موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
مع أول مقارنة بين الشعر العربي والشعر الأوربي

                                                               عباس أرحيلة

تمهيد:

 

اصطدمت النهضة العربية الحديثة بالحضارة الغربية بكل مظاهرها، وبدأ التعرف على التجربة الأوربية في الأدب والنقد في لغاتها أو مترجمة إلى غيرها من اللغات. وذهب الرواد الأوائل في ميدان النقد الأدبي يبحثون عن قيم نقدية في التراث، ويتطلعون إلى استنبات قيم جديدة من النقد الأوربي لتطعيم نقدنا العربي وتقويمه، وبلورة قضاياه.

       وأقف عند محاولة لرائد مُجَدِّد في النقد العربي، تناول فيها صاحبها المقارنة بين الشعر العربي والشعر الأوربي، وسعى فيها إلى تحديد مواضع الاتفاق والاختلاف بينها. وتتمثل هذه المحاولة في أقدم مقال في النقد العربي الحديث، عنوانه ( مقابلة بين الشعر العربي والشعر الإفرنجي)، للشيخ نجيب حداد، وقد مر على كتابته أكثر من قرن.

 

أولا: الشيخ نجيب حداد(1867 – 1899م)(1):

 

       أديب وُلد في بيروت، والدتُه بنت الشيخ ناصيف اليازجي (1800 – 1871م)، تلقى نجيب عن خاليه إبراهيم وخليل اليازجييْن، ورضع لبان النظم والنثر منهما، كما قيل. هاجر إلى مصر، وهو صغير السن، فأدخله ذووه إحدى مدارس الإسكندرية، فأتقن اللغة الفرنسية. وأصبح محررا بجريدة (الأهرام) بالإسكندرية، وهو في الخامسة عشرة من عمره، واعتزلها سنة 1894م، وأنشأ جريدة (لسان العرب) بالإسكندرية، وتولى رئاسة تحريرها.

عرَّبَ كثيراً من الروايات والمسرحيات الفرنسية، طُبعت كلها، وترك ديوان شعر سماه (ديوان الماضي). وكان المسرح في طور نشأته، فغذاه نجيب بروايات تمثيلية عديدة، كان لها أحسن وقع في النفوس، وطغت على مسارح الشرق العربي(2).

       توفي في عنفوان شبابه، في الثانية والثلاثين، من عمره سنة 1899م.

       وقد اعتبره مصطفى لطفي المنفلوطي(1924م) من أحسن كُتاب هذا العصر، وهو عنده شاعر من أرق شعرائه، ومترجم من أقدر المترجمين على الترجمة السهلة الفصيحة السائغة، وقال:" ولقد مر على وفاته يضع سنين، ولم أرَ بين السوريين والمصريين من سلك مسلكَه في ترجمة الروايات"(3).

       واعتبره مارون عبود (1886 – 1962م) من أساطين كُتاب المقالة.

 

ثانيا: منطلقات قبل المقارنة بين الشعريْن

 

أ – مفهوم الشعر:   

 

مهَّد للمقارنة بين الشعريْن بثماني تعريفات في فقرة واحدة، فال:

1 – الشعر هو الفن الذي ينقل الفكر من عالم الحس إلى عالم الخيال.

2 – وهو الكلام الذي يُصوّر أرقّ مشاعر القلوب على أبدع مثال.

3 – وهو الحقيقة التي تلبِسُ أحياناً أثواب المجاز.

4 – وهو المعنى الكبير الذي تُبرزه الأفكار في أحسن قوالب الإيجاز.

5 – وهو أحفى وِجدانات النفس، تتمثل للمرء فيحسبها سهلة، وهي في منتهى الإبداع والإعجاز.

6 -  وهو الأنّةُ التي تخرج من قلب الثكلان، والنغمة التي يترنّح لترديدها الطروب النشوان، والشكوى التي تخفف لوعة الشاكي، ويأنس بها المحب الولهان.

7 – بل هو الحكمة يجدها الحكيم، فيُبرزها بما يليق بها من محاسن اللفظ، ويوازن بين أجزائها موازنةً تُحبب ورودها على الأذن، وتُقرِّب منالَها من الحفظ.

8 – وهو الجمال تراه العين فتحب أن تحفظ ذكراه، وتُبقيه صورة ماثلة يراه بها من لم يكن يراه[ ص126 – 127].

       يلاحظ أن هذه التعريفات مستقاة من مصادر أجنبية، وإن لم يكشف عناها نجيب الحداد. ومجمل هذه التعريفات ( نقل، تصوير، مجاز، إيجاز، تعبير عن أحاسيس النفس، حكمة، جمال)، أراد بها الحداد أن يستوعب جوانب العملية الشعرية من حيث المضامين وطرق إبلاغها وتأديتها، والتعبير عنها فنيا وجماليا، حتى تظل ماثلة في الوجدان والخيال.

       ويلاحظ كذلك أن تلك التعريفات قد خلت من عنصري الوزن والقافية، إلا أنا نجده يعتبر الطبيعة تقتضي التوازن والانتظام في عناصرها. وقد أرجع مَسَرَّة الشعر في النفس إلى طيب أوزانه على الأذن، وخفة تقطيعه على الحواس [ص127].

 

ب - الإنسان شاعر بطبعه:

 

       يرى الحداد أن الشعر سجية في بني البشر، فما من أمة في التاريخ"بلغت غاية من المدنية، أو تأخرت دراجات في الهمجية إلا كان للشعر منها نصيب، وللنظم بين أفرادها سجية"[ص127].

 

ج – ولع الحداد بالشعر منذ صباه:

 

       ذكر أنه كان له ولَعٌ بالشعر منذ صباه، وأنه صرف له أوقات فراغه، وقرأ دواوين الشعراء العرب كما قرأ كثيراً" من شعر الفرنسيين وشعر غيرهم منقولا إلى لغتهم من شعر اليونان والرومان والإنجليز والألمان والطليان... ومن أئمة الشعر الإفرنجي، والذين تضرب بهم الأمثال، ويُستشهد بأقوالهم في كل مقال [127 – 128].

 

د – الدافع إلى وضع هذا المقال:

 

       كان سبب وضع هذا المقال أن أحداً سأله أن يستعين بما توصل إليه من قراءة الشعر العربي والإفرنجي، على وضع مقالة يُبيّن فيها المقابلة بينهما، ويتكلم "عن الفرق بيننا وبين أهل الغرب في معاني الشعر، وأنواع إيراده وأذواق ناظميه، وطرائق البيان في مآخذه، وإبراز المقاصد منه، إلى ما يتصل بذلك من قواعد نظمه اللفظية والمعنوية عند كل الفريقيْن"[128].

       وقد أحس الحداد بأن المقابلة بين الشعريْن مطلب عسير يقتضي خبرة وبصيرة، وأن يعلم الدارس لغة كل شاعر، ويعرف منزلته الشعرية في أهل لسانه، ويكون قادرا على الحكم بين الشعر العربي وغيره. ولا نجد الحداد يدعي هذه الخبرة الواسعة، بل نراه يكتفي بالمعاني الشعرية التي وقف عليها منقولة إلى اللغة الفرنسية؛ ليُقابل بينها وبين الشعر العربي؛ أي أنه اكتفى بـ"إبراز المعاني العقلية التي تدل على مقدرة الشاعر ومنزلته في النبل والحكمة، مع بيان شيء من قواعد الشعر في لغة الفرنسيين"[129].

ونواجه هنا باحثا عربيا تشبّع بالقديم، ونهل من الحديث، فأراد أن يضع هذه المقابلة بين الشعريْن أمام القارئ العربي في نهاية القرن التاسع عشر.

 

هـ - توثيق المقال:

 

       عنوان المقال:" مقابلة بين الشعر العربي والشعر الإفرنجي"، نشره نجيب حداد في مجلة البيان، التي أنشأها خاله الشيخ إبراهيم اليازجي (1847 – 1906م)، ووضعها مصطفى المنفلوطي (1924م) ضمن " مختارات المنفلوطي" [ ط1 – 1912م].

 

ثالثا: مقابلة بين الشعرين: العربي والغربي

 

1 – الشعر والترجمة:

 

       من أوجه الاختلاف بين الشعر العربي، أن هذا الأخير، لا يُفْتقَدُ بالترجمة إلى أي لغة من اللغات الأوربية، في حين يُفتقَد الشعر العربي بالترجمة. فقد لاحظ حداد أن أكثر الاصطلاحات الكلامية في الشعر الإفرنجي وما فيه من ضروب التعابير اللفظية"قلما تتفاوت في درجات البيان ووجوه الإيضاح والتعبير،؛لأنها كلها ترجع لأصل واحد، وهو اللغة اللاتينية التي هي أم لغاتهم جميعا، وعنها يُشتق أكثر ألفظهم ومسمياتهم وطرق الإنشاء عندهم"[129].

فهو يرى أن النحو في اللغات متقارب، وضروب البلاغة الإنشائية متشابهة، فلا تختلف الأذواق إلا اختلافا يسيراً، ولعل يعود إلى طبيعة لغتهم من حيث اعتمادها على حقائق الأفكار، ومحدوديتها في تنويع الصيغ التعبيرية.

       أما اللغة العربية، شأن اللغات الشرقية،"فإن النقل عنها مثل النقل إليها، يستلزم تبديل العبارة كلها بجميع وضعها تقريبا، وتقديم من كثير من ألفاظها أو تأخيره، وربما أدى الأمر بالناقل إلى تغيير الأصل بجملته إلى معنى يُقاربه، لعدم اتفاق المعاني بين اللغتين، وتباين أذواق أهلها في وجوه التعبير وأساليب المجاز وطرق الاستعارة، مما يرجع إلى مألوف كل من الفريقين في حال الحضارة وهيئة الاجتماع"[129 – 130ٍ].

       فطبيعة الشعر العربي تستعصي على الناقل لخصوصية في معاني ذلك الشعر، وتباين أذواق أهله، واختلاف أساليب التجوّز فيه. والخلاف في جوهره اجتماعيٌّ حضاريٌّ. وهنا تختلف اللغة العربية عن اللغات الأوربية، فالترجمة بين هذه اللغات لا تكاد تحتاج فيها" إلى الزيادة على ترجمة الألفاظ بأعيانها ومواضعها، دون تغيير يُذكر في أسلوب العبارة أو تنسيق مفرداتها على الوجه النحوي"[129].

       ومن هنا لا تَفْقِدُ الأشعار ُالمترجمة، من لغة إلى لغة أوربية، من جمال معانيها الشعرية شيئا، لِوَحدة الأصل وتشابه العواطف والأذواق، وتعويلهم على دقة المعاني واتفاقهم بينهم، وقلما تختلف أنواع التعبير عنهم. ويلاحظ الحداد أن تلك اللغة أضيق من العربية كثيرا"بحيث إنهم لا يجدون لإبراز المعنى صيغةً أو صيغتيْن، إلا وجدنا له نحو عشر صِيَغ أو أكثر، نتفنَّنُ بها في إبرازه، وتختلف درجة الشاعرية عندنا باختلاف الإجادة والتقصير فيها. وهي المزية التي امتازت بها لغتنا العربية عن غيرها من سائر اللغات"[130 – 131].

 

2 – أصل الشعر وأطواره عندنا وعندهم:

 

       حاول حداد أن يُقدم نظرة عن أصل الشعر وتطوره عندنا وعندهم، ودرجات ارتقائه في سلم الكمال، وتقَلُّب معانيه في الزمان؛"إذ هو مرآة الأخلاق، وتاريخ ما كانت عليه الأمم في مراقي تقدمها وحضارتها إلى الآن"[131].

       بالنسبة لأصل الشعر وتطوره عند الإفرنج، اعتمد الحداد على ما قاله الشاعر الفرنسي: فيكتور هوغو؛ الذي أخضع الشعر لثلاثة أطوار، تبعاً لتحولات المجتمعات:

       الطور الأول: طور الأولين، وكان الإنسان فيه أقرب إلى الفطرة، "بدأ الشعر معه بالطبع؛ إذ هو مفطور عليه، فكانت أشعاره الأناشيد والأغاني الروحية، طبقا لما كان يرى حوله من عجائب صنع الله وآياته، ثم هو قد كان قريب العهد بصنع الله له، فكان شعره الدعاء والابتهال، وكان لعُود النظم عنده ثلاثة أوتار لا يَرِنُّ عليها سواها، وهي:... الخليقة والنفس. كان سكان الأرض في شكل أُسَر تعيش عيشة رعاة رُحَّل، بدون مدنية، فِكْرُ المرءِ كحياته أشبه بسحابة سارية.

الطور الثاني: طور الخرافات، اتسع فيها نطاق العمران، وأضحى الناس قبائل وشعوبا في مجتمعات متحضرة، فقامت الحروب. وكان الشعر مرآةً لكل تلك الأمور يصف الحوادث ويُدون الحروب. وخرج من كل ذلك هوميروس الشاعر اليوناني المشهور، فجمع شعرُه بين التاريخ والخرافة.

 

الطور الثالث: وهو الطور الحديث الذي ظهرت فيه النصرانية، وتأسست فيه المدنية الحديثة، وعلَّمتْ الإنسانَ أن له حياتيْن: حياة فانية وحياة خالدة، وميَّزتْ بين الخالق والمخلوق، فارتقى عقل الإنسان وتحولت أخلاقه،"وانتقل الشعر عنده من دائرة الوهم إلى حدّ الحقيقة، ومن الخيال الخرافي الكاذب إلى المعنى الحسي الصحيح" [134].

       إذا كان هذا مجمل ما أتى به فيكتور هوجو، فماذا عن أطوار الشعر العربي؟

يرى الحداد أن الشعر العربي متفرِّد في نشأته وتطوره."جرى على ألسنة العرب وَحْدَهُم دون غيرهم. لم يأخذوه عن أحد متسلسلا، كما أخذ الإفرنج شعرهم عن اليونان والرومان ومن قبلهما، ولم يأخذ عنهم كما أخذ عن غيرهم، بل بقيَ منحصراً فيهم؛ تناولوه إرْثاً (...) في بداوتهم، ولم يُوَرِّثوه أحداً من غير قبائلهم، والناطقين بلسانهم"[134].

       ولم يتغيّر من الشعر العربي إلا ما تأباه رقة الحضارة، وآداب اجتماعها فيما استُحدث من حوادث. فقد جاء شعرهم من مواجدهم، صادقا بعيدا عن الاختلاق، ودعوى غير الحقيقة. ومع ارتقائهم في سلم الحضارة؛ ارتقتْ معانيهم الشعرية،"وجعل الشاعر يُزخرف معاني شعره، كما يُزخرف منزله، ويتفنن في إبراز مقاصده، كما يتفنن في طعامه ولباسه، ويرتقي بها في سلم الخيال الذي هو تلو الحقيقة، كما ارتقى في سلم الحضارة التي هي رديف البداوة والفطرة"[ 136 – 137].

       وعموما لم يتحوّل الشعر العربي عن حقيقة أصله ونسَقه ونظمه إلا هذا التحول النسبي.

 

رابعا: أوجه الاختلاف بين الشعريْن

 

       حدد الباحث الفرقَ الفاصل بين الشعر العربي والشعر الأوربي في نوعيْن: لفظي ومعنوي.

       أ – اللفظي ما تعلق بالوزن والقافية،"فإنَّ وزن الشعر يتألف من الأُهجية اللفظية، وهي نبرة صوتية تعتمد على حرف من حروف المد، سواء كان ذلك الحرف وحده أو مقترِنا بحرف صحيح، ويُسمون هذه الأُهجية في اصطلاحهم الشعر ( أقداما)، وبها تنقسم أبحر الشعر عندهم على حسب أعدادها في البيت، فيكون أطولها ما تركب من اثني عشر هِجاء، وهو ما يسمونه الوزن الإسكندري، نسبة إلى الإسكندر... ومنه أكثر قصائدهم ورواياتهم"[137].

       وكل شطر من الشعر ينتهي عند الهجاء السادس، بحيث لا تنقطع الكلمة في وسطه إلى شطريْن، بخلاف الشعر العربي الذي يجوزُ وصل الشطريْن منه بكلمة واحدة، وهو المعروف عندنا بالمدور. وهم إذ يصلون بين البيت الأول والثاني في المعنى واللفظ، يعتبر العرب هذا عيبا. ولاحظ أن إقامة الوزن في الشعر الإفرنجي على عدد الأُهجية مما يُسهل نظمه كثيرا، ويُتيح للشعر أن يُقدم أو يُؤخر في ألفاظ البيت ما شاء، ولا يختل معه الوزن، على عكس الشعر العربي الذي يعتمد وزنُه على التفاعيل من الأسباب والأوتاد، فإن تقديم الحرف الواحد أو تأخيره، قد يؤدي إلى اختلاف بجملته، أو ينتقل البيت من بحر إلى بحر.

       والقافية عندهم لا تلزم الشاعر أكثر من بيتيْن، ويُقسمون القوافي إلى مؤنثة ومذكرة، بحيث لا يتوالى بيتان على قافية مذكرة أو مؤنثة، ويريدون بالقافية المؤنثة ما كانت مختومة بحرف علة، وبالمذكرة ما كانت مختومة بحرف صحيح، فهم أبدا يعاقبون بين هذه القوافي إلى ختام القصيدة [139].

       وإقامة شعرهم على قواف متعددة أرجعه الحداد إلى ضيق لغتهم، وقلة ألفاظهم، بحيث لا تتسع لالتزام قافية واحدة في القصيدة الطويلة، على خلاف الشعر العربي الذي له من اتساع اللغة واستفاضة ألفاظها أكبر نصيب. ووجد أن الشعراء الإفرنج يُخالفون بين أبيات القصيدة في قوافيها، بأن يفرقوا بين كل بينيْن من قافية واحدة، على ما يُشبه نسق الموشحات الأندلسية عندنا، فالأذن لا تستقر على وزن معلوم [140].

 

ب – الفرق في المعنى:

       وجد الحداد شعرهم يلتزم الحقيقة التزاما شديدا، وينأى عن المبالغة والغلو والإغراب، شأن الشعر الجاهلي عندنا. وهو لا يجد فرقا بين الشعرين في بساطة المعاني وصدق التشبيه وحقائق الوصف،"على خلاف ما صار إليه شعر العرب بعد الإسلام من الإغراق والغلو والمغالاة في الوصف، إلى ما يفوت حد التصور والإدراك"[141].

       وهكذا يرى أننا شابهنا الإفرنج في شعر جاهليتنا من حيث البساطة والتزام الحقائق، وباينّاهم كثيرا في شعرنا الأخير، من عهد المتنبي إلى الآن، من حيث الإغراب في المعاني والمغالاة في الوصف، بما يُخرج الكلام عن حد الحقيقة أحيانا؛ إلاَّ أن ذلك لا يرد في شعرنا إلا من بعض الوجوه المعدودة كالغزل والمديح وأشباههما، مما يوافق الخيال، ويجري في وهم النفس، ويُقصدُ به تصوير الوجدان الخفيّ أكثر ما يُقصد به تقرير الحقيقة الراهنة. أما في مجال تقرير الوقائع وإيراد الحِكَم وتصوير الحقائق ووصف المشاهد؛ فإنهم لا يكادون يخرجون من محجة الصدق والقصد، فهم من هذا القبيل يشبهون الإفرنج[142 – 143].

       ومن الفروق المعنوية بين الشعرين، أن شعراء العرب يفتتحون أغراضهم الشعرية بمقدمات تمهيدية، وقد يستغنون عنها، أما الشعراء الإفرنج فإنهم يأتون بها اقتضابا، وفي اصطلاحهم أن لا يقدموا شيئا بين أيدي أغراضهم الشعرية.

       وإذا كان الفخر بابا خاصا في الشعر العربي، فإن الشعراء الإفرنج يعتبرونه عيبا ونقصا، فلا يستغلون التمدح في كلامهم. ولاحظ أن العرب اليوم أصبحوا اليوم ينفرون منه؛ إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة تدفع الشاعر إلى مثله في مقام النضال، والمدافعة والإحسان[143].

       ومما انفرد به الإفرنج دوننا نظمُ الروايات التمثيلية، فقد رتبوها في أسمى درجات الشعر، واستدلوا بها على براعة الشاعر وحسن اختراعه. ووجد الحداد أنهم في هذا مصيبون لأن في نظم الرواية الشعرية (التمثيلية)، من الإبداع أكثر مما في نظم الديوان في القصائد والمعلقات؛ ولأن الرواية الشعرية تستلزم روايات طويلة وقدرة فائقة في الصور والنظم والتأليف، على غير ما تقتضيه القصائد، فالشاعر المسرحي عندهم يبني حكاية، ويمثل عواطف متعددة، ويُقيم نفسه في موقف كل شخص من أشخاص الرواية يتكلم بلسانه وينطق عن شعوره، ويضع في دوره التمثيلي ما كان ينبغي أن يقوله صاحب الدور الأول. ولاحظ  الحداد أن هذا الفن انتقل في زمانه إلى العرب وبدأت محاولات في نظم الروايات الشعرية.

 

ج – تفوقُنا في وصف الشيء وتفوقهم في وصف الحالة:

       يرى أن العرب أقدر على وصف الأعيان، يقول:"إننا إذا وصفنا... أتينا في ذلك بأحسن مما يأتون به، وتوسعنا فيه توسعا لا يقدرون هم على الإتيان بمثله. وإنهم إذا وصفوا حالة من قتال رجليْن أو معركة جيشين أو مقابلة محبيْن أو غرق سفينة أو مصاب قوم، جاءوا في ذلك بأحسن مما نجئ به، وتوسعوا فيه بما لا نقدر أن نسبقهم فيه.

       فالمتنبي وصف الأسد بما لا يقدر الإفرنجي على وصفه بمثله، وهوغو وصف معركة واترلو بما لا يقدر شاعر عربي على الإتيان بنظيره، فهم بذلك أقدر على تصوير الوقائع، ونحن أقدر على تصوير الأعيان"[145].

       فالشاعر العربي له قدرة على دقة الوصف، والإحاطة بجزئيات الشيء الموصوف، والشاعر الأوربي إذا وصف حالة أو موقفا توصل إلى أعماقه، وكشف عن غوامضه وخفاياه. فشعراؤهم يتعمقون المشاعر، ويفحصونها فحصا دقيقا. وشعراء العرب يُشيرون إلى ذلك إشارة إجمال، ويتركون إلى القارئ تمام التصور والتفصيل[145].

وعن البديع اللفظي والمعنوي،

يلاحظ الحداد أن هذا مما لا وجود له عندهم، وأن شعراء العرب ينفردون عن سواهم بإيراد المعاني على أساليب كثيرة.

 

خاتمة:

 

       الخلاصة التي انتهى إليها من هذه المقارنة بين الشعريْن:"أنهم امتازوا علينا بشيء، وامتزنا عنهم بأشياء، وأننا قد جمعنا من شعرهم أحسنَه، ولم يجمعوا من شعرنا كذلك؛ وهي ولا شك مزية اللغة العربية التي اختصت بما لم تختص به لغة سواها، من غزارة مواد اللفظ ووفرة ضروب التعبير، واتساع مذاهب البيان... والله أعلم"[146].

       اعتبر د. إسحاق موسى الحسيني مقال الشيخ نجيب الحداد أقدم ما كتب في النقد في العصر الحديث، وأن له جانبا كبيرا من الأهمية في تاريخ النقد الأدبي؛ لأن كاتبه أنشأه على غير مثال، ونحا فيه نحوا غير مألوف يوم ذاك، باعتماده على الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإفرنجي، وبوصوله إلى أحكام مستنبطة من الموازنة وبريئة من العصبية (6).

       وذهب عبد الحي دياب إلى أن الحداد قدم هذه الموازنة ليقف الشاعر العربي على حقيقة الشعر الغربي ليسير على هديها، واعتبرها أول موازنة من نوعها.

       وأرى أن الحداد قد قدم هذه المحاولة الرائدة فكشف عن أوجه التشابه والتقابل بين الشعرين: العربي والغربي؛ وكأنه كان يتجاوب مع ثقافته الفرنسية، ونزوعه القومي في ترسيخ قيمنا النقدية واستنبات قيم جديدة. والمقال محاولة لمد مصالحة بين الماضي والحاضر، بين الأنا والآخر، ونلاحظ أن الحداد لا يهتم بموضوع التأثير، ولا ينبهر أمام الآخر أو يتعصب، فيتلاشى ويتبدّد. فهو ينطلق من مواقع القديم، ويُقبل على الجديد فينهل منه ما استطاع، ونظره على حقيقة الإبداع في ذاته.

       إن هذا المقال يُسهم في البحث عن القوانين التي تتحكم في الظواهر الأدبية نشأةً وتطوراً وجموداً. لقد بدأ النظر – في عصره – إلى الأدب من منظور التاريخ وعلم الاجتماع والحضارة والمعتقدات العامة والمناخ الطبيعي، وأصبحت هذه العوامل حاضرة في التفسير والتحليل، لما لها من تأثير في تكييف الأذواق، وصياغة الإبداعات وتحديد القيم الاجتماعية.

 

هوامش:

 

(1)    تُنظر ترجمته في: تاريخ آداب اللغة العربية: جرجي زيدان – د.ط [ بيروت، منشورات مكتبة الحياة، 1983]:2/587 – معجم المطبوعات العربية والمعربة: يوسف إليان سركيس – [ القاهرة، عالم الكتب، مطبعة سركيس، 1346 هـ/1928]:1/744 – معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة – ط1 [ بيروت، مؤسسة الرسالة،1993]:4/15

(2)            رواد النهضة الحديثة: مارون عبود – د.ت [ بيروت، دار الثقافة، 1977]،ص190 – 191

(3)    مختارات المنفلوطي: مصطفى لطفي المنفلوطي – ط2 [ القاهرة، مطبعة الاستقامة، 1316 هـ /1937م]، ص126 – ومن آثاره: غرام وانتقام ( أصلها مسرحية السِّيد لكورني الفرنسي) – مسرحية حمدان ( عرَّبها عن هرناني لفيكتور هوغو) – البخيل لموليير – الفرسان الثلاثة لاسكندر دوماس – شهداء الغرام ( عرَّبها عن روميو وجولييت لشكسير...( ينظر: تاريخ آداب اللغة العربية: جرجي زيدان:2/587

(4)            رواد النهضة الحديثة، مرجع مذكور، ص191

(5)    الأرقام الواردة بين معقوفين تشير إلى أرقام صفحات: مختارات المنفلوطي، المصدر المذكور أعلاه.

(6)    النقد الأدبي المعاصر في الربع الأول من القرن العشرين: د. إسحاق موسى الحسيني – ط1 [ القاهرة، معهد البحوث ولدراسات الأدبية واللغوية]، ص15 - 16

(7)    التراث النقدي قبل مدرسة الجيل الجديد: عبد الحي دياب – ط1 [ القاهرة، دار الكتاب العري للطباعة والنشر، 1968]، ص85 و 89

 

 

 

 [ ملاحظة: مقالة نشرت بمجلة علامات في النقد ( المملكة العربية السعودية)، ج34، مج9، شعبان 1420هـ/ديسمبر 1999م،ص210 – 222].

       

       

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home