات النساء تحلو في الشعر، وتعذبُ في القريض، لا سيما لغانيةٍ قد أطرَّ الفَتاءُ شاربَها، وزوى الإباء حاجبها، وأشطَّ الجمالُ قَوامَها، وأفردَ الحسنُ تمامَها (...) فكيف إذا هي برزت من حجابها، وسفَرَتْ عن نِقابها، وتهادتْ بين أترابها» (35). والنص طويل يُراجع في مصدره.

 

5 - ما قاله في وصف شعره (36):

 

يتحيَّرُ الشعراءُ إن سمعوا به     في حسن صنعته وفي تأليفهِ

فكأنه في قربه من فهمهم     ونكولهم في العجز عن ترصيفه

شجرٌ بدا للعين حسنُ نباته     ونأى عن الأيدي جَنَى مقطوفه

فإذا قــــرَنْتَ أَبِيَّهُ بمُطــيعِهِ      وقرنتــــــَهُ بغــــريبه وطريفِــــــهِ

ألفيْتَ معنـاهُ يُطابقُ لفظَهُ       والنظـــمُ منه جليُّــــه بلطـــيفه

فأتاهُ مُتّسِقاً على إحسانه      قد نِيــــطَ منه رزينُــه بخفيـــفه

هَذَّبْتُهُ فجــــــعلتُه لك باقيا       ومنَعْتُ صَرْفَ الدهر عن تصريفه

وقال الناشئ:« الشعرُ ما كان سهلَ المطالع، فصل المقاطع، فحلَ المَديح، جزل الافتخار، شجيَّ النسيب، فَكِهَ الغزل، سائرَ المثل، سليم الزلل، عديم الخَلل، رائع الهجاء، موجب المَعذرة، مُحب المَعْتَبَة، مُطمِعَ المَسالك، فائتَ المدارك، قريبَ البيان، بعيد المعاني، نائيَ الأغوار، ضاحيَ القرار، نقيَّ المُستَشَفّ، قد هُريقَ فيه ماء الفصاحة، وأضاء له نور الزجاجة، فانهل في صادي الفهم، وأضاء في بهيم الرأي، لمُتأمِّله ترقْرُقٌ، ولمُستشفِّه تألقٌ، يروق المُتوسِّم، ويسرُّ المُترسم، وقد أبدتْ صدورُه متونُه، وزهتْ في وجوهه عيونُه، وانقادتْ كهولُه لهواديه، وطابقتْ ألفاظُه معانيَه، وخالفتْ أجناسُه مبانيه، فاطّرَدَ لمُتصفِّحِه، وأنارَ لمُستوْضِحِه، وأشبَهَ الروْضَ في وَشْيِ ألوانه، وتعمُّم أفنانه، وإشراق أنواره، وابتهاج أنجاده بأغواره، وأشبه الرَّوْض في اتفاق رقومه، واتساق رسومه، وتسطير كُفوفه، وتحبير فُوفِه، وحَكَى العِقْدَ في التئام فصوله، وانتظام وصوله، وازديان ياقوته بدُرِّه، وفريده بشدْرِه، فلو اكتنف الإيجازُ مواردَه، وصقَلَتْ مداوِسُ الدُّرْبة مناصلَه، وشحَذَتْ مدارس الأدب فياصله، جاء سليماً من المعايب، مُهذّباً من الأدناس،  تتحاشاهُ الأَبَن، وتَتحاماه الهُجَن، مُهْدِياً إلى الأسماع بهجَتَه، وإلى العقول حِكمتَه»(37).

ولاحظ ابن رشيق أن الناشئ كان مُعجبا بنفسه، مثنيا على شعره، كما « في كتابه الموسوم بـ (تفضيل الشعر)، وهو ما لا يجوز لشاعر، كما لا يجوز لغيره،» (38).

            

وخلاصة القول، أرى أن هذه النصوص تكشف عن شاعر وناقد من القرن الهجري الثالث، وقد اكتفيتُ هنا بعرض هذه النصوص لقراء ( مجلة جذور)؛ آملا أن يجدوا فيها متسعا للقول في التأريخ لنقدنا العربي القديم، وأن يكتشفوا ناقدا يجعل من العبارة النقدية أثراً فنيا.

 

هوامش:

 

1 – من مصادر ترجمته: - طبقات الشعراء: عبد الله ابن المعتز، ص417 – 418 – الفهرست: النديم، ص302 - 303 – تاريخ بغداد: الخطيب 10/92 – 93 – إنباه الرواة على أنباه النحاة: القفطي:2/128 – 129 - معجم الأدباء: ياقوت:4/1548 -  وفيات الأعيان: ابن خلكان:3/91 - 92  -– الكامل في التاريخ: ابن الأثير:7/547 – طبقات المعتزلة: ابن المرتضى، ص92 – 93 –الأعلام: خير الدين الزركلي :4/118 (ط11).

2 – شذرات الذهب: ابن العماد:2/212 -  وفيات الأعيان ابن خلكان (681هـ)، تحقيق: د. إحسان عباس:3/ 92 - ط1 [ بيروت ، دار صادر، 1994].

3 – الفهرست: النديم ( أبو الفرج محمد بن يعقوب، تحقيق: د. يوسف علي الطويل،ص302 - 303 –  ط1 [ بيروت، دار الكتب العلمية، 1996].  

4 – تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي (463هـ):10/92 – 93 – د.ت [بيروت، دار الفكر، د.ت].

5 – معجم الأدباء: ياقوت الحموي (626هـ)، تحقيق: د. إحسان عباس: 4/1548 – ط1 [ بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1993].

6 – طبقات المعتزلة: ابن المرتضى (840هـ)، ص 92 – 93 - تحقيق: سُوسَنَّة ديفلْد- فِلْزَر – ط1 [ بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة، 1960].

7 –الفهرست، ص302

8 – إنباه الرواة على أنباه النحاة: القفطي (624هـ) - تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم :2/128  – ط1 [ القاهرة، دار الفكر العربي، 1986].

9 – وفيات الأعيان:3/91 –

10 – تاريخ بغداد:10/92

11 –الإمتاع والمؤانسة: أبوحيان التوحيدي (414هـ)، تحقيق: أحمد أمين وأحمد الزين:2/905 – ط1 [ بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت].

12 – طبقات المعتزلة، ص92

13 -  تاريخ بغداد:10/93

14 – نفسه، وورد هذا القول في: معجم الأدباء:4/1548

15 – إنباه الرواة:2/128

16 – سير أعلام النبلاء: الذهبي (748هـ)، تحقيق أكرم البوشي، أشرف على التحقيق شعيب الأرنؤوط :14/41 – ط2 [ بيروت، مؤسسة الرسالة، 1984].

17 – العمدة في محاسن الشعر وآدابه: ابن رشيق (456هـ): 1/83، تحقيق: د. محمد قرقزان:1/83 – ط2 [ بيروت، دار المعرفة، 1994]. وعلق د. إحسان عباس على هذا النص بقوله: ولسنا نقول شيئا في هذه العبارة سوى أنها سفسطة قائمة على المغالطة: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص66

18 – البصائر والذخائر: أبو حيان التوحيدي (414هـ)، تحقيق: د. وداد القاضي 5/109 – ط1 [ بيروت، دار صادر، 1988].

19 –  الفهرست، ص302

20 – وفيات الأعيان:3/91

21 – تاريخ بغداد:10/92

22 – إنباه الرواة:2/126

23 – العصر العباسي الثاني، ص499

  24 - ديوان الناشئ، تحقيق: هلال ناجي ضمن مجلة المورد، عدد (2) المجلد 11 سنة 1982، ص76 [ الديوان ضمن خمسة أعداد من مجلة المورد سنة 1982 – 1983].

25 – نفسه، ص63

26 – نضرة الإغريض في نصرة القريض (656هـ)، تحقيق: د. نُهى عارف الحسن، ص447 – ط1 [ دمشق، مطبعة طربين، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1976].

27 -  البصائر والذخائر:2/109

28 -  تاريخ النقد الأدبي عند العرب: د. إحسان عباس، ص16 – ط1 [ بيروت، مؤسسة الرسالة،1981].

29 – نفسه، ص63

30– البصائر والذخائر:5/218 – 219

31 – نفسه:5/209 – 210

32 – العمدة:2/748 – 749

33 –نفسه:2/751 – 752

34 – نظريات الشعر عند العرب: د. مصطفى الجوزو، ص196 – ط1 [ بيروت، دار الطليعة، 1981].

35 – البصائر والذخائر:9/25 – 26

36 – زهر الآداب وثمر الألباب:3/685

37– زهر الآداب وثمر الألباب: الحصري 453هـ)، تحقيق: د. زكي مبارك:3/685 – 686 – ط4 [ بيروت، دار الجيل، د.ت].

38 – العمدة:1/367

 

[ مقال نشر بمجلة جذور، دورية تعنى بالتراث وقضاياه، النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد الرابع، المجلد الثاني، جمادى الآخرة 1421هـ/ سبتمير 2000م، ص33 – 50].

 

(2) تعليقات


Add a Comment

اضيف في 01 مارس, 2009 06:18 م , من قبل عبدالعزيز أيت بها
من المغرب

في الحقيقة هذا المقال من المقالات القليلة التي تترك في ذهن قارئها عجيجا من الأسئلة، ويظل منبهرا بما تمتح به من النظر الثاقب، والرأي النافذ, الذي اعتدناه من أستاذنا الجليل عباس ارحيلة.
وأحب، والحالة هذه، أن أدلي بتعليق مجمل يثير نقطتين:
• الأولى مرتبطة بالتراث العربي في كليته، فهذا الناشئ الأكبر خلف تراثا شعريا ونقديا وكلاميا.. لكن هذا كله ضاع إلا ما رحم الله ، ومن ثم فلو وصل هذا التراث كاملا ، وسلم من عوادي الزمن لتغير وجه العالم وحال الأمة العربية وفكرها، ولعل دورنا نحن في هذا العصر هو كشف النقاب، ورفع الحجاب ، عما أمكننا من مما بقي منه مخطوطا، ثم العمل على إكمال ما نقص منه باجتهاداتنا وقراءاتنا.
• الثانية لها علاقة بدور الشعراء والكتاب ـ والمبدعين عامة ـ وإسهامهم الكبير في النقد الأدبي والبلاغة، فكونهم يجمعون بين الممارسة أولا، والتنظير ثانيا، جعل تنظير اتهم رائدة، كما أنهم، على ما يرى الشاهد البوشيخي، أول من سمى مواليد النقد .
طالبكم المحب عبد العزيز أيت بها ماستر الأدب القديم

اضيف في 01 مارس, 2009 06:24 م , من قبل هدى روض
من المغرب

بسم الله الرحمان الرحيم :
هذه المقالة تثيرعدة إشكالات وتوحي بالعديد من القضايا، و أحب اعلق على إحدى هذه القضايا وهي المرتبطة بدور علماء الكلام والمعتزلة بالخصوص في بلورة النظريتين: النقدية والبلاغية العربية، فالناشئ الأكبر من كبار المتكلمين المعتزلة المهتمين بقضايا البلاغة ونقد الشعر، في فترة كان للمتكلمين فيها ملهم من الصيت والشهرة ، كما كان لهم إسهام في مختلف الجوانب الثقافية. فمن لنا بتتبع هؤلاء الشعراء النقاد وإحصاء إسهاماتهم !!!.
طالبتكم التي تقتدي بكم هدى روض ماستر الأدب القديم



Add a Comment

<<Home