موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
مقدمة الكتاب

مقدمة الكتاب
حمّلها rhilaabas يوم الخميس, 14 صفر 29, 8:35 م (توقيت القدس)
قراءة في كتاب د. عباس أرحيلة


مـقـدمـة الـكـتـاب فـي الــتـراث الإســلامـي





                      د.حـسـن الـمـودن



1 ــ أصدر الدكتور عــبــاس ارحـــيـلـة سنة 2003 كـتـابـا تحت عنوان: " مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع" . وهو عبارة عن دراسة لمقدمة الكتاب في التراث الإسلامي " من بداية التأليف في تاريخ الإسلام إلى بداية النهضة العربية الحديثة"(ص 7). ويقدّم نفسه باعتباره محاولة في تحديد مفهوم المقدمة وابراز مكوناتها، " مع التركيز على جزئية واحدة من هذه المكونات، وهي التي تتعلق بحديث المؤلّف عن موضوعه" (ص 7)، وهذا المكون هو الذي يراه الباحث جوهريا في كل مـقـدمـة عـلـمـيـة، سواء كان ذلك في الـقـديم أو في الحديث( ص 7).
وغاية الباحث من هذه الدراسة " الكشف عمّا يتميز به خطاب المقدمات في كتب التراث الإسلامي العربي، وما يطرحه ذلك الخطاب من قضايا، وما تعرب عنه تلك المقدمات من تصورات منهجية تخصّ التأليف في حضارة الإسلام، وتبيّن منحنيات الإبداع فيه" (ص7).

ومن أهداف هذا البحث أن يجد فيه القاريء " شهادة إثبات بوجود تصور واضح للتأليف في مقدمات الكتب في حضارة الإسلام، وأن ذلك التصور أصبح واضحا منذ القرن الثالث للهجرة" (ص8). وأن يجد فيه " معالجة بعض مشكلات البحث العلمي في التراث الإسلامي، من خلال أشكال الخطاب في مقدمة التأليف، وذلك بالوقوف عند دعاوى المؤلفين في تراث الإسلام حين يقولون انهم أتوا بما لم يسبقوا إليه، وانهم اجتهدوا وتجاوزوا السابقين، فتحقق في آثارهم الإبداع" (ص8). وبالنسبة إلى الباحث، هذه الدعاوى " هي الهواجس التي ينبغي أن ترافق الأبحاث العلمية التي يعتدّ بها في تاريخ تطور المعرفة" (ص8). ومن أهدافه أن يكشف كذلك " أن مقدمات الدراسات في العصور الحديثة لا تضيف جديدا إلى أهمّ مكونات المقدمة في كتب التراث ..." (ص 8).

ويقول الأستاذ عباس ارحيلة إن الاهتمام بالمقدمات موجود منذ زمن بعيد، وقد خصّها العلماء بالشروح في القديم، وصارت من اهتمامات النقد الحديث. ويسجل أن له في هذا البحث " وجهة مغايرة لهذه الاهتمامات، إذ أن موضوع هذا البحث أن يقرأ مع متلقيه مقدمة الكتاب في تراث الإسلام، مع التركيز على إحساس المؤلف ـ مؤلف المقدمة ـ بنوع التأليف الذي أتى به، من حيث جدّته وما حقّق فيه من سبق في مجاله المعرفي الخاصّ" (ص 8).







وفي نظره، يمكن تقسيم الأعمال السابقة في موضوع المقدمة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول ويتعلق بما ورد من إشارات إلى مفهوم المقدمة في مقدمات كتب التراث، وما ورد عنها في بعض الكتب التي تؤرخ لفنّ الترسّل في الأدب العربي، وما يوجد في الشروح والحواشي التي تناولت كتب السابقين ... ويسجل الباحث أنه " لا يوجد تراث إنساني شرح فيه خطاب المقدمات كما شرح في التراث الإسلامي العربي" (ص 9).

ويتعلق القسم الثاني بالبحوث التي تناولت المقدمة في التراث العربي من لدن المعاصرين. ومن أهمهم المستشرق الألماني فريمارك في كتاب أصدره سنة 1967، وتناول فيه المقدمة باعتبارها شكلا أدبيا في التراث العربي. وتناول أحمد جاسم النجدي في الفصل التاسع والأخير من كـتـابه الصادر سنة 1978 تـحـت عـنــوان : " منهج البحث الأدبي عند العرب" ما أطلق عليه مصطلح " المكملات" وهي: الخطبة(المقدمة)، التوطئة(التمهيد)، الخاتمة، الفهارس. ومن هذه البحوث رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا من إنجاز الباحث عبد الرزاق بلال تحت عنوان: المقدمة في التأليف النقدي القديم في القرنين الثالث والرابع الهجريين" ( 1990). وقد نشر الباحث قسما من رسالته بعنوان: " مدخل إلى عتبات النص، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم".

ويتعلق القسم الثالث بما أنجزه بعض النقاد الفرنسيين خلال الثلث الأخير من القرن العشرين من دراسات حول ما سمي بالنصوص الموازية أو العتبات. ويسجل الباحث أن مجمل المعلومات المتوافرة اليوم عن المقدمات " تستمدّ مرجعيتها من نقاد فرنسيين، يأتي في طليعتهم اسم جيرار جنيت(Gerard Genete) الذي قدّم جهازا مفاهيميا متكاملا لدراسة ما أسماه بالعتبات أو النصوص الموازية في الآثار الإبداعية، والروائية منها بشكل خاص، لدى الغربيين." (ص 10). ويضيف أن هذا الجهاز المفاهيمي الغربي في الدراسات النقدية الحديثة هو الذي استفاد منه مجموعة الباحثين العرب ومنهم المغاربة بشكل خاص(ص ص 10 ـ 11).

ويسجل الدكتور عباس ارحيلة ملاحظات في ضوء ما تقدمه الدراسات الحديثة، منها أن مفهوم النصوص الموازية أو العتبات باصطلاح جيرار جنيت " لم يتبلور بعد بصورة نهائية"(ص 12). ومنها أن هذا الجهاز النظري حول النصوص الموازية " منطلقه ومرجعيته الأدب الروائي الأوربي بشكل خاصّ، وتصوراته نابعة من مناهج دراسات الخطاب في الآداب الأوربية، وغاية مدارستها اكتشاف الروابط الممكنة بينها وبين النصوص الأصلية، في ضوء ما يعرف بالتفاعلات النصية." (ص 12). ومنها أن المقدمة لا تشكّل " إلا جزئية واحدة ضمن مجموعة من الخطابات المواكبة للنص، والتي ينظر إلى كيفية اشتغالها، وتأثيرها في المتلقي." (ص12). ومنها أن "هذه النصوص الموازية، ومن ضمنها المقدمة، لها استقلاليتها عن النصوص" (ص12).









وبالنسبة إلى الباحث، هناك خلاف جوهري بين النصوص الموازية في الدراسات الحديثة والمقدمة في التراث العربي، فهذه الأخيرة " تنتمي إلى مجال البحث والتصنيف، لا مجال الإبداع، وهي لا تشكّل نصّا موازيا مستقلا بذاته، بل هي جزء لا يتجزأ من الكتاب ... تمثّـل الرأس من جسد الكتاب" (ص12). ويضيف أن المقدمة في التراث العربي " تنتمي إلى فضاء مغاير، وترتبط بتصورات من حضارة قوامها دين ينظم حركة وجودها، ولغة يقوم عليها خطاب الوحي، وتشكل أساس الثقافة في حضارة الإسلام، وعلى طرائقها يتحقق الأداء الفني في أصناف القول في تلك الثقافة، وهي ثقافة لها سياقها الديني الخاصّ، واشكالاتها المعرفية، ولها رسوخ في مجال التأليف يتجاوز كل التقديرات." (ص12).

ويضيف الأستاذ عباس ارحيلة أن ما يميز بحثه هذا أنه " يعنى بشكل خاصّ بالمقدمة التي وضعها المؤلف المسلم العربي لمصنّفه، و... الكشف عمّا تميّزت به، من حيث مفهومها ووظيفتها ومكوناتها ومقاصد أصحابها وأبعادها التداولية، في ضوء منهج تاريخي وصفي لا يدّعي الاستقراء كلية، ولكنه يحاول أن ينفتح على حقول معرفية مختلفة، مع التركيز على هاجس الإبداع لدى المؤلف، أي على إحساسه بطبيعة ما أتى به..." (ص 13).



2 ــ قسّم الدكتور عباس ارحيلة مؤلفه إلى ثلاثة فصول. تناول في الفصل الأول المقدمة في حركة التأليف في الإسلام، موضّـحا أهمية التأليف عامة وفي حضارة الإسلام خاصة، ومنبّها إلى أن استفتاح الكتب توجيه إسلامي، ومستحضرا مطالع القصيدة العربية. وعالج في الفصل مفهوم المقدمة لغة واصطلاحا مع ما ينوب عنها من مصطلحات، مبيّـنا أهمية المقدمة ووظيفتها وأنواعها، ومقارنا بين مقدمة الكتاب ومقدمة العلم.

وقام في الفصل الثاني بفحص مكونات مقدمة الكتاب، ناظرا في ثوابتها ومتغيراتها، مقسّـما إياها إلى سبعة أنواع من الخطاب: 1ـ خطاب تطبعه ديباجة الكتاب الإسلامي، 2 ـ خطاب موضوعي عناصره ثابتة في أغلب الأحيان، 3 ـ خطاب موضوعي عناصره متغيرة، 4 ـ خطاب يختلط فيه الموضوعي بالذاتي، 5 ـ خطاب ذاتي تكشف فيه الذات عن هواجسها وتطلعاتها، 6 ـ خطاب يسعى أن يشرك القاريء في المسؤولية المعرفية، 7 ـ خطاب عام تندرج فيه كثير من الحقائق والإفادات.

وانتهى في خاتمة بحثه إلى أن القدماء قد أدركوا أهمية مـقـدمـة الكتاب، " وتنبهوا إلى ضرورة وجودها، واعتبروها لحظة إبداع تبوح فيها الذات بمعاناتها، وتكشف عن تصوراتها للموضوع، ومدى إحاطتها به." (ص 249). ويضيف أن المقدمة في التأليف العربي قد تحقّـقت " بالصورة العلمية التي هي عليها الآن في مجالات البحث العلمي عامة" (ص 249).

وخلص إلى أن الإحساس بالسبق هو الذي كان هاجس المؤلف في مقدمة كتابه، ومن هنا " كان رصد هذا الإحساس مما يكشف عن مظاهر التجديد في تاريخ التأليف العربي، ومما يساعد على معرفة التحولات الفكرية والتصورات الحاصلة في مجالات الإبداع. ففي مقدمات التأليف تلتمس لحظات العطاء والتقدم، وفترات التراجع والشرح والجمع والاجترار." (ص 249).

لقد اتضح مع هذا البحث أن " المقدمة لحظة ينكشف فيها الإحساس بقدر المشاركة في إثراء التجربة الإنسانية. وتظل لحظة البوح بهذا المعطى لأهمّ لحظة في المقدمة" (ص 249). ووجد الباحث أن هاجس الإبداع ظلّ يرافق المبدعين عامة، ومن هنا يرى " أن المقدمات في كتب تراثنا العربي ترسم منحنيات الإبداع في ذلك التراث، إذ يبوح فيها المؤلفون ... بالإضافات التي أحسّـوا أنهم أسهموا بها في إثراء التجربة الإنسانية العربية" (ص 250).



3 ــ من الخلاصات العامة لهذا البحث " أن دراسة مقدمة الكتاب تكشف عن حضور مسألة المنهج، منذ المراحل الأولى للتأليف في الثقافة الإسلامية." (ص 250). ومن أهم سمات المنهج العلمي الذي تعرب عنه مقدمات الكتب في التراث الإسلامي أنها تستند إلى قيم الحقّ والصدق والنزاهة، وتنطلق من تجربة حياتية وعلمية، فالمؤلف يقيم قضيته على أساس ملاحظة ما تمّ إنجازه من أعمال سابقة، ويقوم بعملية استقراء في ضوء تلك الأعمال، فيصف ويوازن ويقارن ويحلل. ومن أهمّ هذه السمات أيضا أن المؤلف يضع تصميما لبحثه يستجيب لمنهجيته في تحقيق نتيجة راهن عليها في المقدمة.



والخلاصة أن دراسة المقدمة في التراث الإسلامي عمل مفيد وضروري، والدراسة التي قدّمها الدكتور عباس ارحيلة تكشف خصائص علمية جوهرية في مقدمة الكتب والبحوث العلمية، وتدفع إلى الاستفادة من مقدمات الأسلاف والسابقين، وخاصة فيما يتعلق بهاجس الإبداع الذي من دونه لا يستقيم البحث العلمي.

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home