موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
انحراف البلاغة العربية عن وظيفتها في الوجود

عباس أرحيلة
 

       تمهيد:

 

القرآن خُتمت به سلسلة الوحي، ووضعتْ به نقطة النهاية للتجربة الإنسانية على الأرض. تنزيل من رب العالمين للناس أجمعين.

وحي هو كلام رب العالمين ـ الخطاب فيه موجه لهداية الناس أجمعين ـ والقرار فيه ألا تنضبط حركة الوجود البشري على الأرض بغيره ـ خطاب توسّل في تبليغ الهدي الإلهي للخلق عامة بلغة العرب ـ وجعل الله هذا الخطاب محروساً بمعجزة بيانية تتميز بالبقاء والتجدد والاستمرار إلى نهاية الدنيا. وهذا يقتضي أن تكون العربية لسان الناس عامة إلى نهاية التجربة البشرية على الأرض.

ولبيان كلام الله هذا؛ جاء البيان النبوي، وحولهما دار كلام الناس منذ بداية نزول الوحي إلى يومنا هذا. وبالرغم من الجهود التي بذلت في كل ما يتعلق بالقرآن قديما وحديثا من لدن الباحثين من المسلمين وغيرهم؛ فإن البشرية في عمومها عاشت في غفلة عن كتاب الله، واتخذته وراءها ظهريا، حين لم تترجم توجيهاته إلى سلوك يُوجه مسار البشرية في رحلتها الختامية.

       وتأتي اليوم هذه الندوة المباركة، «ندوة الخطاب الديني»، في أجواء تجعل من الإسلام فزاعة الإرهاب الديني تارة، وتجعله محاوراً لبقية الأديان تارة أخرى،كما تأتي  استجابة لاهتمامات كلية اللغة العربية بمراكش، ضمن وحدات البحث في بلاغة الخطاب في الدراسات البلاغية والنقدية قديمها وحديثا.

ومن المقرر أن القرآن معجز بطريقته في الأداء البياني لمراد الله تعالى، كان ذلك هو المنطلق في التحدي، والإجماع في ربط إعجاز القرآن بطريقته في الأداء. وأُنيط بالبلاغة العربية مهمة الكشف عن مكمن الإعجاز في ذلك الخطاب. وما تغافلت عنه الإنسانية أن طرق التعبير في الخطاب القرآني هي وسائل عبور من أقوال إلى أفعال، وما تناساه المخاطَبون بالقرآن؛ أنهم ملزمون بتطبيق ما ورد فيه، ومسؤولون ومحاسَبون عن أفعل ولا تفعل فيه.

       هل وظيفة البحث في بلاغة القرآن الكشف عن جمال الأداء فيه؟  أم ترجمة ما تستشعره البشرية من خلال جمال الأداء إلى فعل، وتحويله إلى موقف؛ تبعاً لمراد الله فيه؟ وهل أدت البلاغة العربية مُهمتها في الوجود؟

 

أولا: العلم في الإسلام ما استعملك:

 

 أي أن القول فيه يؤدي إلى العمل. وأُذَكِّرُ هنا بمُنطلقيْن جوهرييْن في القرآن:

-            قيام حركة الوجود على العمل: ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ [ التوبة:105] - ﴿وأنْ ليْسَ للإنسانِ إلاَّ ما سَعى﴾ [ النجم:39].

-            ارتباط الإيمان بالعمل:﴿ إن الذين آمنوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانتْ لهَمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [ الكهف:107].

-             ويُستنبط من هذين المنطلقين حقائق منها:

  (1) اقتضاء العلم العمل ضرورة وجود في التجربة الإنسانية على الأرض، أي موافقة العلم للعمل وقيام التلازم بينهما، فالعلم خادم العمل والعمل غاية العلم (1).

         (2) العلم موقوف على العمل في الإسلام:

        ما تقرر لدى أهل الإسلام عامة أن الإيمان قول وعمل. والشرف في العلم العمل به. والعلم النافع ما كان باعثا على العمل. وحامل العلم بدون عمل مَثَلُه ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا ﴾ (2)، ويكفي هذا في ذم العالم الذي لا يعمل بعلمه. وفي حديث معاذ بن جبل: العلم إمام العمل والعمل تابعه. في كتاب الإيمان للبخاري في باب من قال إن الإيمان هو العمل؛ لقول الله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الأعراف:43]. وسئل البخاري عن الإيمان فقال: قول وعمل.

وقول الغزالي في « أيها الولد»: « العلم بلا عمل جنون والعمل بلا علم لا يكون»(3). لماذا؟ لأنه لولا العمل بالعلم ما كان للعلم معنى.

      (3) السنة النبوية نظر وتطبيق:

السنة وحي تم بيانه نظريا وتطبيقيا من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليتأَسَّى به الخلق في معترك الحياة. وأطلق على السنة حكمة لأن القول فيها لا ينفك عن العمل، وإدراك المقاصد فيها لا يتحقق إلا حين تترجم الأقوال إلى أفعال وتكاليف. والحكيم في الاستعمال العربي من جمع بين العلم والعمل. جاء في تعريفات الجرجاني: الحكمة في اللغة العلم مع العمل(4). والحكمة هي العلم بالأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي(5).
           ثانيا: انحراف البلاغة العربية:

(1) من أسباب انحراف البلاغة العربية:

 (أ)خروج العربية من معترك الاستعمال اليومي إلى مجال اللهجات منذ نهاية القرن الهجري الثالث، وانحصار العربية في مجالي التدريس والتأليف.

(ب) دخول العربية إلى ميادين التصنيع والتصنع النظري والتطبيقي، وغياب الكيفيات التي تستعيد بها عنفوانها في معترك الحياة، والعمل على نشرها بين شعوب الأرض، وتطوير مناهج تقريبها من العقول والأفهام على امتداد التاريخ، وتعليمها  لغير الناطقين بها. أما اليوم فالأمية تكتسح العالم العربي، والإذاعات والقنوات تجعل اللهجات تستأسد في ديار بني يعرب، والعربية يسحب منها البساط في كثير من المواطن.

(ج) انشغال العقول بالأقوال ووجوهها وتأويلاتها واصطناع خلافات حولها، وتشغيل المنطق الصوري في تفتيتها إلى جزئيات أدخل العقول في تيه الضلالات، وفشلت تلك العقول في تحويل تلك الأقوال إلى أفعال في حركة الوجود.

 (2) الوقوف عند الأقوال والأشكال:

      (أ) في معترك انشغالات العقول بالبلاغة والإعجاز، صارت البلاغة بحثا عن جماليات في الأقوال مجردة عن الأفعال، بحثا في الأخيلة والصور، وفي الأبنية وهندسة العبارات؛ وكأن البلاغة بحث في جمال الصور والأشباح، وأشكال الأساليب والخطابات.

     (ب) وحصرت كتب البلاغة وظيفتها في تقريب الإعجاز على مستوى التصورات وما تستدعيه من شواهد دون الأفعال والحركات.

(ج) إقحام المباحث اللغوية والفلسفية والمنطقية والوقوف عند الجمل بدل النظر في مجمل النصوص.وتمّ إغراق البلاغة في كثير من التقسيمات، وتمّ دفنها في كثير من المفاهيم والمصطلحات، ومحاصرتهافي شواهد محدودة ( كما حدث في إحصاء البديع عند المتأخرين: مائة وأربعون نوعا عند صفي الدين الحلي وابن الحجة الحموي، والبديعيات بشروحها وحواشيها).

 (د) بتر الصلة بين بلاغة العبارة ومفعولها في نفس المخاطب بها؛ مفعولا يتحوّل إلى فعل متحرك بما ينسجم مع حركة الوجود.

(هـ) وفي العصر الحديث: دخلت مرحلة الإحياء، وتمّ التأسيس في ضوء التحولات التي عرفها الفكر الغربي الحديث، وظهر ادعاء نشوئها من رحم الثقافة اليونانية، ثم جاءت الانشغالات بقضايا النقد الحديث وباللسانيات ومناهج تحليل الخطاب، وبدأ الحديث عن البلاغة الحديثة.

               ثالثا: لحظة الانحراف:

لعل أخطر انحراف عرفته البلاغة العربية كان حين حصرت اهتمامها في صياغة الأقوال وتَشَكُّلاتها، ولم تَتَأتّ ترجمة تلك الأقوال إلى أفعال في واقع الحياة. وأرى أن لحظة ذلك الانحراف بدأت مع السؤال عن ماهية البلاغة في أواسط القرن الثاني للهجرة. فقد تجرَّأ حفص بن سالم (6)، وهو شاب من أهل الاعتزال، على عمرو بن عبيد( 144هـ) (7)، وهو من كبار الزهاد فسأله:

« ما البلاغة ؟

قال: ما بلغ بك الجنة، وعدَل بك عن النار، وما بصَّرَك مواقع رُشدك وعواقِب غيِّك.

قال السائل: ليس هذا أريد.

من لم يُحسن أن يسكُت لم يُحسن أن يستمع، ومن لم يُحسن الاستماع لم يُحسن القول.

قال: ليس هذا أريد.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّا معشرَ الأنبياءُ بِكاء» أي قليلو الكلام (...).

 قال السائل: ليس هذا أريد.

قال: كانوا يخافون من فتنة القول، ومن سقطات الكلام، ما لا يخافون من فتنة السكوت، ومن سقطات الصمت.

قال السائل: ليس هذا أريد.

قال عمرو: فكأنك إنما تريد تَخَيُّرَ (تحبير) اللفظ في حُسن الإفهام،

قال: نعم.

قال: إنك إن أُوتيتَ تقريرَ حجة الله في عقول المكلَّفين، وتخفيفَ المؤونة على المستمعين وتزيينَ تلك المعاني في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسَنة في الآذان، المقبولةِ عند الأذهان؛ رغبةً في سرعة استجابتهم، ونفيِ الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة، على الكتاب والسنة؛ كنتَ قد أوتيتَ فصلَ الخطاب واستوجبتَ على الله جزيل الثواب» (8).

 

      ويلاحظ ما يأتي:

      (1) أن البلاغة ما بلغ بك الجنة أي ما كشف لك ما به تعرف حدود الله تعالى فتلتزم بالمنهج، وتتجنب الغي والفساد. فالبلاغة تمثُّلٌ لقول الله عز وجل وامتثال له، وترجمته إلى فعل. فلا ينبغي أن يأخذنا الإعجاب بالأقوال، وننصرف إلى التأمل في الأبنية والصِيَغ والتراكيب والتصوير؛ وننسى مقاصد الخطاب في علاقتها بالأفعال. ويلاحظ أن السائل لا يُريد ما يبلغه الجنة، وإنما يبحث عن جنة له في الكلام، وهذا ما كان ديدن الكثير من أهل البلاغة في تاريخ ثقافة أهل الإسلام، وازداد هذا الديدن في العصور الحديثة نتيجة تقليد ما استُحدث عند الغربيين من طرق تحليل الخطاب.

    (2) البلاغة حسن الاستماع إلى ما به يتحقق الالتزام بالمنهج. وهو الاستماع الذي به تكون النجاة من السعير﴿ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾[الملك:10]. فالمسلم يستمع إلى قول الحق، وحين ينشغل بترجمته لذلك القول إلى سلوك، لا يجد وقتا كثيرا لما يُمكن أن يقوله هو، ولا ينبغي أن يُخامره إعجابٌ بما يقول إذا كان قوله يبعد عما هو مأمور بفعله. فالخوف من « فتنة القول، ومن سقطات الكلام». وفي تاريخنا الثقافي فُتِن أكثر الناس بفتنة القول، وازدادت الفتنة اليوم حين تشكل القول في أشكال من الفتنة، زادت الأمة ضياعا. وأول ما بدأ به الجاحظ البيان والتبيين قوله: « اللهم إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلّف لما لا نُحسن، كما نعوذ بك من العُجْب بما نُحسن».

     (3) البلاغة تخير (تحبير) اللفظ في حسن الإفهام، جعل البلاغة تسعى إلى أن يفهم السامع أو القارئ ما يُلقى إليه، وأن يتخير صاحب القول الأسلوب المناسب، ويتأنق في اختياره. كان الجواب بنعم. ومعنى ذلك أن يُراعى في القول جمال العبارة وتيسير الفهم. ولكن لا معنى أن يتخيَّر صاحب القول قوله، ويتحرى حُسْنَ إفهام متلقيه؛ إذا كان قوله لا يهدف إلى تقرير حجة الله تعالى في عقول المكلفين، « ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة، على الكتاب والسنة». ففن القول ينبغي أن يتجه إلى تقرير حجة الله، وجماليته لا تتحقق إلا إذا زيَّنتْ معاني تلك الحجة في قلوب المريدين. وعلى هذا النهج يُؤتَى ﴿فصل الخطاب ، ويستوجب العبد جزيل الثواب عند الله تعالى. وأي معنى لكلام لا صلة له بسلوك صاحبه. ألم يقل الحسن البصري (110هـ) عن عمرو بن عبيد، « لقد سألتني عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربَّتْه»(9).

 

      ومن مظاهر انحراف البلاغة:

      أولا: تغييب الغاية الوظيفية للأدب التي هي الدعوة إلى المحامد والنهي عن المقابح، وربطه بفنون الشعر والنثر، وأضحى لفظ الأدب مقصوراً على فني الشعر والنثر، مرادفا للبيان مع الجاحظ. وتنوسيَ ارتباط اللفظ بالسلوك في أصله اللغوي، وأن البعير – في لسان العرب – هو الأديب المُؤَدَّب إذا رِيضَ وذُلِّل (10)!

 وفيه أن الأدب « سٌمِّيَ أدباً لأنه يأدِب الناسَ إلى المحامد، وينهاهم عن المقابح، وأصل الأدب الدعاء».

وخرج لفظ التأديب من مجال السلوك إلى ما يتأدب به الأديب، وإلى « الظرف وحسن التناول»، فأصبح لدينا مادة أدُب بالضم، وأصبح الأدب كلاما.

     ثانيا: أصبحت البلاغة تُعنى بتخير اللفظ وحسن الإفهام. وانتهى البيانيون عامة وأهل الإعجاز إلى نظرية النظم التي أوضحها عبد القاهر الجرجاني (471هـ)، وعمل على تطبيقها الزمخشري في « كشافه».

     ثالثا: أصبح مفهوم البيان لا يخرج عن إيضاح فن القول وظهوره، من بان الشيء إذا اتضح فهو بيِّنٌ، والتبيين: الإيضاح والوضوح! فارتبط البيان بالفصاحة واللَّسَن، وأضحى هو « الإفصاح مع ذكاء»! وسارت بهذا المعنى الركبان. وتنوسيَ أن أصل البيان هو الهداية! ففي لسان العرب الذي يُستشهد به عادة في مادة ( بين)، نجد:« يُقال، بان الحق يَبينُ بياناً فهو بائن. وأبان يُبين إبانة فهو مبين بمعناه. ومنه قوله تعالى ﴿ حم والكتاب المبين... وقيل معنى المبين: الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة. وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج، قال: «فمعنى مبين أنه مُبيِّنٌ خيْرَه وبركته، أو مُبيِّنُ الحق من الباطل والحلال من الحرام، ومُبيِّنٌ أن نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حق، ومُبينٌ قصص الأنبياء» (11). فخُص الإنسان بالبيان لقابليته للهداية، فالآيات البينات في كتاب الله تعالى ترتبط بهداية الخلق، فعيسى عليه السلام آتاه الله البينات:﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس [البقرة:87]. وموسى جاء بالبينات: ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون [البقرة: 93]، وأنزل على محمد بن عبد الله آيات بينات: ﴿ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون [ البقرة:99].

     وأمرنا أن نتبيَّن بمعنى أن نتثبت في الأمر وأن نتأنَّى فيه. وهكذا بقي متداولا من معاني البيان ما يتعلق بالوضوح.

وإذا كان لفظ البيان قد ورد عند الجاحظ مرادفا للأدب، فقد لاحظ أحد الباحثين أن الجاحظ جعل الأدب أقرب إلى علم الأخلاق وعلم التربية، حين قال في « رسالته في المعاش والمعاد»: « فرأيتُ أن أجمع لك كتابا من الأدب جامعا لعلم كثير من المعاد والمعاش، أصف لك فيه الأشياء وأخبرُك بأسبابها»(12).
 
          خاتمة:
 

وأرى أن البلاغة العربية قد انحرفتْ عن مسارها في الوجود حين ابتعدت عن وظيفتها الجوهرية في الحياة؛ وهي أن تتعمق أسرار كلام رب العالمين؛ ليتحوّل من دلائل إعجاز وأسرار بلاغية مُطلعة على أعجاز القرآن، ومن جماليات وتأثيرات وخطابات ومقولات وأسلوبيات وتحليلات...، إلى أفعال لا تستقيم حركة الوجود بغيرها. البلاغة أن نكون شهداء على الناس بحركتنا في الوجود من خلال كلام رب العالمين. البلاغة علم يقتضي العمل، وليس قولا. إننا ندّعي أننا نفهم ما نقرأ ونتأثر به، وننفعل به، وندّعي أننا نُحلّلُه ونكتشف جمالياته، ثم يظل كل ذلك أقولا تتراكم في الكتب على السنين. ونظل على مدى القرون نقول ولا نفعل. والبلاغة إذا كانت علما؛ فالعلم يقتضي العمل؛ فالبلاغة قول وعمل. وما العمل؟ وكيف يكون؟ هذا ما ضاع من عقول أهل البلاغة، ولم تُعْرَفْ له مناهج ولا أسلوبيات...؛ لأننا تتبعنا الأقوال وأضعنا الأعمال.

 

[ملاحظة: كلمة ألقيت في ندوة « البلاغة والنص الديني» بكلية اللغة العربية بمراكش خلال يومي: 21 – 22 نوفمبر 2008م].

 

   هوامش:

 

(1) اقتضاء العلم العمل، عنوان لكتاب الخطيب البغدادي (463هـ ) أتى فيه بكل الأحاديث والمأثورات التي تقرر حقيقة تلازم القول والفعل، العلم والعمل في التراث الإسلامي.

(2)﴿مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [ الجمعة: 5 ].

(3) أيها الولد: الغزالي ( محمد بن محمد 505هـ)، تحقيق: علي محيي الدين علي القرهَ داغي – ط1[  القاهرة، دار الاعتصام، 1985]، ص108

(4)كتاب التعريفات: الجرجاني ( علي بن محمد816هـ)، تحقيق: إبراهيم الأبياري– ط2 [ بيروت، دار الكتاب العربي، 1992]، ص123

(5) تفسير البيضاوي (685هـ): 4/346قال الراغب الأصبهاني ( القاسم بن محمد 502هـ):«العبادة ضربان: علم وعمل، وحقهما أن يتلازما؛ لأن العلم كالأُسِّ والعملَ كالبناء، وكما لن يُغنيَ أُسّ ما لم يكن بناء، ولا يَثبُتُ بناءٌ ما لم يكن أُسٌّ، كذلك لا يُغني علمٌ بغير عمل ولا عملَ بغير علم »: تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، تحقيق: د. عبد المجيد النجار – ط1 [ بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988م]، ص159

(6) حفص بن سالم، وهو الذي بعثه واصل بن عطاء إلى خراسان وناظر بها جهما فقطعه وأجابه خلق كثير، ووضعه ابن المرتضى في الطبقة الخامسة: طبقات المعتزلة: ابن المرتضى ( أحمد بن يحيى 840هـ) تحقيق: سوسنّه ديفلد – فلزر – ط1 [ بيروت، دار مكتبة الحياة، 1960]ص42

(7)عمرو بن عبيد، أبو عثمان، شيخ المعتزلة في عصره، وقيل إنه اعتزل مجلس الحسن البصري فكان أول المعتزلة، وهو من أصحاب واصل بن عطاء، وأحد الزهاد المشهورين، قال عنه المنصور العباسي: « كلكم طالب صيد، غير عمرو بن عبيد»، جعله ابن المرتضى في الطبقة الرابعة، توفي سنة 144هـ: طبقات ابن المرتضى، ص35 – 36 - تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة علم الكلام عند المسلمين: علي مصطفى الغرابي – ط2[ القاهرة، مكتبة الأنجلو، 1985م]،  ص104 - 127

(8)البيان والتبيين الجاحظ ( عمرو بن بحر 255هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون ط 4[ بيروت، دار الفكر، د.ت]:1/114 – 115 – عيون الأخبار: ابن قتيبة ( محمد بن مسلم276هـ)، تحقيق: د. محمد الإسكندراني – ط1 [ بيروت، دار الكتاب العربي،1994م]:2/567 – 568  العقد الفريد: ابن عبد ربه، تحقيق: أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الأبياري – ط1 [ بيروت، دار الكتاب العربي،1956م]:2/260 – زَهر الآداب وثمر الألباب: الحصري ( إبراهيم بن علي 453هـ)، تحقيق: د. زكي مبارك، وزاد في تفصيله محمد محيي الدين عبد الحميد – ط 4[ بيروت، دار الجيل،د.ت]:1/143 ( وفي غير البيان والتبين: ما بَلَّغك الجنة - تحبير: في زهر ألآداب).

(9) تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة علم الكلام عند المسلمين: علي مصطفى الغرابي، ص106

(10) ففي لسان العرب لابن منظور (711هـ): «البعير إذا ريض وذلل أديبٌ مؤدبٌ، قال مزاحم العُقيلي:

                   وهُنَّ يُصَرِّفْنَ النَّوى بين عالِجٍ     ونجرانَ تصريفَ الأديبِ المُذلَّلِ»- ط3[ بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1999].

(11) المصدر السابق[ مادة: بين].

(12) علم البيان، أعلام درسه ومدارسهم وقضاياه ووجوهه: د. أحمد أحمد فشل- مطبوعات جامعة الإسكندرية، كلية الآداب،1991، ص39 (ورجح فشل أن يكون الجاحظ اختار لكتابه البيان وفَضَّلَه على الأدب الذي يعني ألوان السلوك وفنون القول معاً، ص40).

 

 

(1) تعليقات
آخر الإصدارات

د.عباس أرحيلة
حمّلها rhilaabas يوم الاحد, 18 ذو القعدة 29, 1:19 ص (توقيت القدس)
نظرات في مشروع الدكتور طه عبد الرحمن
كتاب جديد للدكتور عباس ارحيلة


      ضمن منشورات مقاربات وفي اطار سلسلة هدية عدد خريف 2008 صدر للاستاذ الدكتور عباس ارحيلة كتاب حول اعمال الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن بعنوان :"نظرات في مشروع الدكتور طه عبد الرحمن" يقول المؤلف عن الذي أهداه الى الدكتور طه عبد الرحمن:"
     ومجمل ما يهدف إليه د. طه أن يُذكر الناس "بما ينفَعُ الناس" وبما يمكث في الأرض، أن تكون الوسائل المعتمدة في الحضارة الإنسانية ناجعة، وأن تكون المقاصد نافعة، وأن تكون الوسائل والمقاصد خادمة لوحدة مظاهر الإنسان) .
     فعمق فلسفة هذا الرجل إنسانية في جوهرها، همه الأول والأخير أن يُخرج الإنسان المعاصر من غفلته ومن ضياعه ومن عبثية وجوده، ومن ما سمي بتراجيديا العصر، وأن يُنقد المتفلسف العربي من أخطار التقليد حين يتلاشى في "الإمَّعيةّ"، ويُصبح من الموتى مع وقف التنفيذ.
     وإذا كان الدكتور طه عبد الرحمن قد طار من أول يوم في غير سربه، وأن صوته قد بُح داخل وطنه، فإن هذا الصوت قد بلغ اليوم تخوم العالم الإسلامي، وأصبحت الآذان تُصغي إليه، والعيون تتبع كتاباته. وهاهم غالبية أساتذة الجامعة اليوم يُقبلون عليه ويُقدرون أعماله حق قدرها. وليس من المبالغة في شيء أن يُقال إننا أمام أكبر عبقرية مغربية في مجال الفلسفة في الربع الأخير من القرن العشرين وفي مطالع القرن الواحد والعشرين. وبفضل أمثال د. طه يستطيع المغرب حقا أن يُشارك في النهوض بالأمة العربية، وأن بُعرف في المحافل الدولية".

و من اهم محاور الكتاب:
   موقف د. طه من التبعية والتقليد
    مشروع د. طه : أو حق الاختلاف في التفلسف أو كيف نخرج من نفق التبعية والتقليد؟
     مظاهر التجديد في مشروعه
     لماذا المواجهة وحق الاختلاف ؟
     مشروع جريء إلى أبعد الحدود
     بأي شيء يختلف د. طه عن غيره من أهل الفكر؟
      ما هي قيمة هذا المشروع ؟
      لماذا تغافل أهل التفلسف عن هذا المشروع ؟

     والدكتورعباس أرحيلة جامعي وكاتب مغربي درس في جامعات مغربية وعربية عدة صدرت له اعمال منها:

(1) البحوث الإعجازية والنقد الأدبي (مطبعة وليلي، مراكش، 1997 ).
(2) الأثر الأرسطي في البلاغة والنقد إلى حدود القرن الهجري الثامن (منشورات كليةالآداب والعلوم الإنسانية، الرباط ، 1999م).
(3) مسألة التأثير الأرسطي لدى مؤرخي النقد والبلاغة العربيين ( الوراقة الوطنية، مراكش، 1999م).
(4) مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ( الوراقة الوطنية مراكش، 2003 م).
(5) الكتاب وصناعة التأليف عند الجاحظ ( الوراقة الوطنية، مراكش، 2004م).
(6) أمجد الطرابلسي ( 1916 – 2001م): ذكرى علم مر من هنا – من منشورات المجلس العلمي بمدينة مراكش - ( الوراقة الوطنية، مراكش، 2005م).
(7) رسالة التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم لأبي أحمد العسكري(382هـ): تحقيق ودراسة، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الكويت، رقم 27، رقم الرسالة 251، سبتمبر 2006م
للاشارة فان الكتاب صدر ضمن منشورات مجلة مقاربات وهي مجلة محكمة متخصصة في العلوم الانسانية يديرها ويرأس تحريرها الكاتب والباحث المغربي الدكتور جمال بوطيب.

                                                            سكرتارية المجلة

(0) تعليقات
مدينة الجديدة والاستعمار البرتغالي (907-1182هـ/1502-1769م)

 عباس أرحيلة

 

المبحث الأول: احتلال «البريجة» وتحصينها

 

      تمهيد:

 

        يرتبط تاريخ مدينة الجديدة، عاصمة دكالة اليوم، بالاستعمار البرتغالي أثناء استيلائه على الشواطئ المغربية شمالها وجنوبها، في بداية القرن السادس عشر الميلادي. ونظراً لموقعها الاستراتيجي في الطريق التجارية البحرية نحو الهند والشرق الأوسط، بحيث تكون نهاية إحدى طرق التبر، ولموقعها من منطقة دكالة بمكوناتها الاقتصادية؛ تمّ اتخاذُها مرفأ يتحمل السفن الكبيرة، ويُموّن الأسطول البرتغالي، وتنتقل منه الحبوب والمواشي والشمع والجلود والأنسجة الصوفية...

        وظل للبرتغال ارتباطٌ روحيّ بهذه المدينة؛ إذ نسجوا الأساطير حول اكتشافها، ونقلوا معالم الهندسة البرتغالية إليها، وبالغوا في تحصينها، وتفانوْا في الحفاظ عليها، واختاروا الموت بدل الخروج منها، وتركوا الثغور المغربية كلها وتشبثوا بها.

ويوم تمّ إجلاء البرتغاليين عنها؛ لم يَحْلُ لأهلها المُقام في أرض سواها، فنزلوا ناحية من لشبونة مدة قصيرة؛ ثم رحلوا إلى البرازيل فأقاموا « مازغان» جديدة بكل تجلياتها المعمارية التي كانت لها في بلاد المغرب، وظلت أرواحهم تهيم عبر المحيط لتعانق «مازغان» القديمة هناك، كما بنوا في المكسيك مدينة تحمل اسم « زامورة ZAMORA)؛ إذ لم يستطيعوا نسيان آزمور.

وبالرغم من أن شعار الدول المتعاقبة على المغرب من مرينيين ووطاسيين وسعديين وعلويين، كان هو تحرير الشواطئ المغربية، والدفاع عن الوطن، وإعلان كلمة الله في هذه المنطقة من العالم الإسلامي.

وبالرغم من أن ألوان الجهاد الشعبي ضد الاحتلال البرتغالي منذ العهد الوطاسي.

        وبالرغم من اندحار البرتغال في معركة «وادي المخازن» سنة 986هـ/1578م، وانهيار الاقتصاد البرتغالي، وتراجعه أمام المدّ الإسباني ( ضُمَّتْ الممتلكات البرتغالية إلى التاج الإسباني سنة 1580م).

        وبالرغم من سيطرة الأمبراطورية السعدية على المواصلات البرية والبحرية، ووجود أسطول مغربي ضخم لحماية الشواطئ المغربية. وبالرغم من أن السعديين أفرغوا الاحتلال البرتغالي من كل محتوياته وأهدافه.

        وبالرغم من جهود المولى إسماعيل (1727 – 1627م) في تحرير الثغور، واسترجاع ما كان واقعا تحت النفوذ البرتغالي.

        بالرغم من كل ذلك... بقيت مدينة « مازغان»برتغالية، تواجه حملات المجاهدين مرات: ظلت برتغالية من سنة 1502 إلى سنة 1769م أي نحو 267 سنة. ( مدة احتلال آسفي 30 سنة، وأزمور 28 سنة)، إلى أن كان الجلاء والتحرير على يد محمد بن عبد الله العلوي سنة 1182هـ/1769م.

 

أولا: الظروف العامة لاستيلاء البرتغال على موقع «مازغان»:

 

        1  – تطلع العثمانيين للسيطرة على المغرب:

 

 أصبحت الإمبراطورية العثمانية ترابط على الحدود الشرقية للمغرب، بعد أن اكتسحت شمال إفريقيا:

        أ – مصر:

استطاع السلطان العثماني سليم الأول (1512 – 1520م)، سنة 1517م أن يضع حدا للماليك من مصر، بعد أن حكموا أكثر من ثلاثة قرون، فأصبحت مصر خاضعة للسيادة العثمانية.

        ب – تونس:

كان القضاء على الأسرة الحفصية بتونس سنة 981هـ/1573م، وألحق القطر التونسي بالولايات العثمانية.

        ج – الجزائر:

 وفي سنة 1518م، أعلن خير الدين باربروس ( اللحية الشقراء)، التبعية للسلطان العثماني.

        وهكذا بدأت أنظار الإمبراطورية العثمانية، بعد استيلائها على شمال إفريقيا تتطلع إلى السيطرة على المغرب.

 

        2 – تراجع المدّ الإسلامي بالأندلس:

 

        كان سقوط غرناطة سنة 897هـ/1492م، تاريخ اكتشاف أمريكا، وكانت هجرة الأندلسيين إلى المغرب، وكان ظهور الإمبراطوريتين: الإسبانية والبرتغالية على الساحة الدولية.

 

        3 – الاستعمار البرتغالي يكتسح الشواطئ المغربية:

        نصت اتفاقية 1479م بين إسبانيا والبرتغال على أن تحتكر البرتغال الساحل الإفريقي الغربي بما فيه مملكة فاس. وبعد اكتشاف البرتغال للطريق الجديد المؤدي إلى الشرق ( رأس الرجاء الصالح، رحلة دي جاما 1497 – 1498م)؛ أراد الاستعمار البرتغالي أن يجعل من المغرب مجالا اقتصاديا؛ بحيث حاول أن يحتكر تجارة المغرب دون باقي الدول الأوربية، وأن يُكيّف اقتصاد المغرب مع الرغبات البرتغالية. من هنا استولى البرتغاليون على أهم موانئ المغرب وتطلعوا إلى خارج الموانئ، وخاصة موانئ الجنوب.

 

        4 – تَمَزُّقُ الوحدة السياسية بالمغرب؛

 أصبحت السلطة بالمغرب عاجزة عن توحيد البلاد: الوطاسيون والسعديون في الجنوب، والبرتغاليون بالثغور، بنو هنتانة بمراكش، وبقايا من بني مرين في دبدو، وأبو الحسن المنظري بتطوان، وشيفشاون بيد بني راشد... ثم شاعت الرباطات والزوايا.

        في هذه الظروف كان نزول البرتغاليين بالموقع الذي يُعرف اليوم بمدينة الجديدة.

 

        ثانيا: اسم المدينة في القديم:

 

«برج الشيخ» هو الاسم الذي كان يطلق على الموقع الحالي لمدينة الجديدة، وهو برج مغربي قديم؛ لعلم كان ملجأ أحد المتصوفة خارج مدينة « تيط» القديمة ( ما يزال بعض آثارها قرب ضريح مولاي عبد الله أمغار). ولعل حجم برج الشيخ جعل الناس يدعونه باسم « البريجة».

 وكما كان يعرف المكان بالبريجة، أصبح مع الوجود البرتغالي يحمل اسم « مازيغن» أو « مازغان»، فقد أشار الإدريسي ( أبو عبد الله المعروف بالشريف  527 هـ – 1165م) في كتابه « نزهة المشتاق » إلى ميناء مازغان، كما أشار ابن عذاري المراكشي ( أبو عبد الله محمد 653هـ/1296م) إلى مرسى مازغان[i]، ولم يذكر الحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الإفريقي (نحو 951هـ - 1550م) المكان الذي يعرف بالبريجة، بالرغم من أنه تحدث عن دكالة وعن مدنها وعادات أهلها، كما أنه عاصر استيلاء البرتغاليين على بعض الثغور المغربية. تحدث عن مدينة تيط التي تبعد عن البريجة باثني عشر كيلومترا، وذكر أن الأفارقة قد بنوها على شاطئ المحيط، وأن أهلها « يرتدون لباساً لائقاً بسبب تجارتهم وعلاقتهم بالبرتغاليين. ولما احتل البرتغاليون « أزمور» خضعت« تيط» إلى ملك البرتغال باتفاق مع قائده، وأدت له بعض الإتاوات، وفي عهد شبابي جاء ملك فاس بنفسه إلى « تيط» ليُنجد سكان دكالة»[ii].

والحسن الوزان (ليون الإفريقي) أنهى كتابه في «وصف إفريقيا» بروما عام 933هـ/1526م، أما مارمول كَرْبَخال في كتابه« إفريقيا»،(والذي ألفه على الأصح بعد سنة 979هـ/1571م، ونسج فيه على منوال الوزان)؛ قال:« كان يوجد بُرْجٌ عتيق لميناء المدينة قديم...»[iii].

وظل الموقع يحمل اسم « البريجة» و« مازيغن» أو «مازغان»، فلما فتحها محمد بن عبد الله العلوي، كما سنرى، تمّ هدمُها فسميت «المهدومة»، ولما أُعيد بناؤُها أُطلق عليها اسم « الجديدة».

قيل إن المكان أطلق عليه الرومان اسم : يوريبيس – تم أطلق عليه بُرْج الشيخ ـــ فالبريجة ـــ مازغان ( مع الاحتلال البرتغالي) ـــ المهدومة ( بعد فتحها وطرد البرتغاليين منها) ــــ الجديدة ( بعد إعادة بنائها سنة 1832م، زمن عبد الرحمن بن هشام) ـــ بعد فرض الحماية عام 1912 أعاد إليها الفرنسيون اسم مازغان – وبعد الاستقلال 1956م عاد لها اسم الجديدة.

 

        ثالثا: مراحل احتلال البريجة:

 

       المرحلة الأولى:907هـ/1502م:

تقول رواية احتلال الموقع أن الملك البرتغالي مانويل (1496 – 1521م) بعث أسطولا إلى لشبونة في اتجاه المضيق سنة 1502م يرأسه كل من جورج دي ميلو، وجورج دي أغوير؛ لمهاجمة مدينة تارغا على بعد 64 كيلومترا شرق تطوان. وأثناء عودة الأسطول منهزما يحمل الموتى والجرحى، ساقت عاصفة هوجاء سفينة جورج دي ميلو ( Jorge de Mello) إلى ساحل المكان الذي كان يُعرف بـ«برج الشيخ»، فيما بين «أزمور» و «تيط»؛ فأرسى البرتغاليون على الشاطئ، ونزلت طائفة منهم إلى البر، فأعجبهم المكان، وعزموا على المُقام فيه. وقيل إن فراغ المكان شجّعهم على تحصين ذلك البرج القديم، ووفروا بداخله ما يحتاجون إليه.

        وحفظا للحصن، تركوا اثنا عشر رجلا، ورجع الآخرون إلى لشبونة؛ ليستأذنوا الملك مانويل في الإقامة هناك[iv].

وواضح أن هذه الرواية تريد أن توحي إلى القارئ كيف أن الأقدار حوّلت الهزيمة في « تارغا» إلى فتح، وأن الاستيلاء على « برج الشيخ» ساقت إليه تلك الأقدار، وأنه جاء عن طريق الصدفة التي رمت بالأسطول إلى هناك؛ إذ أن هيجان البحر هو الذي ألجأهم إلى ساحل «برج الشيخ»؛ فكان إيجاد « البريجة» وإنشاؤها على أيديهم وكأنهم أوجدوها من عدم.

        المرحلة الثانية: 919ت/1505م:

أَذِنَ الملك البرتغالي لجورج دي ميلو ومن معه سنة 1505م بتشييد حصن ( البريجة) = « مازغان» ، وبعث معهم جماعة من البنائين والعمال، فشرعوا في إقامة حصن خارج البرج القديم.

        وما أن ظهرت معالم التحصينات حتى انطلقت أول شرارة من جانب سكان المنطقة« ففرّ النصارى إلى« البريجة» وتحصّنوا بها، وأفسد المسلمون كلَّ ما كانوا عملوه في تلك الأيام، وأحجروهم بحصنهم، ووضعوا عليهم الرصد إلى أن فتر عزمُهم ويئسوا من نجاح سعيهم؛ فعاد جلهم أو كلهم إلى لشبونة»[v].

        المرحلة الثالثة من 918 إلى 923هـ/1513 – 1517م

        بعد نحو سبع سنوات عاد الحنين إلى« البريجة»، ووصف العائدون منها إلى الملك مانويل« حسن البقعة، وصحة هوائها، ومنزلتها من البحر... وأنها عسى أن تكون سُلَّماً للاستيلاء على غيرها من بلاد المغرب، لاسيما ودولة المسلمين به يومئذ قد تلاشت، ومُلْكُهُم قد ضعُفَ»[vi].

        فوافق مانويل وعاد البرتغاليون إلى المكان الذي تعلقوا به، خريف عام 1513م، وفي هذه السنة بالذات، دخل الشرفاء السعديون منطقة خاصة. والغريب حقا أن احتلال أزمور كان خلال هذه السنة ( 27غشت 1513م)، ونزل الأسطول بمرسى «مازغان»، ومنه انطلقت الحملة إلى أزمور[vii].

        وذكر د. أحمد بوشارب أن البرتغاليين وجدوا القرية مخربة؛ فانصرفوا إلى تحصين « البريجة» من سنة 1514 إلى سنة 1517م[viii].

        ويعتبر أغلب المؤرخين سنة 1514م تاريخ احتلال البريجة. وهكذا جعلوا البريجة القديمة أحد أرباع التحصين، على كل برج منه برج حصين، وجاءت التحصينات بسيطة تعتمد على البرج المغربي الذي كان هناك، والذي أعطى اسم البريجة. وكل ما كان يوجد داخل السور، كان عبارة عن قاعة شاسعة مخصصة للسلاح، تفصلها عن السور مخازن الحبوب والعتاد، ولم يتعد حصن مازغان النشاط العسكري سنة 1514م؛ إذ اقتصر على استقبال السفن التي تحمل السلع والمساعدات الموجهة إلى أزمور[ix].

 

        المرحلة الرابعة: ابتداءً من 947 هـ – 1541م:

        عرفت هذه السنة انسحاب البرتغاليين من الشواطئ الجنوبية للمغرب، فبعد سقوط أكادير في ربيع سنة 1541، كان الانسحاب من أزمور وأسفي بالجلاء فوراً من هاتيْن القاعدتيْن مع الاحتفاظ بقاعدة «مازغان» وتحصينها[x]. وبرّر الملك هذا الاحتفاظ بتوافرها على ميناء جيد، وبكونه ينوي الهجوم ثانية على المنطقة[xi].

وذكر مارمول إن الملك مانويل البرتغالي « زادها تحصيناً منذ أن تخلّى عن مدينتي آسفي وأزمور»، ولاحظ أن أسوارها مشيّدة على الطراز العصري، بأحجار ملصقة بالجير، وفيها عدد كثير من المدفعية والذخيرة الحربية مع حامية قوية[xii].         ونظراً للمهمة التي أنيطت بمازغان؛ باعتبارها قاعدة لمقاومة توسع السعديين (1510 – 1659م)؛ انطلقت فيها تحصينات ضخمة ابتداءً من سنة 1541م، وتؤكد الوثائق أن أعمال التحصين في مازغان قد استمرت دون انقطاع منذ الصباح الباكر حتى المساء، وحتى أيام الآحاد والأعياد[xiii].

        أقام البرتغاليون حول ما تم بناؤه سابقا، سوراً على بعد 365 خطوة من الجهات الأربع، بل جعلوا السورَ سوريْن:

كثافة الخارج نحو خمسة عشر شبرا.

الداخل نحو الثلثيْن منه.

وبينهما فضاء مردوم بالتراب والحجارة الرقيقة الصغيرة.

فصار السوران بذلك سوراً واحداً، سعتُه خمسون شبرا عدا جهة البحر.

وارتفاع هذه الأسوار من الداخل نحو ستين شبرا، ومن الخارج نحو السبعين.

وأحاطوا خارج السور بخندق فسيح، جعلوا عمقَه أربعة عشر شبراً؛ بحيث إذا فاض ماء البحر ملأ ما بين جوانبه.

واتخذا داخل الحصن مَأْجَلاً عظيماً، أي حوضا واسعا يُجمع فيه الماء ( المطفية لخزن الماء، ويبدو أنه تم تحويل الحصن الأصلي إلى خزان الماء)، وبنوْا المخازن وسائر المرافق.

وأقاموا على أحد أرباع الحصن برجا مرتفعا جدا للمراقبة، يُشرف الحارس منه على نحو خمسة وعشرين ميلا من سائر جهاته.

واتخذوا للمدينة ثلاثة أبواب: أحدها على البحر، وهو باب المرسى، واثنان للخروج إلى البر؛ يربطان المدينة بباديتها؛ أحدهما يسمى باب الثيران تخرج منه المواشي إلى المراعي. وجعلوا أمام البابيْن قنطرتيْن ترتفعان وتوضعان وقت الحاجة بطرقة هندسية.

وقسموا الحصن إلى خمس حارات. وسموا كل حارة باسم كبير من قدمائهم على عادتهم في ذلك، وكان فيها جماعة من أشرافهم من أهل لشبونة وغيرها. وبلغ عدد سكانها أربعة آلاف نسمة.

واتخذوا بها أربعة كنائس.

وهكذا أصبحت المدينة في غاية المناعة والتحصين: سور سمْكُه 11 مترا، وعلوه 14 مترا، وعمق الخندق حول المدينة 3 أمتار[xiv].

فما كانت أصداء المقاومة المغربية لاسترداد البريجة؟ وكيف بقيت أبراجها صامدة من سنة 1541م، بل ومنذ أن ظهر فيها أول حصن سنة1505م إلى فتحها سنة 1769م على يد محمد بن عبد الله العلوي؟ (يتبع).

 

[ ملاحظة: نشر هذا المقال في مجلة الدراسة والإعلام: القوات المسلحة الملكية، عدد 281، مارس 1996، ص30 – 35].

 

 



[i]  البيان المغرب لابن عذاري المراكشي:4/390

[ii]  وصف إفريقيا: ليون الإفريقي، ترجمه عن الفرنسية: محمد حجي – محمد الأخضر – ط2 [ بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1983]:1/152 

[iii]  إفريقيا: مارمول كَرْبَخال، ترجمه عن الفرنسية: محمد حجي – محمد زنيبر – محمد الأخصر – أحمد توفيق – أحمد بنجلون – ط1 [ الرباط، دار نشر المعرفة، 1989م]:2/85

[iv] Les Portugais au Maroc de 1495 – 1521 :Damias Gois, extrait de la chronique du roi D . Manuel de Portugal – Traduction française avec introduction et commentaire par Robert Ricard – Publication de l’Institut des hautes études Marocaines – Rabat 1937 p.12 - 13

 

[v]  الاستقصا:4/136

 

[vi]  نفسه:4/136 - 137

 

[vii]Le Maroc à travers les chroniques maritimes : Timoule Abdekader, seconde édition, tome1 p.185

                                                                                           

[viii]  دكالة والاستعمار البرتغالي إلى سنة إخلاء أسفي وآزمور: د. أحمد بوشارب – ط1 [ الدار البيضاء، دار الثقافة، 1984]، ص378

[ix]  نفسه، ص442 – 443

[x]  المغرب في عهد الدولة السعدية: د. عبد الكريم كريم، ص63

[xi]  دكالة والاستعمار البرتغالي، ص424

[xii]  إفريقيا:2/85

[xiii]  المغرب في عهد الدولة السعدية، ص68

[xiv]تنظر الخريطة في كتاب د. أحمد بوشارب في كتابه: دكالة والاستعمار البرتغالي إلى سنة إخلاء أسفي وأزمور، ص442 – 443، وينظر ما نقله الناصري عن لويز مرية البرتغالي، وهي الموجودة أيضا في كتاب : أسفي وما إليها قديما وحديثا: محمد بن أحمد العبدي الكانوني، ص46... 48، ولمعرفة الجانب الهندسي البرتغالي للمدينة يكن الرجوع إلى:

Mélanges d’études luso-marcaines dédiés à la mémoire de Davide Lopes et Pierre de Genival (collection portugaise 6ème volume publiée sous le patronage de l’Institut Français au Portugal :1945

 

(0) تعليقات
قراءات في كتاب: الأثر الأرسطي للدكتور عباس أرحيلة

 

تقرير حول أشغال يوم دراسي
 

               إعداد: عبد الجليل شوقي

 

 
 

نظمت كلية اللغة العربية بمراكش يوما دراسيا حول كتاب" الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري" للدكتور عباس ارحيلة يومه الخميس 22 ماي 2008 بقاعة الإجتماعات العامرة بالحرم الجامعي المذكور، في إطار التكوين الموازي لطلبة الماستر (وحدة التكوين والبحث:البلاغة والخطاب) والتكوين المستمر (وحدة التكوين والبحث:جماليات النص الأدبي في الغرب الإسلامي وأنماط التلقي،وباقي الوحدات). وقد قسم اليوم إلى جلستين صباحية وأخرى مسائية.

أستهل اليوم الدراسي بكلمة ترحيبية للدكتور حسن جلاب عميد كلية اللغة العربية بمراكش،ارتكزت بالأساس حول فكر الدكتور عباس ارحيلة ودوره في الثقافة العربية بدراساتها المغريبة، وجهوده الأكاديمية في الجامعة المغربية مستعرضا حياة الرجل العلمية الطويلة والمثمرة.

بعد ذلك تناول الدكتور عباس ارحيلة الكلمة والتي شكلت محاضرة في موضوع:اثر الغرب في الثقافة العربية عامة والدراسات النقدية والبلاغية خاصة إضافة إلى مواضيع فرعية أسالها شجون الحديث.

بحماسة الرجل المدافع المنافح عن دوحة الثقافة الإسلامية العربية(وترتيب مصطلحي "الإسلامية" و"العربية" من توصياته خلال المحاضرة)تلونت كلمته من ألفها إلى يائها،وبثقافة الرجل اللغوية استهل حديثه عن مصطلح:"الأثر"، ثم بعد ذلك تتبع بمعول المؤرخ الأدبي أرض الثقافة العربية يقلب فيها عن الفرج التي فتحتها –عن قوة-لمحاورة الثقافات الأخرى.

ثم استعرض الدكتور ارحيلة جهود الدارسين العرب لهذا الموضوع منذ ما قبل سنة 1931م ومرورا بسنة 1961م في دراسات كل من: طه حسين (ت1973م) وإحسان عباس (تـ1998م) وعبد الرحمان بدوي(ت2002م) …وكذلك جهود المستشرقين. وخلص إلى أن هذه الدراسات كادت تجمع على وجود أثر أرسطي في النقد و البلاغة العربيين بل وتعززت بعد سنة 1961م لظهور مصادر نقدية وبلاغية جديدة محققة. وأما جهود المستشرقين فقد شكك في نواياها لخدمة تراث الأمة الإسلامية العربية.

وإذا كنا نعرف مسبقا رأي الدكتور ارحيلة في هذه القضية من خلا كتبه ومقالاته ومفادها:"إذا كنا قد أصبحنا أثناء نهضتنا الحديثة نسير على آثار أوربا في كل شيء، وأننا اليوم ما عدنا نتساءل هل نقلد أم نذوب ونتلاشى في غيرنا بأنفة وكبرياء، فإن من كان قبلنا كانت له وجهة أخرى. يأبى أن يسير على أثر غيره، إذ كان له أثره الخاص به.لان الحضارات الإنسانية لا تؤسس ولا تحقق تراكماتها المعرفية بالتناسخ" (مجلة عالم الفكر،ع2، مج32، 2003م)، فإن الرجل يعلن ثباته عل هذا الموقف حيث قال:" منذ 17 سنة ولا زلت أومن به إيمانا أعمى".

ختم الدكتور ارحيلة محاضرته بتحليل نص من كتاب :"منهاج البلغاء وسراج الأدباء" لحازم القرطاجني (ت684هـ) في الصفحة 68 ليبرز المسافة التي وضعها هذا العالم بينه وبين التراث اليوناني من خلال دراسته المقارنة للأدبين العربي واليوناني.

بعد فترة استراحة قصيرة، ترأس الدكتور مولاي المامون المريني جلسة خصصت لأسئلة وتدخلات السادة الأساتذة والطلبة الباحثين حول الموضوع المطروح للنقاش.

خصصت الجلسة المسائية لمداخلتين لطالبين من طلبة الماستر وحدة:"البلاغة و الخطاب" برآسة الدكتور احمد قادم.

·       الأولى: قراءة في الفصل الثاني من القسم الثاني من كتاب "الأثر الأرسطي" الموسوم بـ:كتاب الشعر لأرسطو" من إنجاز الطالب: فيصل أبو الطفيل.

·       الثانية: قراءة في الفصل الثالث من القسم الثاني من كتاب " الأثر الأرسطي" الموسوم بـ" كتاب الخطابة لأرسطو" من إنجاز الطالب الباحث الشيخ سيدنا عيسى صمبا.

بعقب هاتين المداخلتين تناول الكلمة الدكتور ارحيلة للتعقيب والإجابة عن أسئلة الجلسة الصباحية، ومن أهم الأفكار التي ناقشها:

    ترجمة كتابي "الشعر" و"الخطابة" إلى الثقافة العربية: عرض تاريخي ونقد معرفي.

    خصوصية النقد اليوناني: غير معروف التراث، غلبة المسرح والخرافة على مباحثه، استيقاظ جذوته في نفوس الأوربيين اليونانيين الجدد.

    خصوصية الثقافة العربية المتعلقة بالعقيدة الإسلامية.

    أوجه التأثيرات الأخرى غير اليونانية في الثقافة الإسلامية العربية (الفارسية و الهندية...)

وعلى الساعة الخامسة مساء اختتم اليوم الدراسي على أمل أن تتكرر المناسبة ويتجدد اللقاء بالدكتور المحتفى به.

 

 

 

 

 

 

(0) تعليقات
قراءة في كتاب "معجم المعاجم" لأحمد الشرقاوي إقبال

 
عباس أرحيلة

 

       تمهيد:  

مما قيل في تكريم أحمد الشرقاوي إقبال، رحمه الله، سنة 1987:

قال مولاي إبراهيم الحاري رحمه الله تعالى:

   إقبالٌ موسوعـةٌ تمشي على القدمِ       ودَيْـمةُ النبـل تَسْقِي تُربَةَ القيَـمِ

ٌ   إقبـالٌ نابغــــةُ الحمـــراءِ ومُلهـمُهــا      وفذُّها الشـهمُ يُحيي دولةَ الشيَمِ

   إقبالٌ في اللغة الفصحى منارُ هدىً          ما غـاب عن أُفْقه سرٌّ من الكَلِمِ

وقال الشاعر أحمد بلحاج آيت ورهام أمدّ الله في عمره:

        يا قامةَ الفصحى، وعينَ وجودها     مرحى، فجودُكِ عزةٌ ووِسامُ

        أوقدتِ في جسد اليراعة رَقْصَةًً     سحرتْ بياضَ الليل وهو غُلام

إلى أن قال:

     شــرفُ اللســــــان لــم يَحْمِهــا     إلاَّهُ، فهــو رسولُها المِقــــدامُ

     يا صفوةَ الأسلاف.. يا فرَحَ السنا      مـا أنــــتَ إلاَّ حجـــة وإمــــامُ

     لو في بني الحمراء عِرَقُ شهامةٍ    لرأيتَ نُصبَك في السماء يُقامُ

وقال  الشاعر أحمد الدباغ أمد الله في عمره:

    هذا النفيس الذي جئنا نُكَرِّمُه      فما لــــه اليـــومَ أمثـالٌ وأشــبـــاه

    تجسَّـدتْ فيه أعـلامٌ لمعرفـة      عاشت على الربع في عهد علمناه

وفي هذا اللقاء الكريم، أقول كلمة مقتضبة عن كتابه « معجم المعاجم».

أولا: أحمد الشرقاوي وتعلّقه بالعربية:

أحمد الشرقاوي إٌقبال نموذج لانفتاح التعليم الأصيل على التعليم العصري في مطلع استقلال المغرب، عايش الانشغالات الثقافية والفكرية لتلك النهضة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وتحمل مسؤولية التربية والتوجيه في النهضة المغربية الحديثة.  

أحب العربية وتعلق بها، وزاد شغفه بها على امتداد حياته؛ باعتبارها لسان الوحي؛ الحاملة لكلام رب العالمين، ولرسالته إلى الخلق أجمعين.

 وآمن بأن الحفاظَ عليها هو من الدين بالضرورة، وأنَّ الجهل بالعربية جهلٌ بالدين، وفي العنايةِ بها صيانةٌ للعقيدة الإسلامية، وتذكير للمسلمين أن لهم الريادة والقيادة في الأرض. والريادة تقتضي أن تشيع العربية في ربوع الأرض، وأن تتمكن من نفوس أهلها؛ ولهذه الغاية صرَفَ جهودَهُ لخدمتها، حتى نال منها ونالتْ منه؛ فأضحى ذخيرة لغوية متنقلة.

 وكانت غاية الرجل رحمه الله أن يُثبت قدرة العربية على مواجهة العصور الحديثة؛ خاصةً وأن ظاهرة التغريب كانتْ تجتاح العالم العربي عامة، وأن العربية بدأت تتوارى أمام سيادة اللغة الفرنسية في المغرب خاصة.

عرفت هذا الرجل في الفترة الأخيرة من حياته، وإن كنت أسمع عنه كثيرا، وحين عرفته لم أعرف له شبيها في عزة النفس، وصفاء الطوية، وحب لغة الضاد، والمعرفة بدقائقها وأسرارها، والحفظ لشواردها وشواهدها.

ثانيا: وضعه لكتاب « معجم المعاجم»:

من منطلق شغفه بالعربية، وتعلقه بها، وجد أحمد الشرقاوي، رحمه الله تعالى، نفسه يعيش في تخوم المعجم العربي، وحدائق عيون الشعر العربي، ونوادر شواهد العربية. أدرك، رحمه الله تعالى، أن المعجم العربي هو لسان حضارة الإسلام، وهو مفتاح لغة القرآن. وإذا كانت اللغة – كما يقول - « هي السجل الذي يحفظ كل ما هو أساسي في حضارة الأمم (...)؛ فإن المعجم العربي قد حفظ حضارة الإسلام بكل ما فيها من ماديات ومعنويات جملةً وتفصيلاً من غير فوت ولا نُقصان، واحتوى عليها احتواءً أوْفَى على الغاية»، كما جاء في مقدمته لمعجم المعاجم: [ ص، أ ].

وقد نوَّهَ في مقدمة كتابه بجهود السابقين في خدمة المعجم العربي دراسةً وتأريخاً، ووجد أن تلك الجهود أغفلت جانبا هاما يظل المعنيون بالتراث اللغوي العربي في أمس الحاجة إليه؛ لكبير منفعته وشدة رغبتهم فيه؛ فتصدَّى لهذه المهمة العلمية، وقال:« ومنذ ربع قرن مضى تعلَّقَ همِّي بالمعجم العربي؛ فانشغلتُ فيه إحصاءً ودراسةً؛ سوَّلتِ النفسُ معهما أن أُعَرِّفَ بالمعاجم العربية منسوبةً ومخطوطةً ومطبوعةً، فطاوعتُها في التسويل، فكانت هذه الدراسة» [ ص:ز].

وبعمله هذا أنجز، رحمه الله تعالى، مشروعا ضخما تعجز المؤسسات عن تحقيقه وإنجازه، وأفنى من أجله ثلاثين سنة من عمره. ولا شك أن المرء يتساءل، كيف تأتّى لهذا الرجل، وهو يعيش في مدينة مراكش، أن يُنجز هذا المشروع؛ الذي يحتاج بطبيعته إلى خزائن وخزائن؟ كيف يُلم ّ بحصيلة ما أنجزته الثقافة العربية في مجالات المعجم العربي، وهو – كما يقول – « ذلك المعجم الثرُّ الغنيُّ بمادته الوفيرة، وأشكاله المتنوعة» [ ص: أ ]، كيف سيواجه ألفاً ونصفَ ألفٍ من المعاجم؟ كيف يُصنف هذا العدد وما يحتويه من أشكال وأنواع؟

ثالثا: مقاربة  هذا المجهود:

مجهود أحمد الشرقاوي إقبال، رحمه الله تعالى، عبارة عن محاولة رائدة في بابها، فريدة في طبيعتها؛ استوعب فيها حصيلة المعاجم في التراث العربي، وقدّم عملا بيبليوغرافيا أحصى فيه ما صنَّفه أهل الإسلام من معاجم في تاريخهم العلمي والثقافي. وجاء في العنوان الفرعي لكتابه «معجم المعاجم»:" تعريف بنحو ألف ونصف ألف من المعاجم العربية التراثية".

وقد لاحظ المعجميون العرب وغيرهم أن التراث المعجمي في الثقافة العربية تنوعتْ حقوله على نحو يعز على الحصر، وتعددت اتجاهاته ومدارسه.

من المعلوم أن جهود المعجميين انشغلت بترتيب مداخل المعاجم العربية؛ انطلاقا من تصنيفهم لها إلى معاجم ألفاظ ومعاجم معان؛ الأولى تُعنى ببنية الكلمة وموقعها، والثانية تُعنى بالمعنى فتجمع ألفظ موضوع معين في باب معين. فوقفتْ هذه الجهود عند شكل المعجم العربي طبقا لترتيب مداخلها؛ حسب أوائل أو أواخر المواد اللغوية، وحسب أبنيتها وتقاليبها. فماذا فعل الشرقاوي إقبال، رحمه الله؟

لقد سعى بإصرار إلى حصر النشاط المعجمي في التراث العربي، والكشف عن غناه وتنوعه كَمّاً وكيفاً.

واجهَ ألفاً ونصف ألف من المعاجم في موضوعات مختلفة، ومن عهود متابعدة  في تراث الإسلام، فنظر في محتوياتها، وأطال النظر والتأمل في أنواعها،  فحاول أن يرصُد محتوياتها، ويُحدِّد أنواعها؛ ليتمكن من تصنيفها.

رابعا: مسألة تصنيف المعاجم

قدم أحمد الشرقاوي إقبال تصنيفا نوعيا للمعاجم العربية؛ حيث قسَّمها إلى تسع مجموعات هي: مجموعة اللغات، مجموعة الموضوعات، مجموعة القلب والإبدال، مجموعة الاشتقاق، مجموعة الحروف، مجموعة الأبنية، مجموعة المعاني، مجموعة الأوشاب، مجموعة الطرائف.

وكل مجموعة من هذه تشكل في ضوء محتوياتها نوعا له سياقه المعرفي وخصائصه الذاتية المشتركة. ولا شك أن البحث عن المميزات لكل صنف من أصناف المعاجم، جعل الشرقاوي يواجه قضية التصنيف باعتبارها قاعدة علمية في البحث العلمي، وقد دخل إلى معتركها بصبره المعتاد؛ فأسهم في تقريب مظان البحث في مجالات الثقافة العربية. ويُلاحظ القارئ لـ « معجم المعاجم»، ما اعترض الباحث، رحمه الله، من مشاكل وهو يضع تصنيفه هذا لأنواع المعاجم في التراث العربي.

وإليك تقريب هذه المجموعات، وما تشتمل عليه من أنواع:

أولا: مجموعة اللغات: عددها: 409، أنواعها: غريب القرآن: 91 معجما - معاجم غريب الحديث: 96 معجما – معاجم المصطلحات: 35 معجما -  كتب اللهجات: 9 – معاجم النوادر: 54 – معاجم المعرب: 7 – معاجم التصويب اللغوي: 117 .

ثانيا: مجموعة الموضوعات: عددها:331 ، أنوعها: الحيوانات:106 – الوحوش:12 – الحشرات:21 – معاجم النبات:32 – معاجم الأنواء وما إليها:40 – معاجم الأمكنة:29 – في عدة الحرب:33 – معاجم في مجالات مختلفة:57.

ثالثا: مجموعة القلب والإبدال: عددها:  76 - أنواعها: كتب الإبدال والتعاقب:10 -  كتب الهمز:  9 -  كتب الصاد والظاء:  51 -                                  في أحرف أخرى:6.

 رابعا: مجموعة الاشتقاق: عددها:35 - معاجم الاشتقاق:  30 - في النحت: 1    - في الإتباع: 4 ].

خامسا: مجموعة الحروف: عددها:116 -   معاجم الحروف:11 – ما ألف على العين وغيره:  39 – معاجم على نظام التقفية: 7 – شروح على القاموس وغيره:  18 – أعمال على الصحاح:الحواشي:5، التكملات:3، الذيول:3، الاختصارت:12 – التهذيبات:7 – الانتقادات:5 -، أعمال شتى على الصحاح:9 – حول اللسان:4 – أعمال على القاموس: 4، الحواشي:9، مختصرات:5، نقود واستدراكات:10، أعمال أخرى على القاموس:7  - نظام الألفباء: 8،أعمال عليها:3.

سادسا: مجموعة الأبنية: عددها:139 - معجم الأبنية: 30 – معاجم الأفعال:31 – معاجم المذكر والمؤنث:31 – معاجم المقصور والممدود:47.

سابعا: مجموعة المعاني: عددها:   126  - في الترادف عامة: 4 ، الترادف في الطبائع والعادات:  3 ، الترادف في العسل والخمر:  6 ، الترادف في المعدن والحجر:   3 ، الترادف في أسماء الحيوان:  14 ، الترادف في أشياء شتى:8، معاجم الاشتراك:11 ، معاجم الأضداد:   30 ، معاجم المثلث: 47.

ثامنا: مجموعة الأوشاب: عددها: 97

تاسعا: الطرائف: عددها: 40                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 

كلمة في الأخير:

       من يقرأ « معجم المعاجم» للشرقاوي يدرك أن المعجم العربي يُشكل بؤرة كلية لثقافة أمة الإسلام، وأن داخله تتأصل وحدة الأمة، وفيه تتفجر علاقة الأمة بلغتها، وتتكون شخصية الفرد، ومن خلالها يتشكل العقل العربي، وتنبعث الأفكار وتتجذر القيم، ويتضح جليا أن اللغة العربية هي الثقافة في حضارة الإسلام، وهي المعرفة. ومجهود أحمد الشرقاوي إقبال رحمه الله، لا يدل فقط على غنى اللغة العربية كما وكيفا؛ وإنما يفتح مجالات واسعة لكثير من حقول الثقافة العربية، ولكثير من الأبحاث والدراسات في قضايا فكرية عديدة.

  

ــــــــــــ

(1) صدرت الطبعة الأولى عن دار الغرب الإسلامي ببيروت، سنة 1987، أهداه إلى د. محمد حجي، وظهرت الطبعة ثانية مزيدة ومنقحة سنة 1993.

(0) تعليقات
أبو بكر الصديق

 

     ما زاد من مال أبي بكر الصديق منذ وليَ الخلافة:

     « لما أوصى أبو بكر رحمه الله بردّ ما زاد في ماله منذ ولي الخلافة إلى بيت أموال المسلمين أمرت به عائشة إلى عمر؛ فإذا هو بَكْرٌ (1) وجَرْدُ قطيفة (2) لا يساوي خمسة دراهم وحَشيَّة(3). فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتسلُبُ هذا ولَدَ أبي بكر؟ فقال عمر: كلا، ورب الكعبة، لا يتأثم بها أبو بكر في حياته(4)، وأتحمل بها بعد موته، رحم الله أبا بكر، كلَّفَ مَنْ بعدَه تعباً ».

 

هوامش:

 

(1)          بَكْرٌ: الفَتِيُّ من الإبل.

(2)          جَرْدُ قطيفة: قطيفة بالية. والجَرْدُ: الخَلَقُ من الثياب، من انجرد الثوب إذا انسحق ولان. وفي حديث أبي بكر، رضي الله عنه، ليس عندنا من مال المسلمين إلاّ جَرْدُ هذه القطيفة أي التي انجرد خَمَلُها وخَلَقَتْ [ مادة: جرد: اللسا،].

(3) حَشيَّة: الفراش المحشو.

(4) تَاَثَّمَ: إذا تحرَّجَ عن الإثم وكفَّ عنه

 

المصدر:

 

- كتاب المعارف: ابن قتيبة (276هـ)، تحقيق: د. عكاشة، ص171

– شمس المعارف ودواء كلام العرب من الكلوم: نشوان بن سعيد الحميري، تح. د. حسين بن عبد الله العمري، مطهر بن علي الإدياني، د. يوسف محمد عبد الله – ط1 [ دمشق، دار الفكر،1999م]: 1/183

 

 

 

(0) تعليقات


<<Home